أنيس خماس گزار… صائغ وفنان أسهم في صناعة أبواب العتبات المقدسة في العراق

نبيل عبد الأمير الربيعي

في العراق، حيث تتجاور المآذن والقباب والكنائس والمعابد، وحيث تتقاطع في مدنه ذاكرة أديان ومذاهب وثقافات متعاقبة، يصبح التنوع الديني والثقافي أكثر من مجرد حقيقة اجتماعية؛ إنه جزء أصيل من هوية الوطن وتكوينه الحضاري. ومن هذا التنوع تنبع الحاجة إلى تعزيز المشتركات الوطنية، وإلى قراءة تاريخنا بعيداً عن منطق الانقسام، لأن العراق الذي صنعته أجيال متعاقبة من أبنائه لم يكن يوماً حكراً على جماعة أو طائفة، بل كان نتاجاً مشتركاً لأيدٍ وعقول وقلوب عراقية مختلفة. سيرة رجل عراقي من ديانة الصابئة المندائية قد ترك بصمته في واحد من أكثر المجالات ارتباطاً بالذاكرة الروحية والفنية للعراقيين، هو الصائغ والفنان (أنيس خماس گزار)، الذي أسهم مع أبنائه واقاربه في أعمال فنية وحرفية في عدد من المراقد والعتبات المقدسة في العراق، من خلال أعمال التذهيب والتأهيل والكسوة المعدنية للقباب والأبواب والجدران، فضلاً عن وضع اللمسات الفنية الدقيقة على الأبواب والأضرحة.

إن الحديث عن أنيس خماس گزار لا ينبغي أن يختزل في مهنة الصياغة بمعناها التقليدي؛ فالصائغ في مثل هذه الأعمال يتحول إلى فنان، والفنان إلى حافظ للذاكرة، والحرفة إلى جزء من التراث المعماري والديني والجمالي للبلاد.
الصياغة من أقدم الحرف التي عرفها العراق، وقد ارتبطت منذ عصور بعيدة بالذائقة الجمالية، وبالقدرة على تحويل المادة الخام إلى أشكال تحمل قيمة فنية ورمزية.
لكن العمل في أبواب العتبات والمراقد المقدسة يختلف عن صناعة الحلي والمصوغات؛ لأنه يحتاج إلى مهارات دقيقة في التصميم والتنفيذ والتذهيب والنقش والتطعيم، فضلاً عن معرفة خصائص المعادن وكيفية التعامل معها، والصبر الطويل على التفاصيل التي لا تحتمل الخطأ.
ولذلك فإن الصائغ الذي يعمل في هذه المشاريع لا يؤدي عملاً يدوياً فحسب، وإنما يشارك في إنتاج قطعة فنية ستبقى أمام أعين أجيال متعاقبة.
الباب هنا ليس مجرد منفذ معماري، إنه علامة بصرية وروحية. والقبة ليست مجرد عنصر هندسي، بل تتحول من خلال الذهب والزخرفة إلى جزء من المشهد الذي تختزنه الذاكرة الجمعية للمدينة وزائريها.
حين نستذكر اليوم أعمال الصائغ أنيس خماس گزار، لا نستذكر الذهب وحده، ولا الأبواب والقباب بمعناها المادي، بل نستذكر مجموعة من الأيدي العراقية وهي تعمل بصبر ودأب، ليل نهار، في أعمال تحتاج إلى الدقة والتحمل والمهارة. كان العمل في تلك المشاريع جزءاً من حياة أيس الكاملة، تشارك فيها أفراد من العائلة، وتداخلت فيها الخبرة المهنية مع العلاقة الإنسانية، وتحولت فيها الحرفة إلى مسؤولية واعتزاز.
وما بقي في الذاكرة من تلك المرحلة ليس صورة الإنجاز النهائي فقط، بل تفاصيل الطريق إليه: العمل المتواصل، العناية بالجزئيات، الحرص على أن تأخذ المادة شكلها المطلوب، والإحساس بأن ما تصنعه اليد اليوم سيبقى شاهداً على صاحبها بعد سنوات طويلة. وهذه إحدى أجمل خصائص الحرف والفنون: أنها تحفظ أسماء أصحابها حتى عندما لا تُكتب أسماؤهم على الأعمال.
فكم من باب مررنا به دون أن نعرف اسم الصائغ الذي قضى شهوراً في إنجازه؟ وكم من زخرفة ذهبية تأملنا جمالها دون أن نتساءل عن اليد التي رسمتها، والعين التي قاستها، والمهارة التي أخرجتها إلى الوجود؟
إن أعمال الصياغة في العتبات المقدسة تضع الحرفي أمام تحديات فنية وتقنية متعددة؛ فهناك التصميم، والنقوش، والكتابات، والتناسب، والتعامل مع الضوء، وانسجام الأجزاء المعدنية مع العمارة المحيطة. ولهذا فإن الصائغ الحقيقي لا يكون منفذاً لتصميم جاهز فقط، وإنما يمتلك حساً جمالياً يساعده على تحويل التصميم إلى عمل متكامل. وفي هذه النقطة تحديداً تبرز قيمة أنيس خماس گزار؛ فقد اجتمعت في تجربته خبرة الصائغ وحس الفنان، لتصبح المادة المعدنية لغة جمالية تضاف إلى العمارة الدينية. فالذهب، مهما بلغت قيمته المادية، لا يصنع الجمال وحده. الجمال تصنعه اليد التي تعرف أين تضعه، وكيف تجعله جزءاً من تكوين أكبر.
اليوم تستعيد ذاكرتنا هذه الأعمال من زاوية مختلفة. ولذلك فإن الحديث عن الأعمال الفنية في العتبات لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لتكريس الانقسام المذهبي، وإنما يمكن أن يكون مدخلاً للحديث عن الفن العراقي المشترك، وعن الحرفيين والفنانين الذين عملوا في فضاءات دينية مختلفة، وتركوا بصماتهم على العمارة العراقية.
فالفنان العراقي قد يعمل في جامع، أو كنيسة، أو مندى، أو حسينية، أو مقام، دون أن يلغي ذلك انتماءه الوطني المشترك. وهنا تكمن قيمة التنوع: أن نختلف في العقيدة والطقوس، لكننا نلتقي في الوطن والإنسان والجمال.
ليس من السهل أن نفصل العمارة الدينية العراقية عن المجتمع الذي أنتجها. فالأبواب التي نراها اليوم في العتبات والمراقد لم تنزل جاهزة من السماء؛ لكن وراءها مهندسون، ونقاشون، وصاغة، وحدادون، وخطاطون، ونجارون، وفنانون، وعمال، وعائلات كاملة عاشت من هذه الحرف. إنها صناعة بشرية عراقية في جانب كبير منها، ولذلك فإن توثيق أسماء العاملين فيها ينبغي أن يصبح جزءاً من كتابة تاريخ الفن والحرف في العراق.
وقد آن الأوان لأن نتجاوز كتابة التاريخ من خلال أسماء الحكام والسياسيين وحدهم، وأن نلتفت إلى أولئك الذين صنعوا بأيديهم الأشياء التي بقيت بعد رحيل أصحاب السلطة. فالباب يبقى، والقبة تبقى، والنقش يبقى، بينما قد يختفي اسم الذي صنعها من الذاكرة.
أما بالنسبة لنا، فإن استعادة اسم الصائغ الفنان أنيس خماس گزار اليوم ليست مجرد استذكار، إنها محاولة لحفظ جزء من ذاكرة عراقية أوسع. لقد كان يشارك في هذه الأعمال مع أفراد من عائلته، ولذلك فإن الذكريات المرتبطة بتلك المرحلة تحمل بالنسبة لنا قيمة إنسانية خاصة. وما زال إحساس الاعتزاز بإنجاز مثل هذه الأعمال حاضراً في داخلنا حتى اليوم.
فالإنسان لا يعيش عمره بالأحداث الكبرى وحدها؛ أحياناً تبقى في داخله تفاصيل صغيرة، لكنها تتحول مع مرور الزمن إلى علامات مضيئة في سيرته. وأن ترى عملاً شاركت فيه عائلة كاملة وهو قائم أمام الناس، يحمل في تفاصيله عرق الأيدي وخبرة السنين، فذلك شعور لا يمكن أن تصفه الكلمات بسهولة.
ومن الإنصاف ألا نقف عند اسم أنيس خماس گزار وحده. فهناك شخصيات عراقية كريمة من الصاغة والفنانين والحرفيين ساهمت في إنجاز أعمال أخرى في العتبات والمراقد، وكانت لها خبرات وتجارب تستحق التوثيق. وإن توثيق هذه الأعمال بالصور والمعلومات وأسماء المشاركين فيها يمثل خدمة مهمة لتاريخ الفن العراقي والتراث الحرفي. فالصورة القديمة لباب أو قبة قد تحمل معلومات لا نجدها في الوثائق الرسمية، واسم صائغ أو فنان قد يفتح لنا باباً لمعرفة مدرسة فنية أو عائلة حرفية كاملة.
ولهذا فإن نشر الصور القديمة، ومقابلة أصحاب التجارب أو ذويهم، وجمع شهاداتهم، ومقارنة الأعمال زمنياً وفنياً، يمكن أن يؤسس لأرشيف مهم عن الصياغة والفنون المعدنية والعمارة الدينية في العراق. وهو عمل لا ينبغي أن يبقى فردياً؛ بل يستحق اهتمام الباحثين والمؤسسات الثقافية والمهتمين بالتراث.
الفن جسر بين العراقيين
إن العراق بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة الوجوه المشرقة من تاريخه. نحن بحاجة إلى أن نرى في اختلافاتنا مصدر ثراء، لا سبباً للعداء. وأن نتذكر أن الفن كان دائماً أحد الجسور التي عبرت فوق الانقسامات. فالذهب الذي يزين باباً مقدساً لا يسأل عن مذهب اليد التي صنعته، والعمل الفني الجيد لا يحمل بطاقة طائفية؛ إنه يحمل قيمة جمالية وإنسانية. ومن هنا فإن استعادة تجربة أنيس خماس گزار وأمثاله من الصاغة والفنانين ليست دفاعاً عن طائفة، وإنما دفاع عن الإنسان العراقي المنتج والمبدع.
إنها دعوة إلى كتابة تاريخنا من الأسفل أيضاً؛ من الورش، والمحال، والبيوت، والأيدي التي صنعت، والعائلات التي توارثت الحرفة، والفنانين الذين تركوا أعمالاً بقيت بعدهم.
أخيراً…
تحية إلى العراقي الصابئي المندائي الصائغ أنيس خماس گزار، أطال الله في عمره، وإلى أفراد عائلته وأهله الذين شاركوا في تلك الأعمال، وإلى الصديق العزيز د. عدي خماس الذي زودني بالصور والمعلومات، وإلى كل يد عراقية أسهمت في صناعة جمال بقي حاضراً في الذاكرة والمكان. وتحية إلى أولئك الذين يعملون بصمت، فلا تذكرهم كتب التاريخ كثيراً، لكن آثارهم تظل أمام أعين الناس.
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله تجاه هؤلاء هو أن نوثق أعمالهم قبل أن تذهب الذاكرة بذهاب أصحابها. فالتاريخ ليس ما كتبه المؤرخون وحده؛ التاريخ أيضاً ما صنعته أيدي الناس.

قد يعجبك ايضا