المياه والكهرباء في تونس.. هل تكون كوردستان طوق النجاة؟

الباحث الحقوقي رنج باراوی

تونس، تلك البلاد الجميلة في شمال أفريقيا المعروفة بتاريخها المجيد، وثقافتها الغنية، ومكانتها البارزة في قطاع السياحة، واجهت في السنوات الأخيرة اختباراً قاسياً. فقد أصبحت الخدمات الأساسية، ولا سيما توفير مياه الشرب والكهرباء، تحدياً كبيراً يضع الحياة اليومية للمواطنين والقطاع السياحي تحت ضغط هائل. إن فهم هذا الوضع يتطلب تقييماً دقيقاً لجذور الأزمة التاريخية، وتكاليفها الاقتصادية، والبحث عن شركاء خارجيين مناسبين مثل الشركات والمستثمرين من إقليم كوردستان.

تعود الجذور الأساسية لهذه المشكلة إلى البنية التحتية للمياه والكهرباء في تونس، والتي تم بناؤها في عهد الرئيس الراحل (الحبيب بورقيبة)خلال حقبتي الستينيات والسبعينيات. تكمن المشكلة الجوهرية في أنه منذ ذلك الوقت وحتى الآن، ومع اتساع المدن والنمو السريع للسكان، لم يُجرَ أي تحديث استراتيجي وشامل لهذه البنية التحتية القديمة، ولم يعد النظام قادراً على تحمل الضغط الحالي.

تعد أزمة المياه في تونس نتيجة لعدة عوامل متتالية؛ منها التغير المناخي والجفاف الذي أدى إلى تقليل معدلات الأمطار، وتسبب في جفاف السدود وانخفاض مخزونها المائي إلى أقل من ثلاثين بالمائة من طاقتها الاستيعابية. من جهة أخرى، تتميز مياه الأنابيب في معظم مناطق الوسط والجنوب بملوحتها وارتفاع نسبة الأملاح والمعادن فيها، مما يجعلها غير صالحة للشرب المباشر، ويجبر المواطنين على الاعتماد على المياه المعبأة. كما أن حفر الآبار العشوائي أدى إلى استنزاف المياه الجوفية، وأسهم قدم شبكات نقل المياه التابعة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (SONEDE) في هدر كميات كبيرة من المياه النقية قبل وصولها إلى المواطنين.

إلى جانب هذه الأزمات، يعاني قطاع الكهرباء -الذي تديره الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG)- من قدم محطات الإنتاج وصعوبة توفير الوقود. وقد شكلت تكلفة إدارة هذه الأزمة وشراء الوقود للمحطات عبئاً ثقيلاً على ميزانية الدولة التونسية وأحدثت عجزاً مالياً إضافياً؛ مما يبرز حاجة البلاد الماسة للبحث عن شركاء جدد واستثمار خارجي مستقر. ونظراً لأن تونس بلد سياحي يرتاده عدد كبير من الزوار في مواسم محدودة، يقع ضغط مؤقت وقوي على شبكتي المياه والكهرباء، مما اضطر الحكومة إلى اللجوء لنظام القطع المؤقت للخدمات.

في سياق تجربة إدارة وحل أزمات الخدمات، أثبتت حكومة إقليم كوردستان (التشكيلة التاسعة) نموذجاً ريادياً في مجال التنمية وتنفيذ المشاريع الاستراتيجية للمياه. وأبرز مثال على ذلك هو إنجاز مشاريع المياه السريعة والحديثة في أربيل بهدف تجاوز العقبات الموسمية وتوفير الاستقرار الدائم لشبكات التوزيع. إن جلب هذه الروح الإدارية السريعة والناجحة إلى تونس يمكن أن يلعب دوراً كبيراً كحل عملي للمشكلات المشتركة.

بالنسبة للمواطن والقارئ التونسي، فإن جلب خبرة الشركات والمستثمرين من إقليم كوردستان عند الحديث عن توفير الخدمات والاستثمار يثبت قدرتهم على أن يكونوا بديلاً استراتيجياً وفعالاً عبر آليات عملية متعددة. يمكن أن يبدأ هذا التعاون الإنساني والاقتصادي عبر المساعدات الإنسانية العاجلة من خلال (مؤسسة بارزاني الخيرية )لتلبية الاحتياجات الأساسية خلال الأزمات الحادة، كدلالة على أواصر التضامن الثقافي العميقة بين الجانبين.

أما على الصعيد الاقتصادي، فبدلاً من النقل اللوجستي المكلف للمياه عبر آلاف كيلومترات، فإن جلب العلامات التجارية والخبرة وتكنولوجيا الشركات الرائدة في كوردستان لإنشاء مصنع مشترك للمياه المعدنية على الأراضي التونسية سيؤدي إلى كسر الاحتكار في السوق المحلي وخفض أسعار المياه المعبأة بشكل ملحوظ للعائلات محدودة الدخل. وبالتوازي مع ذلك، فإن الشراكة في مشاريع الطاقة الشمسية لمحطات المياه نظراً لتمتع كل من تونس وكوردستان بطاقة شمسية قوية- ستسهم في تخفيف العبء عن شبكة الكهرباء الوطنية التونسية. علاوة على ذلك، يمكن للتبادل الأكاديمي، والدبلوماسية العامة، وتشكيل لجنة استشارية مشتركة من الخبراء القانونيين والإداريين من الجانبين لتبادل الخبرات في إدارة الأزمات أن تعزز هذه الجسور بشكل أكبر.

لتجاوز هذه الأزمة، يتطلب الأمر اتخاذ خطوات سريعة على الصعيد المحلي، من ضمنها تخصيص ميزانية لإنشاء محطات ضخمة لتحلية مياه البحر في المناطق الساحلية، وتحديث البنية التحتية واستبدال الأنابيب القديمة، وإصلاح التسربات في الشبكة الوطنية. كما سيكون تطوير الطاقات المتجددة والاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتوفير الطاقة اللازمة لمحطات المياه، إلى جانب تطبيق الأنظمة الذكية لقياس والسيطرة على هدر المياه في المجتمع، خطوات بالغة الأهمية.

إن تخطي هذه الأزمة متعددة الأبعاد في تونس لا يتطلب إصلاحات محلية وتغييرات إدارية فحسب، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالانفتاح الدبلوماسي، وتوسيع أبواب الاستثمار الأجنبي، والاستفادة من تجارب الشركات والمستثمرين في دول أخرى مثل إقليم كوردستان؛ وهي خطوة يمكن أن تخفف العبء الثقيل عن كاهل المواطنين التونسيين وتستعيد الاستقرار المستدام للخدمات الأساسية في ذلك البلد الجميل الذي اعتبره بلدي الثاني بالاعتماد علی المثل الكوردیة” لا ترم الحجر في البئر التي شربت منها”.

المصادر والوثائق الرسمية الموثقة:

۱.الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه في تونس (SONEDE): التقرير السنوي لفحص الشبكات والإحصاءات الخاصة بهدر المياه (التقرير الرسمي لموسم ٢٠٢٥-٢٠٢٦، رقم الوثيقة: SONEDE-REP-2026-04).

۲. الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG): البيانات والتقارير السنوية للكهرباء بشأن نفقات المحطات والوقود (الإصدار الاقتصادي لشهر مايو ٢٠٢٦، رقم الأرشيف: STEG-ENG-2026-02).

۳.البنك الدولي (World Bank): الوثيقة الاستراتيجية لتخصيص الدعم المالي لمواجهة تغير المناخ وأمن المياه في تونس (البيان الرسمي وتخصيص الميزانية في ١٥ مارس ٢٠٢٦، رقم المشروع: WB-TUN-2026-04).

٤.منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO): نظام معلومات موارد المياه (AQUASTAT – أحدث البيانات المنشورة في فبراير ٢٠٢٦ حول مستوى انخفاض المياه في سدود تونس).

٥.حكومة إقليم كوردستان (وزارة البلديات والسياحة): البيان والمتابعة الرسمية بشأن إطلاق المشاريع الاستراتيجية للمياه وخطوات التشكيلة التاسعة للمعالجة الجذرية لأزمة شح المياه في المدن (الإصدار الرسمي، صيف ٢٠٢٦).

قد يعجبك ايضا