الدكتور نزار طاهر حسين الدليمي
لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تبدأ بالضرورة عند الحدود، ولا تحتاج دائماً إلى دبابة تعبر أرضاً أو طائرة تخترق مجالاً جوياً. ثمة نوع أكثر هدوءاً من الصراع يستطيع أن يبدأ داخل عقل الإنسان قبل أن يظهر أثره في الشارع أو صندوق الاقتراع أو القرار السياسي. لقد أصبح الإدراك نفسه مورداً استراتيجياً، وأصبحت الطريقة التي يرى بها المجتمع العالم جزءاً من معادلة القوة. ومن هنا تظهر «حروب الإدراك» بوصفها أحد أكثر التحولات عمقاً في العلاقات الدولية: صراع لا يكتفي بالتأثير في ما يفعله الخصم، بل يحاول التأثير في الطريقة التي يفهم بها الواقع أصلاً.
إن القوة التقليدية كانت تسعى إلى السيطرة على الأرض، بينما تسعى القوة الإدراكية إلى السيطرة على تفسير الأرض وما يحدث فوقها. فالحادثة الواحدة يمكن أن تتحول إلى وقائع سياسية مختلفة بحسب الرواية التي تصل إلى الجمهور. وإذا استطاع فاعل خارجي أن يجعل مجتمعاً يرى صديقه عدواً، أو يشك في مؤسساته، أو يبالغ في تقدير تهديد، أو يقلل من شأن خطر حقيقي، فقد يحقق أثراً استراتيجياً من دون أن يستخدم القوة المسلحة. وهنا ينتقل مركز الصراع من الجغرافيا إلى الوعي.
وليس التأثير في العقول ظاهرة جديدة؛ فالدعاية والحرب النفسية رافقتا الصراعات منذ القدم. الجديد هو البيئة التكنولوجية التي جعلت التأثير أسرع وأدق وأكثر تخصيصاً. في الماضي كانت الرسالة السياسية تُبث إلى جمهور واسع بصورة شبه موحدة، أما اليوم فيمكن تصميم رسائل مختلفة لفئات مختلفة، استناداً إلى بيانات عن اهتماماتها ومخاوفها وسلوكها. لم يعد الجمهور كتلة واحدة؛ لقد أصبح ملايين الأفراد الذين يمكن مخاطبة كل منهم عبر نقطة ضعفه الإدراكية.
وهنا تدخل الخوارزمية إلى العلاقات الدولية بوصفها فاعلاً غير مرئي. فهي لا تكتب السياسة الخارجية للدولة، لكنها تستطيع أن تحدد ما يراه الإنسان أولاً، وما يتكرر أمامه، وما يختفي من مجال انتباهه. والتكرار ليس مسألة تقنية بريئة دائماً؛ فما يتكرر يكتسب في الذهن إحساساً بالأهمية وربما بالمصداقية. لذلك فإن التحكم في تدفق الانتباه أصبح شكلاً جديداً من أشكال القوة.
لقد تحدثت العلاقات الدولية طويلاً عن القوة الصلبة والقوة الناعمة، لكن حروب الإدراك تكشف مساحة ثالثة تتجاوز الإكراه والجاذبية معاً. فالقوة الإدراكية لا تقول للخصم فقط «افعل ما أريد»، ولا تحاول فقط أن تجعله معجباً بنموذجها؛ إنها قد تسعى إلى إعادة ترتيب الطريقة التي يعرّف بها مصالحه ومخاوفه وأعداءه. وهذا مستوى أعمق من التأثير، لأن النجاح فيه يجعل المستهدف يتخذ القرار المطلوب وهو يعتقد أنه قراره المستقل.
ومن هنا يمكن فهم خطورة التضليل المنظم. الخبر الكاذب في ذاته قد يكون محدود الأثر، لكن سلسلة من الرسائل المتناسقة يمكن أن تبني عالماً ذهنياً كاملاً. وإذا أصبح المجتمع يعيش داخل واقع معلوماتي شديد الانقسام، فإن الخلاف لا يعود حول تفسير الحقائق فقط، بل حول وجود الحقائق نفسها. عندئذ تفقد السياسة أرضيتها المشتركة، ويصبح الحوار أكثر صعوبة لأن كل طرف ينطلق من واقع مختلف.
إن الهدف الاستراتيجي لحرب الإدراك قد لا يكون إقناع الجمهور برواية محددة، بل إغراقه في روايات متعارضة حتى يفقد ثقته بإمكان معرفة الحقيقة. وهذه مرحلة شديدة الخطورة؛ فالإنسان الذي لا يصدق شيئاً يمكن أن يكون أكثر قابلية للتوجيه من الإنسان الذي يصدق فكرة خاطئة واحدة. عندما تنهار الثقة بكل المصادر، يصبح الإرهاق المعرفي أداة سياسية، ويتحول الشك من فضيلة نقدية إلى حالة عجز.
وفي هذا السياق يكتسب الذكاء الاصطناعي أهمية استثنائية. فالأدوات التوليدية تستطيع إنتاج نصوص وصور وأصوات ومقاطع مصورة على نطاق واسع وبتكلفة منخفضة، ويمكن استخدامها لصناعة شخصيات وهمية أو تصريحات لم تقع أو مشاهد مصطنعة. ومع تطور هذه الأدوات يصبح السؤال «هل رأيت ذلك بعيني؟» أقل قدرة على حسم الحقيقة، لأن العين نفسها يمكن أن تُخدع بمادة مصنعة شديدة الإقناع.
ولا تقتصر المسألة على المحتوى المزيف؛ فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد أيضاً على تحليل الجمهور، واكتشاف القضايا الأكثر حساسية، واختبار الرسائل وتعديلها بسرعة. وهكذا يمكن أن تنتقل العمليات النفسية من الحملات العامة إلى هندسة دقيقة للتأثير. وهذا التحول يجعل البيانات الشخصية جزءاً من الأمن القومي؛ لأن من يعرف مخاوف المجتمع وانقساماته يستطيع نظرياً أن يصمم رسائل تستثمر فيها.
لذلك يمكن الحديث عن «السيادة المعرفية» باعتبارها بعداً متنامياً من أبعاد سيادة الدولة. السيادة التقليدية تحمي الإقليم والقرار السياسي، أما السيادة المعرفية فتتعلق بقدرة المجتمع على تكوين فهمه وقراراته من دون تلاعب خارجي خفي ومنظم. وهي لا تعني إغلاق الحدود أمام الأفكار أو بناء فضاء معلوماتي معزول، بل تعني حماية استقلال عملية تكوين الإرادة الوطنية.
وهذا التمييز ضروري، لأن العلاقات الدولية بطبيعتها تقوم على التأثير. الدول تنشر ثقافتها وتدافع عن سياساتها وتمارس الدبلوماسية العامة، وهذه ممارسات طبيعية. المشكلة تبدأ عندما ينتقل التأثير من الإقناع المعلن إلى التلاعب السري: انتحال هويات محلية، تشغيل شبكات حسابات زائفة، إخفاء مصدر التمويل، اصطناع اتجاهات شعبية وهمية، أو استخدام بيانات مسروقة لاستهداف نقاط ضعف محددة.
وتصبح الانتخابات إحدى أكثر الساحات حساسية. فالانتخابات ليست مجرد يوم للتصويت، بل عملية طويلة تتشكل خلالها القناعات والثقة بالمرشحين والمؤسسات. وإذا نجح تدخل خارجي في إضعاف الثقة بالعملية نفسها، فقد يحقق هدفاً استراتيجياً حتى من دون تغيير النتيجة. إن جعل نصف المجتمع يعتقد أن النصف الآخر غير شرعي قد يكون أكثر ضرراً من دعم مرشح بعينه.
ومن منظور العلاقات الدولية، يطرح ذلك سؤال الردع. كيف تردع دولة عملية لا تستطيع دائماً إثبات مصدرها بسرعة؟ الردع العسكري يعتمد على معرفة المعتدي وإمكان تحميله تكلفة واضحة، أما العمليات الإدراكية فتستفيد من الغموض والإنكار والوسطاء. ولذلك يحتاج الردع هنا إلى أدوات مختلفة: كشف الحملات بسرعة، إعلان الأدلة الموثوقة، تعزيز المناعة المجتمعية، التعاون بين الدول والمنصات، ورفع تكلفة العمليات السرية سياسياً وتقنياً.
يمكن تسمية هذا النموذج «الردع بالمرونة». فبدلاً من التركيز فقط على معاقبة المهاجم، تجعل الدولة مجتمعها أقل قابلية لتحقيق الهدف الذي يريده المهاجم. المجتمع الذي يمتلك إعلاماً مهنياً، وثقافة تحقق، ومؤسسات تتمتع بقدر معقول من الثقة، وقدرة سريعة على التواصل أثناء الأزمات، يصعب دفعه إلى الذعر أو الانقسام عبر رسالة واحدة مهما كانت متقنة.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: أقوى دفاع ضد حرب الإدراك ليس بالضرورة جهازاً تقنياً، بل مجتمع يثق بنفسه ويستطيع التفكير نقدياً. فالتكنولوجيا تستطيع كشف بعض الحسابات الآلية، لكنها لا تستطيع وحدها إصلاح انهيار الثقة. وإذا كانت الدولة تعاني أصلاً من استقطاب عميق أو فساد أو غياب الشفافية، فإن الفاعل الخارجي لا يحتاج إلى اختراع الانقسام؛ يكفي أن يوسع الشقوق الموجودة.
لذلك فإن حروب الإدراك تكشف العلاقة بين السياسة الداخلية والقوة الخارجية. الأمن الوطني لم يعد منفصلاً عن جودة المؤسسات. الدولة التي تحمي حرية الإعلام، وتقدم معلومات دقيقة، وتعترف بالأخطاء، وتستجيب لمخاوف المواطنين، تبني حصانة استراتيجية. أما محاولة مواجهة التضليل بمزيد من الغموض فقد تزيد المشكلة، لأن الفراغ المعلوماتي هو البيئة المثالية للشائعة.
وتكتسب اللغة في هذه الحروب قيمة استراتيجية. الكلمات لا تصف الواقع فقط، بل قد تعيد تشكيله في الوعي. اختيار مصطلح معين يمكن أن يجعل الفعل يبدو دفاعياً أو عدوانياً، شرعياً أو غير شرعي، بطولة أو جريمة. ولذلك يصبح الصراع على تسمية الأحداث جزءاً من الصراع على معناها، ومن ينجح في تثبيت قاموسه داخل النقاش الدولي يحقق مكسباً سياسياً مهماً.
كما أصبحت الصورة أداة قوة تتجاوز النص. لقطة واحدة يمكن أن تنتشر عبر العالم قبل أن تتمكن المؤسسات من التحقق من سياقها. وقد تكون الصورة حقيقية لكن السياق زائفاً، أو قديمة تقدم بوصفها جديدة، أو من مكان مختلف، أو مصنعة بالكامل. ومن هنا لم تعد محو الأمية في القرن الجديد تعني القدرة على القراءة والكتابة فقط، بل القدرة على قراءة الصورة والمصدر والسياق.
وتؤثر حروب الإدراك أيضاً في إدارة الأزمات بين الدول. ففي اللحظات المتوترة، يمكن لمعلومة خاطئة عن تحرك عسكري أو تصريح مزيف لمسؤول أن تزيد خطر سوء الحساب. وإذا أصبحت أنظمة اتخاذ القرار تعتمد على تدفقات معلوماتية شديدة السرعة، فإن الوقت المتاح للتحقق قد يتقلص. وهنا يمكن أن يتحول التضليل من أداة دعائية إلى عامل يزيد احتمال التصعيد غير المقصود.
وهذا يجعل حماية قنوات الاتصال الرسمية بين الخصوم أكثر أهمية. فحتى الدول التي تختلف بشدة تحتاج في لحظات الأزمة إلى وسيلة موثوقة للتحقق من النوايا والرسائل. وفي عالم يستطيع فيه أي شخص تقريباً إنتاج تسجيل مقنع لمسؤول، تصبح المصادقة على الاتصال السياسي مسألة من مسائل الاستقرار الدولي.
كما أن الشركات التكنولوجية أصبحت جزءاً من بنية القوة الدولية. فالمنصات التي تتحكم في تدفق المعلومات لا تعمل داخل دولة واحدة فقط، وقراراتها بشأن الخوارزميات والإعلانات والحسابات قد تؤثر في مجتمعات كاملة. وهكذا دخلت العلاقات الدولية مرحلة لم تعد الدولة فيها اللاعب الوحيد الذي يمتلك قدرة على تشكيل المجال العام العابر للحدود.
لكن منح هذه الشركات دور الحكم على الحقيقة يحمل مشكلات بدوره. فهي كيانات اقتصادية لها مصالحها وقواعدها، وليست مؤسسات منتخبة. لذلك فإن التحدي هو بناء توازن بين مسؤوليتها عن الحد من السلوك المنسق الضار وبين حماية حرية التعبير والتعددية. فمقاومة حرب الإدراك لا ينبغي أن تتحول إلى حرب على الاختلاف.
إن الديمقراطية خصوصاً تواجه معضلة دقيقة؛ فهي تحتاج إلى فضاء مفتوح يسمح بتعدد الآراء، لكن هذا الانفتاح يمكن أن يستغله خصوم يريدون تقويضه. وإذا ردت الديمقراطية بإغلاق الفضاء العام، فقد تدمر بنفسها إحدى القيم التي تحاول حمايتها. لذلك فإن الحل الأكثر استدامة هو الشفافية: معرفة مصدر الرسالة، وتمييز المحتوى المصطنع، وكشف التمويل الخارجي، ومنح المواطن أدوات أفضل للحكم بنفسه.
وفي الدول النامية، قد تكون التحديات أكبر بسبب ضعف البنية الإعلامية أو محدودية موارد التحقق الرقمي. وهذا يفتح مجالاً جديداً لعدم المساواة في النظام الدولي: دول تمتلك قدرات هائلة على إنتاج وتحليل المعلومات، وأخرى تتحول مجالاتها الرقمية إلى ساحات مفتوحة لتنافس القوى الخارجية. ومن هنا تصبح السيادة الرقمية والمعرفية جزءاً من قضية التنمية، لا مجرد ملف أمني.
ويمكن أن تظهر في المستقبل تحالفات دولية لا تقوم فقط على الدفاع العسكري، بل على تبادل الإنذار المبكر بشأن الحملات المعلوماتية، وتطوير تقنيات التحقق، وحماية الانتخابات، ومشاركة الأدلة حول شبكات التأثير. وقد يصبح أمن المعلومات الجماعي شبيهاً، من بعض الوجوه، بمفاهيم الأمن الجماعي التقليدية: الاعتداء على المجال المعرفي لدولة يمكن أن يُنظر إليه بوصفه تهديداً يتطلب تعاوناً أوسع.
غير أن وضع قواعد دولية ملزمة سيظل صعباً. فما تعتبره دولة تضليلاً قد تعتبره أخرى خطاباً سياسياً مشروعاً، كما أن تعريف «الحقيقة» قانونياً يثير مخاطر واضحة. لذلك ينبغي أن تركز القواعد المستقبلية على السلوك القابل للإثبات أكثر من تركيزها على الرأي: الشبكات المنسقة السرية، انتحال الهوية، التدخل الخفي الممول خارجياً، التزييف المصمم لإحداث ضرر، والهجمات التي تستهدف البنية المعلوماتية للمؤسسات.
ومن الناحية الفلسفية، تضعنا حروب الإدراك أمام سؤال عن الحرية ذاتها. نحن نفترض أن الإنسان حر عندما يستطيع الاختيار، لكن ماذا لو كانت البيئة التي يختار داخلها مصممة سلفاً للتأثير في رغباته ومخاوفه؟ هل تكفي حرية الضغط على زر إذا كان ترتيب الخيارات الذي يراه قد صُمم لاستدراجه إلى نتيجة معينة؟ هنا تصبح حماية استقلال الوعي جزءاً من معنى الحرية السياسية.
ولا يعني ذلك أن الإنسان كائن عاجز أمام الإعلام؛ فالمجتمعات قادرة على التعلم والتكيف. لكن الاعتراف بقوة تقنيات التأثير هو شرط لبناء المناعة. وكما تعلمت المجتمعات قواعد الصحة العامة لمواجهة الأوبئة، يمكنها تطوير نوع من «الصحة المعلوماتية»: التحقق قبل المشاركة، تنويع المصادر، الانتباه إلى الاستثارة العاطفية، والتمييز بين الخبر والرأي والدعاية.
إن المعركة المستقبلية لن تكون فقط على امتلاك أكبر عدد من الصواريخ أو الطائرات، بل على امتلاك القدرة على الحفاظ على تماسك المجتمع تحت ضغط المعلومات. وقد تصبح الثقة مورداً استراتيجياً يوازي بعض الموارد المادية. فالدولة التي تمتلك اقتصاداً قوياً وجيشاً متقدماً لكنها تعاني انهياراً كاملاً في الثقة الداخلية يمكن أن تكون عرضة للتأثير بطرق لا تعالجها الأسلحة.
لهذا فإن مفهوم الأمن القومي يتوسع. حماية الحدود تبقى ضرورية، لكن الحدود الجديدة تمر أيضاً عبر شاشة الهاتف. وكل مواطن يحمل جهازاً متصلاً بالعالم يصبح، من زاوية معينة، نقطة تماس بين المجال الوطني وشبكات التأثير العالمية. وهذا لا ينبغي أن يحول المواطن إلى مشتبه به، بل إلى شريك في بناء المناعة المعرفية.
إن أخطر انتصار في حروب الإدراك هو الانتصار الذي لا يشعر المهزوم بأنه هُزم. عندما يتبنى مجتمع رواية صُنعت لإضعافه وهو يعتقد أنها نتاج طبيعي لتفكيره، تكون القوة قد بلغت مستوى بالغ العمق. ولذلك فإن الاستقلال في العصر الرقمي لا يكتمل باستقلال القرار الرسمي فقط؛ يحتاج أيضاً إلى مجتمع قادر على التفكير بحرية داخل فضاء معلوماتي شديد التعقيد.
وفي النهاية، تكشف حروب الإدراك أن القوة الدولية تدخل مرحلة جديدة. كانت الإمبراطوريات القديمة تبحث عن الأرض، والدول الصناعية تبحث عن الأسواق والموارد، أما القوى في العصر الرقمي فتتنافس أيضاً على الانتباه والبيانات والرواية. لم يعد السؤال فقط: من يسيطر على الممرات والبحار؟ بل أيضاً: من يستطيع أن يحدد ما الذي يراه الإنسان، وما الذي يخشاه، وما الذي يصدقه؟
ولعل المعركة الأكثر حسماً في مستقبل العلاقات الدولية لن تكون معركة احتلال العقول، بل معركة حمايتها من الاحتلال. فالدولة تستطيع أن تستعيد أرضاً فقدتها، وأن تعيد بناء جسراً دُمّر، لكن إعادة بناء الثقة بعد انهيارها أصعب بكثير. وحين يصبح العقل ساحة للصراع، تصبح الحقيقة بنية تحتية للأمن، ويصبح الوعي المستقل شكلاً من أشكال السيادة. ومن هنا قد يكون السؤال الاستراتيجي الأهم للدولة في القرن الحادي والعشرين ليس فقط: كيف نحمي حدودنا؟ بل: كيف نحمي قدرة مجتمعنا على أن يرى العالم بعينيه، لا بالعين التي يصنعها له الآخرون؟