كامل كرم .. بطل مقاومة عكد الاكراد شباط 63

مؤيد عبد الستار

ياغرة بياض بكَصة التاريخ // جسدت الرجولة بكل معانيها
شفت الكاظمية …ومذبحة باب الشيخ // وعكود الكرد وشما حواليها *

ترعرع كامل كرم ونشأ في منطقة باب الشيخ ، شارع الكفاح وسط عكَد الاكراد ، حيث تكتظ البيوت بابناء قومه الكورد الذين يعملون في مختلف المهن ويتصدرون التجارة في سوق الشورجة المشهور بتجاره الكورد ، الذين نكل بهم نظام صدام حين شرع بجريمة تهجير الكورد الفيليين فاستدعى التجار الكورد الى مقر بناية غرفة تجارة بغداد . وحين اجتمع أغلبهم في المكان نـقـلتهم الشاحنات العسكرية الى الحدود الايرانية والقت بهم في العراء واجبرتهم تحت تهديد السلاح على السير تجاه ايران، ثم استمرت السلطات الامنية بنقل الاف الاسر الكوردية من بغداد ووسط وجنوب العراق الى الحدود الايرانية وحجز الشباب والتخلص منهم باساليب اجرامية إذ استخدمتهم في التجارب الكيمياوية والبيولوجية .
منطقة ( باب الشيخ وعكد الاكراد) معروفة منذ العهد الملكي بكونها بؤرة سياسية معارضه يحتل اليسار فيها مكانة بارزة ، وزاد من تعاظم نفوذ اليسار وبالذات الحزب الشيوعي نجاح ثورة 14 تموز 1958 .

في هذه الاجواء عرف المناضل كامل كرم طريقه الى الحزب الشيوعي واصبح عضوا فاعلا وكادرًا متقدما من كوادره .وفي عام 1961 حدث خلاف بين قيادة الحزب الديمراطي الكوردستاني والزعيم عبد الكريم قاسم، ما أدى الى وقوع نزاع مسلح مع الجيش، فنظم الحزب الشيوعي بتاريخ 4/16/ 1961 تظاهرة يقودهاالمناضل كامل كرم انطلقت من ساحة النصر الى ساحة النهضة مرورا بشارع الكفاح تحت شعار:ياشعب طفي النيران … سلم ، سلم ، كوردستان.ص38 صفحات من سـيرة مناضل (1).
ونتيجة شعار السلم في كوردستان الذي رفعه الحزب الشيوعي اعتقلت السلطات مجموعة كبيرة من أعضاء الحزب وكبارالمثقفين الذين نظموا الاحتجاجات ورفعوا طلبات ايقاف القتال في كوردستان. وفي 30 / 9/ 1962 صدر قرار باغلاق جريدة الحزب الشيوعي (اتحاد الشعب).

قدمت المدرسة الفيلية التي كانت ثمرة جهود مجموعة من التجار الفيليين في بغداد ( تأسست في الاربعينات ) فرصة عمل للمناضل كامل كرم ثم حصل على وظيفة في وزارة التخطيط .

شـهـد عام 1962 اضراب عمال السيكاير واعتصامهم في المعمل فاتخذ الحزب الشيوعي قرارا بمساندة الاضراب والنزول الى الشارع والمبيت ليلا حتى الصباح قرب بناية معمل السيجائر.
القى المناضل كامل كرم كلمة حث فيها العمال على الصمود ، واتصل بقيادة الحزب من محل نجارة في المنطقة وفي اليوم التالي استمرت التظاهرات فاطلقت القوات العسكرية النار على المتظاهرين .

شاهد على الحدث
كنا نسكن في شارع الوثبة ، قرب ثانوية الجعفرية للبنين.و يقع معمل سجائر تركية في زقاق يتصل بشارع الوثبة ، وبسبب اعتصام العمال في المعمل ، ومشاركة جماهير الحزب الشيوعي في مساندة الاضراب ، جاءت قوات عسكرية واغلقت المداخل والطرقات وحاصرت الجماهير بين شارع الرشيد وشارع الجمهورية , انتشرت قوات عسكرية مسلحة ببنادق الكلاشنكوف ترافقها الدبابات، وقفت أمام الجماهير سدا منيعا لا تسمح بدخول أحد ، ولكنها تسمح بخروج من يريد من المتظاهرين المساندين للعمال المضربين عن العمل والمعتصمين داخل بناية معمل سجائر تركية .
ولما حل المساء قـدّم سكان الشارع المحاصر ما لديهم من طعام للمتظاهرين ، وقدموا لهم الشاي أيضا.
كان في الشارع محل لبائع الرقي( البطيخ الاحمر ) يدعى فاضل- كما اذكر – وزع الرقي على جموع المتظاهرين.
تجددت الهتافات ضحى اليوم التالي ، فصعد بعض الرجال الى بناية فرن للخبز يشرف على شارع الوثبة وبعدها سمعنا اطلاق نار من سطح بناية الفرن على المتظاهرين فاصيب أحد الشباب، رفعه رفاقه فوق اكتافهم وهم يهتفون وينشدون ، ولكن اطلاق الرصاص الكثيف في الهواء جعل الجميع يهربون ويلجأون الى البيوت المجاورة ، فاختفى أغلب المتظاهرين في البيوت التي كانت تترك ابوابها مفتوحة .
بعد اخلاء الشارع شرعت القوات العسكرية تفتيش بيوت الناس فاخرجوا اعدادا غفيرة من المتظاهرين ، فتشوهم ثم نقلوهم الى مراكز الشرطة والامن.
عن هذا الحدث نشرت قصة ( سجائر تركية ) في مجلة الثقافة الجديدة ثم صدرت في مجموعتي القصصية ( امرأة من ورق – دار الحكمة ، لندن 2004 ).

مقاومة انقلاب 8 شباط
في يوم بارد من أيام شباط 1963 نجح انقلاب مشؤوم على نظام الجمهورية الاولى في العراق ما أدى الى اندلاع مقاومة ثورية في عدة مناطق ببغداد مثل مدينة الثورة ومدينة الكاظمية ومنطقة باب الشيخ / عكد الاكراد
كانت الاسلحة القليلة التي لدى المقاومة لا تكفي لنجاح المقاومة على الانقلابيين. وكان المناضل كامل كرم أحد ابطال تلك المقاومة في حي الكورد في شارع الكفاح / باب الشيخ .
ما أن شعرت الجماهير بخطورة الانقلاب المشؤوم الذي تكشفت وجهته المعادية للشعب وقواه الوطنية والذي يروم القضاء على منجزات ثورة الرابع عشر من تموز حتى هبت بالاف مؤلفة لنصرة قادة الثورة الذين حضروا الى وزارة الدفاع لقيادة القوات المسلحة للقضاء على المؤامرة .
طلبت الجماهير من الزعيم عبد الكريم قاسم تسليحها لكي تقضي على المتآمرين ولكن الزعيم رفض ذلك بشدة وقال لااريدها حربا أهلية.!!
ومناصرة لثورة تموز تشكلت بؤر مقاومة للانقلاب في الكاظمية وعكد الكورد ومناطق اخرى من بغداد ولكنها كانت تفتقر الى السلاح والعتاد . يقول المناضل كامل كرم عن مساهمته في هيئة مقاومة عكد الكورد ( عقدنا جلسة مسائية في دار مقابل جامع هادي بادي تم فيها تحديد المهمة الرئيسة وقضية السلاح والمراقبة ….كما تم مناشدة العائلات للمساعدة ، وكانت الحصيلة بندقيتان و 6 مسدسات إضافة الى رشاش قديم وذخيرته ، حيث كان مخفيا في دار الشقيقة الكبرى في القشل ، واتى به العزيز علي ، وكنت قد حملت الرشاش الاخر الى ساحة النهضة ظهر اليوم السابق .) ص 64
بعد مقاومة بطولية ليومين او ثلاثة تعذر الاستمرار بالمعركة فصدر توجيه حزبي بالانسحاب الهادئ بسبب المخاطر الجدية على السكان وارتفاع عدد الشهداء والجرحى حيث بات الرمي عشوائيا، وهكذا تمكن الاوباش من اجتياح المنطقة وعاثوا فيها دمارا وخرابا. ص66
بعد نجاح انقلاب 8 شباط 1963 واعدام الزعيم عبد الكريم قاسم والضباط الاحرار في دار الاذاعة دون محاكمة ، انطلقت قوات الحرس الانقلابية لملاحقة المواطنين وارتكاب ابشع الجرائم بحقهم وشجع على ذلك بيان رقم 13 الذي أصدره رشيد مصلح الحاكم العسكري العام للانقلاب يدعو فيه الى ابادة الشيوعيين والقضاء عليهم .
لم يجد المناضل كامل كرم افضل من الاختباء عند ابناء عمومته في كوردستان ايران ، في عيلام بين جبال بشتكو وجبال زاغروس ، إذ كانت الاواصر قوية بين ابناء العشيرة الذين قسمتهم الحدود المرسومة بين العراق وايران .
تعود اصول المناضل كامل كرم الى عشيرة العليشيروان الكوردية ، فقرر السفر الى البصرة ومن هناك الى الاهواز ثم الى مناطق عشيرته في جبال زاغروس ( عيلام وبشتكو)التي رحبت به وقدمت له التسهيلات الضرورية للعيش والاختفاء عن أعين السافاك ، البوليس السري الشاهنشاهي المعروف بقسوته.
يصف المناضل كامل كرم الطريق من عيلام الى بغداد ، في ص 102 ان الطريق من ايلام
الى دهلران ويسمى بغداد ره اي طريق بغداد ، والى مندلي ثم الى بغداد . او من دهلران الى بدره وجصان ثم الى الكوت ,
يواصل المناضل كامل كرم رواية أيام اختفائه في عيلام وكرماشان وانتقاله الى طهران ثم عودته الى الوطن بعد فشل الانقلابيين في الاحتفاظ بالسلطة .
وبعد عودته والتحاقه بتنظيم الحزب مجددا ، وبعد سنوات قليلة يضطر للهروب من جديد الى جبال كوردستان ويصبح ممثلا للحزب في طهران ثم ينتقل الى افغانستان ويصبح ممثلا للحزب الشيوعي العراقي في كابل التي اصبحت تحت وصاية السوفيت . وبعد بوادر تحسن العلاقات مع حكومة البكر يعود كامل كرم الى بغداد ليمارس مهامه السياسية .
ولكن العراق لن يسلم من سلطة البعث فيضطر من جديد لمغادرة العراق واخيرا ينتقل الى
السويد ليواصل نضاله العنيد بوسائل جديدة .
ساتوقف هنا لاترككم تتابعون مسيرة المناضل كامل كرم التي سجل جوانب مضيئة منها في هذا الكتاب ، فهناك فصول تستحق القراءة عن الجبهة الوطنية وعن عودته الى بغداد ومسيرة طويلة من الاحداث التي ستكشف لكم معاناة السياسي الحريص على مصلحة الوطن وهو يرفع شعار وطن حرٌ وشعبٌ سعيد .
…. ……………………………….

1- صفحات من سيرة مناضل .. كامل كرم ، دار الرواد المزدهرة ، ط1 ، بغداد 2025.

* من قصيدة للشاعر عريان السيد خلف في الزعيم عبد الكريم قاسم (بتصرف)

– كامل كرم ، بطاقة موجزة
.
كامل كرم ( ابو علاء ) ولد ببغداد عام 1937 لاسرة كردية فيلية تنتمي لقبيلة عليشرواني

أكمل الثانوية وعمل معلما في المدرسة الفيلية ببغداد الاعوام 1957 ، 1958 ، 1961
حصل على عضوية الحزب الشيوعي عام 1957.

شارك في قيادة التظاهرة الشهيرة المليونية في 1 ايار 1959

-1960 تسلم مسؤولية لجنة محلية الاعظمية ببغداد

– شارك في قيادة المقاومة في شارع الكفاح -عكـد الاكراد – في شباط 1963 وكان نائب مسؤول المقاومة الشهيد العبلي..
– بعد سيطرة الانقلابيين على السلطة استطاع الهرب الى ايران.واختفى وسط العشائر الكوردية.

-عام 1971 اعتقل في البصرة وتعرض الى تعذيب فقد اثره البصر في عينه اليمنى، اطفأ رجل الامن سيجارة في عينه.
ثم اصبح مسؤولا عن محلية البصرة في زمن الجبهة الوطنية 1973/ 1974 .

– 1978 اختفى ببغداد وهرب الى ايران ليصبح ممثل ومسؤول الحزب في طهران الاعوام 1980- . 1987
بعد ذلك انتقل الى افغانستان واصبح مسؤولا للحزب في كابل من سنة 1987 لغاية 1990 .
هاجر الى السويد وما زال يعيش فيها.

قد يعجبك ايضا