نبيل عبد الأمير الربيعي
ليس الفن دائماً بحثاً عن مادة جديدة بقدر ما هو اكتشافٌ جديد لما هو مألوف. فالمادة التي نمر بها كل يوم، وقد لا نلتفت إلى إمكاناتها الجمالية، يمكن أن تتحول بين يدي الفنان إلى فضاء للدهشة، وإلى لغة تحمل فكرة وذاكرة وإحساساً. وهذا ما يلفت النظر في التجربة الفنية للفنانة أميمة محمد المرعب، التي اختارت القماش مادةً لتجربتها التشكيلية، وذهبت به من وظيفته اليومية المعتادة إلى رحاب الصورة والرمز والجمال.
كما تتنوع في تجربتها الفنية بين رسم الهلال والورود ومختلف الأعمال التشكيلية، مستثمرةً القماش والحرف واللون في بناء لوحات تحمل حساً جمالياً وروحياً خاصاً.
تتجاور في شخصية أميمة تجربتان تبدوان، للوهلة الأولى، متباعدتين: الهندسة الكهربائية والفن التشكيلي. غير أن التأمل في التجربتين يكشف عن صلة عميقة بينهما؛ فالهندسة تقوم على الدقة والتنظيم والعلاقات المتوازنة، بينما يقوم الفن على الإحساس والخيال والقدرة على إعادة ترتيب الأشياء وفق رؤية مختلفة. وفي الحالتين هناك بحث عن الانسجام، وعن علاقة صحيحة بين العناصر، وعن نتيجة نهائية تستجيب لفكرة مسبقة لكنها لا تخلو من الابتكار.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنها لا تنظر إلى الفن باعتباره انفصالاً عن الحياة، بل بوصفه إعادة اكتشاف لها. فالقماش، الذي يدخل في تفاصيل حياتنا اليومية، يصبح في يد أميمة خامة تشكيلية لها حضورها وملمسها وخصوصيتها. ومن خلاله تبدأ الفنانة في بناء عالم بصري يستند إلى الذاكرة الشعبية والرموز التي تشكل جزءاً من الوجدان العراقي والعربي.
ومن هنا تأتي فكرة هلال رمضان المصنوع من القماش، وهي فكرة تحمل في بساطتها إمكانات جمالية ورمزية واسعة. فالهلال ليس مجرد شكل هندسي أو علامة بصرية مرتبطة بظهور الشهر الفضيل، وإنما هو رمز تختزن حوله ذاكرة اجتماعية وروحية عميقة. إنه الهلال الذي يفتح أبواب الذاكرة على ليالي رمضان، وعلى الفوانيس والموائد والأهازيج والزيارات العائلية، وعلى ذلك الشعور الخاص الذي يرافق حلول الشهر الكريم.
وعندما يتحول الهلال إلى عمل فني مصنوع من القماش، فإننا لا نكون أمام استنساخ لرمز مألوف، بل أمام محاولة لإعادة صياغته بلغة تشكيلية مختلفة. المادة نفسها تضيف إلى الرمز معنى جديداً؛ فالقماش يحمل ملمساً ودفئاً ومرونة، وهي صفات تجعل العمل أقرب إلى الذاكرة الإنسانية منه إلى الشكل الجامد.
لكن تجربة أميمة لا تقف عند حدود الهلال بوصفه رمزاً رمضانياً، إذ تكتسب أعمالها بعداً روحياً أكثر عمقاً من خلال اهتمامها بكتابة الآيات القرآنية على لوحاتها. وهنا تتداخل الكلمة مع الصورة، ويصبح النص القرآني جزءاً من التكوين التشكيلي، لا مجرد إضافة زخرفية. فالآية القرآنية، بما تختزنه من معنى وقداسة وجمال لغوي، تمنح اللوحة طبقة أخرى من الدلالة، وتجعل المتلقي أمام علاقة مركبة بين البصر والقراءة والتأمل.
إن حضور الآيات القرآنية في العمل التشكيلي يضع الفنان أمام مسؤولية جمالية وروحية في آن واحد؛ لأن التعامل مع النص القرآني يحتاج إلى عناية في الكتابة والتكوين والاختيار، كما يحتاج إلى إدراك العلاقة بين قداسة النص وجمال الصورة. ومن هذه الزاوية تبدو تجربة أميمة محاولة للجمع بين جمال الحرف وجمال التكوين، وبين المعنى الروحي والتعبير التشكيلي.
فاللوحة عندها لا تقول ما تقوله الألوان والخطوط وحدها، وإنما يمكن أن تقول أيضاً ما تحمله الكلمة من إيحاء. وهنا تصبح الآية جزءاً من البناء البصري، ويغدو الحرف عنصراً تشكيلياً قائماً بذاته، له إيقاعه وحركته وامتداده داخل مساحة اللوحة.
ولعل هذا التداخل بين الهندسة والفن، وبين القماش والرمز، وبين الحرف والصورة، هو ما يمنح تجربة أميمة محمد المرعب خصوصيتها الأولية. إنها لا تتعامل مع الفن بوصفه قالباً مغلقاً، وإنما باعتباره مساحة مفتوحة للتجريب. وما يستحق الانتباه هنا هو أن التجريب لا يأتي منفصلاً عن البيئة الثقافية والذاكرة الجمعية، بل ينطلق منهما ليعيد تقديمهما بصورة معاصرة.
إن اختيار الهلال تحديداً يكشف عن وعي بأهمية الرمز في الثقافة الشعبية. فالرموز الكبرى لا تعيش في الكتب وحدها؛ إنها تسكن البيوت والشوارع والذاكرة، وتظهر في تفاصيل المناسبات والأعياد والطقوس الاجتماعية. والفنان الحقيقي هو من يستطيع أن يرى في هذه التفاصيل مادةً قابلة لإعادة التشكيل، من دون أن يفقدها جذورها أو يحولها إلى مجرد زخرفة سطحية.
وفي تجربة أميمة، يمكن للقماش أن يكون أكثر من مجرد خامة؛ يمكن أن يصبح ذاكرة ملموسة. إنه مادة تلامس الحياة اليومية، وحين تنتقل إلى اللوحة فإنها تحمل معها شيئاً من ذلك العالم. وربما هنا تكمن قيمة التجربة: في تحويل مادة مألوفة إلى خطاب فني، وتحويل رمز مألوف إلى رؤية جديدة.
إن الفن العراقي، عبر تاريخه الطويل، ظل قادراً على استيعاب المواد والأفكار المختلفة، وعلى تحويل التراث إلى مادة قابلة للحوار مع الحاضر. وليس المطلوب من الفنان أن يكرر ما أنجزه السابقون، بل أن يدخل إلى الذاكرة من باب جديد، وأن يمنح الموروث حياة أخرى من خلال أدوات عصره وحساسيته الشخصية.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة أميمة بوصفها محاولة لبناء جسر بين التراث والحداثة. فهي لا تتخلى عن الرمز الديني والشعبي، لكنها تعيد صياغته ضمن رؤية تشكيلية تعتمد خامة غير تقليدية نسبياً. ولا تتعامل مع الآية القرآنية باعتبارها نصاً منفصلاً عن اللوحة، وإنما تسعى إلى إدماج الكلمة في البناء الجمالي للعمل.
واللافت أيضاً أن خلفية الفنانة الهندسية يمكن أن تمنحها حساً خاصاً في التعامل مع المساحات والأشكال والنسب. فالمهندسة التي اعتادت قراءة العلاقات بين الخطوط والمكونات، يمكنها أن تستثمر هذه الخبرة في بناء التكوين التشكيلي. غير أن الفن يتيح لها في المقابل أن تتجاوز الصرامة الهندسية إلى فضاء أوسع، هو فضاء الخيال والحدس والانفعال.
وهنا تحديداً تتكامل المهندسة مع الفنانة: الدقة لا تلغي الخيال، والخيال لا يستغني عن الدقة. وبينهما تتشكل تجربة تحاول أن تمنح المادة شكلاً جديداً، وأن تمنح الرمز معنى بصرياً يتجاوز المألوف.
إن هلال القماش الذي تبدأ منه أميمة يمكن النظر إليه بوصفه عتبة لمشروع أوسع. فالمادة قابلة للتطوير، والرموز الشعبية والدينية العراقية والعربية غنية إلى درجة تسمح للفنان بأن يكتشف فيها عشرات الموضوعات. ويمكن للقماش أن يتحول إلى وسيط لتقديم مشاهد من الذاكرة العراقية، أو عناصر من العمارة الشعبية، أو زخارف مستمدة من التراث، أو نصوص شعرية ودينية تتداخل مع التكوين التشكيلي.
وهنا تصبح التجربة أكثر من مجرد فكرة جميلة؛ تصبح مشروعاً قابلاً للنمو والتراكم. فالفنان لا يصنع تجربته من عمل واحد، وإنما من سلسلة أعمال تتفاعل فيما بينها، حتى تتبلور لغة خاصة يمكن التعرف إليها من خلال خامتها وتقنياتها ورؤيتها.
وأعتقد أن تجربة أميمة محمد المرعب تستحق أن تُقرأ في هذا السياق: ليس بوصفها تجربة فنانة تستخدم القماش فحسب، وإنما بوصفها محاولة لاكتشاف الإمكان التشكيلي لمادة قريبة من الحياة، وإعادة بناء رموز روحية وشعبية ضمن لغة معاصرة.
إن الفن، في جوهره، هو القدرة على أن نرى الأشياء التي اعتدنا رؤيتها بطريقة لم نعتد عليها. وربما هذا هو الدرس الأجمل الذي تقدمه تجربة أميمة. فالهلال الذي اعتدنا أن نراه في السماء، أو على واجهات البيوت وفي الزينة الرمضانية، يمكن أن ينزل إلى مساحة اللوحة، ويتخذ من القماش جسداً، ومن الحرف القرآني روحاً، ومن ذاكرة رمضان فضاءً للحضور. وهكذا يصبح القماش هلالاً، ويصبح الهلال ذاكرة، وتصبح الآية القرآنية جسراً بين العين والروح.
أميمة محمد المرعب ليست مهندسة كهرباء تترك أسلاك الضوء وتمسك القماش فحسب؛ إنها فنانة تحاول أن تصنع من المادة اليومية ضوءاً آخر، وأن تفتح في القماش نافذة على الذاكرة، وفي اللوحة نافذة على الروح. وإذا ما واصلت تطوير هذه التجربة، ووسعت اشتغالها على القماش والحرف والرمز، فقد يكون ما نراه اليوم مجرد بداية لمسار تشكيلي أكثر اتساعاً، تتبلور معه شخصيتها الفنية وتصبح لها لغتها الخاصة.
فالفنان الحقيقي لا يكتفي بأن يصنع لوحة جميلة، بل يسعى إلى أن يترك في المادة أثراً من روحه، وفي ذاكرة المتلقي سؤالاً أو دهشة أو إحساساً لا يزول سريعاً. وهذا، في النهاية، هو جوهر الفن: أن نحول الأشياء التي نعرفها إلى أشياء نكتشفها من جديد.