حينما يسكن الوطن ذاكرة المنفيين العراقيين

عدنان حسين أحمد-لندن

ضيّف (نادي السينما) التابع للمركز الثقافي العراقي بلندن الشاعر والمخرج العراقي رعد مشتّت في أمسية سينمائية استهلها بقراءة عدد من قصائده التي انتقاها من مجموعته الشعرية الرابعة التي تنضوي تحت عنوان (شؤون عائلية) والصادرة مؤخرًا عن دار الشؤون الثقافية ببغداد. وسبق لمشتّت أن أصدر ثلاث مجموعات شعرية مهمة وهي على التوالي: (الجنود)، (السجين السياسي) و (قصيدة تُشبه اليوم). وبعد تقديم الشاعر والمخرج السينمائي رعد مشتت من قِبل كاتب هذه السطور تمّ عرض فيلمه الموسوم (خمسة وجوه) الذي تبلغ مدته 80 دقيقة وخمس ثوانٍ. وقد ساهم في كتابة سيناريو هذا الفيلم الإعلامي الراحل أحمد المهنا. تقوم بنية هذا الفيلم على سؤال طرحه المخرج رعد مشتت على المشاركين الخمسة وهو بضمنهم لأنه كان يقف خلف الكاميرا وأمامها في آنٍ واحد حيث سأل الجميع: ما هو الشيء الأول الذي تريد أن تراه في العراق؟ وقد جاءت الإجابات على الشكل الآتي: (البيت، المدينة، البلدة، قبر أبي، أمي). لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الصحفيين والإعلاميين الخمسة قد غادروا العراق أو أُقتلعوا منه خلال مُدد زمنية تتراوح بين 22 و 30 عامًا توزعوا خلالها في منافٍ عديدة عربية وأوروبية وأمريكية لكنهم قرروا العودة ليلتحموا بأهلهم وذويهم وأصدقائهم، ويشمّوا رائحة البلد الذي فارقوه لسنواتٍ طوالا. لا تقتصر ثيمات الفيلم الرئيسة والفرعية على تعرية جرائم النظام البعثي السابق فقط الذي زجّ المواطنين العراقيين المعارضين له في السجون والمعتقلات ودَفَعَهُم إلى المنافي البعيدة وإنما يركز المخرج على العواطف والمشاعر الإنسانية التي تفجّرت في اللحظات الأولى من وصولهم من المنفى إلى الوطن وقد سجّلتها الكاميرا من دون رتوش. وتُعدّ هذه اللحظات الصريحة والصادقة لهذا الفيلم المُعبِّر أحد الوثائق النادرة في تاريخ الشاشة العراقية التي احتضنت العديد من (أفلام العودة إلى الوطن) بعد سقوط الدكتاتورية سنة 2003 وأبرز هؤلاء المخرجين هم قاسم عبد، هادي ماهود، طارق هاشم، باز شمعون، ميسون الباجه جي، أسامة الشيبي وآخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعًا في هذا المقال القصير.
لا شكّ في أنّ تجربة ثرية وعميقة مثل تجربة المخرج رعد مشتت لم تنبثق من فراغ فقد بلغ رصيده الأخراجي نحو عشرين فيلمًا روائيًا ووثائقيًا وقصيرًا تركت أثرها الملحوظ على المشهد السينمائي العراقي مثل (أنفاق الخوف) و (أفول الأصنام) و (دروب الحرية) و (انتحار دولة الرئيس) و (خمسة وجوه) وما سواها من أفلام روائية ووثائقية ودكيودرامية سجّلت حضورًا ملحوظًا في مهرجانات محلية وعربية على وجه الخصوص.
قد يسأل البعض عن طبيعة الرؤية الإخراجية لرعد مشتت وسر تألقه خلال سنوات عمله الطويلة ويأتي الجواب شبه القاطع بأنّ ما يميّز تجربة رعد مشتت قد تنحصر في أربعة عناصر وهي: الواقعية الوثائقية التي تذكرنا بأفلام الواقعية الإيطالية الجديدة في خمسينات القرن الماضي، والحس الإنساني المرهف الذي لمسناه في (خمسة وجوه)، والحسّ الشعري الذي يمكن تأشيره ببساطة في الفيلم الروائي (صمت الراعي) والحسّ النقدي للسلطة. وأكثر من ذلك فهو من الداعين إلى تحرير السينما من قيود التمويل الرسمي واشتراطاته القاسية التي يعرفها الجميع تقريبًا. وبعد مشاهدة الفيلم شارك الحضور بمداخلاتهم وأسئلتهم النابعة من تأثرهم بهذا الفيلم الجميل وكان أولهم الشاعر د. عبدالحميد الصائح، مدير المركز الثقافي بلندن، والفنانة نهار سادايو اوالسينمائي رعد ناظم الصفار.

قد يعجبك ايضا