أجرى الحوار: جـلال مشـروك
في المشهد الثقافي الجزائري الراهن، تبرز أقلام واعدة تؤسس لحضورها بوعي نقدي وإبداعي رصين، يجمع بين الدقة الأكاديمية وشغف المعرفة. ومن بين هذه الأصوات، تتألق الباحثة والكاتبة حسيبة أخناق، ابنة بلدية ذراع قبيلة بولاية سطيف، الحاصلة على مرتبة الأولى على دفعتها في ماستر النقد الحديث ومعاصر، وصاحبة الإصدارات التي ترتاد آفاق اللغة والأدب والتناص. اليوم تأخذنا الكاتبة في رحلة ممتعة تبدأ من عتبات الطفولة الأولى والشغف بالدفاتري والألوان، مروراً بتجربتها في التأليف المدرسي والبحث الأكاديمي، وصولاً إلى قراءة واعية لواقع الثقافة والتعليم وتحديات الطفل الرقمية. كما ترفع الستار عن أعمالها الجديدة والمرتقبة في حقول النقد والسرد.

* كيف تعرّف الكاتبة أخناق حسيبة نفسها؟
– حسيبة أخناق، من مواليد بلدية ذراع قبيلة بولاية سطيف. طالبة علم، مُتحصلة مرتين على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب والفلسفة (نظامي/أحرار). التحقت بجامعة سطيف 2، كلية الآداب واللغات، قسم اللغة والأدب العربي؛ حيث تحصلت على شهادة الليسانس في الدراسات الأدبية والنقدية سنة 2022، لأكمل طور الماستر وأنال الشهادة بجدارة واستحقاق عام 2024 تخصص نقد حديث ومعاصر (شعبة الدراسات الأدبية والنّقدية)، وكنت الأولى على الدفعة.
كما أنني متحصلة على شهادة مدربة سوروبان من أكاديمية “غوافرية” عام 2021، وشهادة مسيّرة روضة وفق “نظام المونتيسوري” من الأكاديمية نفسها.
أمتلك مؤلفين؛ أولهما بعنوان “الهمام في الأدب واللغة العربية”، الموجه لأساتذة وتلاميذ البكالوريا لجميع الشعب. أما المؤلف الثاني فهو تحت عنوان “التناص في التجربة الشعرية الجزائرية المعاصرة”، وهو امتداد لمذكرة تخرجي في طور الماستر.
* كيف كانت انطلاقتك في عالم التأليف؟
– في الواقع، كنت مولعة برسم القصص المُصورة وكتابة مقاطع حوارية أمام الصور التي أرسمها منذ نعومة أظافري. وما أزال أتذكر بعضاً من تلك المقاطع، حيث كانت أغلب رسوماتي وقصصي حول ملوك وأميرات وأمراء، وقصص عن صغار الحيوانات. بيد أن هذه القصص بقيت حبيسة دفاتري ولم تتحرر منها لترى النور. كنت أردد دائماً جملة: “أنا لم أخلق عبثاً، أنا خلقت لأكون نجمة”، ولم أكن أعلم حينها أن النجوم تحترق وتتهاوى شهباً.
كان لي عالمي الخاص: دفاتري وألواني وقلمي. لم أكن ألعب خارجاً مثل أقراني، بل وحتى في المدرسة الابتدائية أتذكر أنني كنت أرفض اللعب مع زميلاتي، وأفضل الجلوس ومراقبتهن وهن يلعبن الألعاب الشعبية المتعارف عليها. وحتى مع إصرار المعلمين على اللعب مع زملائي، كنت في فترة الراحة أفضل الجلوس والتأمل في الأزهار المزروعة في باحة المدرسة.
أما بالنّسبة لمشاركاتي فقد كانت قليلة جداً، تقتصر على مقاطع وخواطر ألقيها أحياناً في الاحتفالات والمناسبات، وعبارات أضعها في المجلة الحائطية أيام الثانوية، فلم تكن لي مشاركات تذكر خارج جدران مؤسساتنا.
* من كان داعمك ومساندك الأول في حياتك؟
– بعد فضل الله وتوفيقه وعنايته التي تحيط بنا، لا شك أن الإنسان مثل الفراشة التي تخرج إلى العالم من شرنقتها لتحلق في الفضاء الشاسع؛ كذلك كنت أنا، كنت تلك الفراشة الفتية الغضة، وكانت عائلتي تلك الشرنقة التي تحميني إلى أن اشتد عودي، واِكتملت أجنحتي، واِمتلكت القدرة على التحليق. وبالأخص أخي الغالي “هاني”، الذي كان حاضراً في كل لحظة مِن سنوات دراستي الجامعية، والداعم الأول لي في فكرة نشر أَولى أعمالي.
* ما هو تأثير المحيط على ولوجك عالم الكتابة والتأليف؟
– كان المحيط الذي أعيش فيه الدافع الرئيس لي في العزم على الكتابة والتّأليف؛ فبما أننا نسكن في قرية بعيدة نوعاً ما عن المَراكز الثّقافية وتخلو مِن المَكتبات المَركزية أو العامة، مما يجعل التّلميذ مُضطراً للتنقل إلى بلديات مُجاورة أو إلى المدينة التي تبعد مَسافة ساعتين مِن الزمن فِي ظل قلة المُواصلات، فكرت في أن أيسر عليهم عناء البحث عن المعرفة، وكانت هذه أول تجربة يُقدم عليها شباب منطقتي.
* تخصصك في آداب اللغة العربية.. هل أثر في حياتك الشخصية أولاً ومحيطك ثانياً؟
– نحن لا نستطيع بأي حال من الأحوال أن نصف الأدب أو نصنفه، نظراً لاتساع لفظه وانفتاح دلالته ومفهومه الزئبقي الذي لا يثبت على حال وشاكلة، فلا يمكننا الإحاطة به وحصره في مجال واحد أو زاوية واحدة.
إن تخصصي في ميدان الأدب له بالغ الأثر في حياتي من جميع النواحي؛ فقد فتح بصيرتي وجعلني أدرك معنى الحرف وتأثيره، وأن الكلمة الواحدة بإمكانها أن تبني وتُعلي مقاماً وترفع المرء وتجعله في أعلى الدرجات، كما يمكنها أن تهوي وتطيح بصاحبها إلى أدنى الدركات. أدركت أن الشعر هو الشعور وليس مجرد حبر نخطه على ورق، وأدركت أن الكتابة عنوان الغياب. حينما درست الأدب والنقد شعرت أنني أقرب إلى المجتمع، أشاركه تجاربه المعيشة، وأفهم وأعي حقاً قضاياه وانشغالاته، فتعاظم لدي الحس القومي والشعور بالمسؤولية الخاصة والعامة.
* في سنة 2021، صدر لك كتاب “الهمام في الأدب واللغة العربية” الموجه لأساتذة وتلاميذ البكالوريا. ما هي الفجوة التي وجدتِ ضرورة لملئها في هذا الكتاب مقارنة بالمراجع المتوفرة حينها؟
– في الواقع، أنا لست في مقام نقد أعمال مَن سبقوني ولست أهلاً لذلك، إلا أنني عمدت إلى اتخاذ أسهل السبل التي تمكن التلميذ مِن الفهم، سواء أكان ذلك من خلال اعتماد لغة سلسة وتجنب سمة الغموض، أو مِن خلال الأمثلة المعتمدة التي يتسم أغلبها بالبساطة لتيسير الاستيعاب، أو من خلال إدراج المخططات والجداول بوصفها تدريباً ذهنياً. فالمعلومة يسهل ترسيخها من خلال تذكر تفصيلات المُخططات وتدرج العناصر، وهذا يحفز عمل الدماغ والتذكر الاستيعادي واستدعاء الأفكار؛ فالتلميذ يركز على الأشكال والألوان أكثر من النصوص المكدسة. وهذه وجهة نظر تقبل التأييد والتفنيد طبعاً.
* توّجتِ مسارك النقدي حديثاً بإصدار كتاب “التناص في التجربة الشعرية الجزائرية المعاصرة” (2026). حدثينا عنه وعن محتواه؟ وإلى أي مدى تعكس هذه الدراسة هموم الشاعر الجزائري المعاصر في تناصه واشتغاله على الذاكرة النصية؟
– هذا العمل هو امتداد لمذكرة تخرجي لنيل شهادة الماستر في النقد الحديث والمعاصر. يتضمن عملي هذا، الموسوم بـ”التناص في التّجربة الشعرية الجزائرية المعاصرة”، متابعة كرونولوجية لميلاد وتطور التّجربة الشعرية المعاصرة لدى الشعراء الجزائريين، والعوامل المؤثرة عليهم والتي أسهمت في بزوغ شمس التجربة المعاصرة. مدعمة إياها بأمثلة لشعرائنا حسب الامتداد الزماني والمكاني، أمثال: الشاعر الأمير عبد القادر، وعبد الله حمادي، وغماري، والشاعر ياسين بن عبيد، والشاعر الصوفي عبد الملك بومنجل، ويوسف وغليسي، وكذلك فاتح علاق، والشعراء الشباب مثل عبد القادر بوشامة، والشاعر الجزائري فارس بن جدو الذي اتخذت ديوانه موضوعاً للدراسة.
كما تطرقت فيه إلى دراسة ظاهرة التناص منذ ظهورها في العالم الغربي ومفهوم الظاهرة عند العلماء الغربيين، على سبيل المثال لا الحصر: ميخائيل باختين، جيرار جنيت، جوليا كريستيفا. وكذلك تتبعنا المصطلح في البيئة العربية القديمة، إذ عُرف بمصطلحات أخرى، وصولاً إلى تسلسله في العالم الحديث والمعاصر مع نقاد ومفكرين أمثال: محمد بنيس، صلاح فضل، سعيد يقطين. فدرسنا خصائص الظاهرة في العالم الغربي والعربي ومميزاتها، ومن ثم فصّلنا في أنواع التناص واستحضرنا نماذج شعرية متباينة الأزمنة.
لنشرع في القسم الثاني في دراسة سيميائية للغلاف وتحليل رموزه، وكذلك إسقاط الظاهرة على ديوان “أفق النايات” للشاعر الجزائري فارس بن جدو، واستخراج ما أمكن منها على سبيل الإيضاح من نماذج، واستحضار النصوص المتداخلة لنشكل قطعة فسيفسائية متناغمة. هذا العمل يمكن اعتباره مرجعاً أو منهجية للطلاب في الجامعات لبناء أبحاثهم وبحوثهم العلمية.
تعكس الدراسة هموم الشاعر الجزائري المعاصر بدرجة كبيرة؛ لأنها تنظر إلى التناص والذاكرة النصية بوصفهما وسيلتين لإعادة بناء علاقة الشاعر بتاريخه وثقافته وواقعه، لا مجرد تقنيات بلاغية أو إحالات إلى نصوص سابقة. فالشعر الجزائري المعاصر يستفيد من الموروث الشعري والتاريخي، لكنه يعيد صياغته بما ينسجم مع أزمات الحاضر وتحولاته.
التناص بوصفه حواراً:
يكشف التناص عن وعي الشاعر بأن النص لا يولد معزولاً، بل يتشكل من حوار مع القرآن، والتراث العربي، والشعر القديم، والنصوص الصوفية والثورية، فضلاً عن الذاكرة الشعبية والوطنية. غير أن هذا الاستدعاء لا يعني الخضوع للماضي؛ إذ يعمل الشاعر على تفكيك النصوص السابقة وإعادة توجيه دلالاتها لتعبّر عن قلقه الراهن، مثل أزمة الهوية، والاغتراب، والعنف، والبحث عن معنى الانتماء. ومن ثمّ يصبح التناص شكلاً من أشكال المقاومة الرمزية: يستحضر الشاعر الماضي لكي يحاكم الحاضر، ويستعيد الرموز التاريخية أو الدينية أو الثورية لكي يمنح تجربته الفردية بعداً جماعياً. وقد ارتبط الشعر الجزائري الحديث تاريخياً بتمثيل أوضاع الأمة وتفاعل الشعر مع التاريخ والواقع الاجتماعي.
الذاكرة النصية:
تتجلى الذاكرة النصية في احتفاظ الشاعر بمخزون من النصوص والصور والرموز التي أعاد إنتاجها داخل قصيدته. وهي ذاكرة لا تقتصر على الكتب، بل تشمل الذاكرة الثورية، والوجدان الشعبي، والأمكنة الجزائرية، وتجارب الاستعمار والاستقلال، وما خلفته الأزمات السياسية والاجتماعية.
لهذا، فإن اشتغال الشاعر على الذاكرة النصية يعكس همّاً هوياتياً واضحاً: كيف يمكن أن يكون حديثاً دون أن يقطع صلته بالموروث؟ وكيف يستفيد من التجارب العربية والعالمية مع الحفاظ على خصوصية التجربة الجزائرية؟ وتؤكد الدراسات أن القصيدة الجزائرية المعاصرة استفادت من تاريخ الشعر العربي ومدارسه، مع سعيها إلى بناء خصائصها المعجمية والإيقاعية والأسلوبية الخاصة.
مع ذلك، فإن مدى انعكاس هذه الهموم يتوقف على حدود الدراسة ومنهجها. فإذا اكتفت برصد الإحالات إلى النصوص السابقة، فإنها ستقدم وصفاً تقنياً للتناص ولن تبلغ عمق التجربة الشعرية. أما إذا ربطت التناص بالسياق التاريخي والنفسي والاجتماعي، فستكشف كيف يتحول النص الموروث إلى أداة لفهم الحاضر والتعبير عن أزماته. كما ينبغي ألا تُختزل الذاكرة النصية في الذاكرة الثورية وحدها؛ فالشاعر الجزائري المعاصر يتحرك بين ذاكرة وطنية وجماعية، وذاكرة أدبية عربية، وذاكرة شخصية مرتبطة بالمكان واللغة والمنفى والاغتراب.
لذلك يمكن القول إن الدراسة تعكس هموم الشاعر الجزائري المعاصر بقدر ما تبرز وظيفة التناص في إنتاج المعنى والهوية، لا بقدر ما تحصي مصادره وإحالاته فقط. إضافة إلى بناء جسور بين الأجيال، حيث يشعر الشاعر بالترابط مع الكُتّاب السابقين والمجتمعات التي ساهمت في تشكيل هويته؛ وبهذا الشكل يعزز التّناص من الهوية الشعرية، مما يجعل النّصوص تعكس عمق التجربة الثقافية والاجتماعية للشاعر.
يتفاعل الشاعر المعاصر مع تراثه الأدبي بشكل ديناميكي، مما يمنحه القدرة على تطوير أفكار جديدة وإعادة تفسير مفاهيم تقليدية وإلباسها ثوب الحداثة. وعندما يستلهم الشاعر نصوصاً سابقة، فإنه لا يتعامل معها كمرجع ثابت، بل يُعيد تقديم تلك الأفكار وصياغتها وفق سياق معاصر، مما يُضفي عليها معنى جديداً يتوافق مع تجاربه الحالية، ليعكس هذا الحوار شعوراً بالاستمرارية الفكرية والأدبية عبر الأجيال. هكذا يتواصل الشاعر مع كُتّاب من عصور سابقة، مما يُعزز إحساس القارئ بأنّ النّص هو جزء من تاريخ طويل من التعبير الفني، كما يتيح التّناص طرح رؤى متعدّدة. وبذلك، يتحوّل كلّ نص إلى تجربة غنية تتجاوز الفضاءات المكانية والحدود الزّمنية، مما يجعل كلّ قراءة فرصة للتفاعل مع الأفكار بطرق جديدة.
* كيف تفاعلتِ مع “دار خيال للنشر والترجمة” من خلال هذين الإصدارين، وكيف تقيمين دور مؤسسات النشر المحلية في مرافقة الأقلام الشابة والباحثين الجزائريين؟
– بدءاً، أتوجه بجزيل الشكر والعرفان الممتن للأستاذ “طيبي محمد رفيق” على تعامله المتفرد وحسن خلقه والتزامه قبل أداء واجبه المهني. في الواقع، دار “خيال” تجعل من خيالنا واقعاً وتجعل من أحلامنا حقيقة؛ كان التعامل معهم يسيراً، وتجاوبهم وردودهم في منتهى السرعة والحرص. فالكاتب عندهم، أو المؤلف المتعامل معهم، له أولوية خاصة ويمنحونه جل جهدهم ووقتهم.
بالنّسبة لدور النّشر في وقتنا هذا، نراها تدعم الشباب المثقف وتحفزه على العطاء الجزل، وتيسر له سبل الإنجاز وتذلل له مشقات التنقل وأعباء المعاملات. فهي مشجعة وداعمة، كما أنها تمنحك خيارات تناسبك وتتماشى مع جميع ظروفك.
* في ظل التحديات الرقمية المعاصرة التي تواجه الناشئة، كيف يمكن للمربي والمبدع أن يعيد صياغة علاقة الطفل بالكتاب واللغة العربية؟
– في ظل هيمنة الشاشات وغزو المحتوى الرقمي لجميع الميادين واستحواذه عليها، لم تعد معركة الكتاب معركة “ورق ضد شاشة”، بل أصبحت معركة “معنى ضد محتوى زئبقي” و”عمق ضد تشتت”. ولإعادة صياغة علاقة الناشئة بالكتاب واللغة العربية، نحتاج إلى تقسيم الأدوار بيننا كل حسب تخصصه في دورين متكاملين: دور المربي، ودور المبدع.
أولاً: دور المربي
تتعدى التلقين إلى الترغيب: مهمة المربي لم تعد تقتصر على أمر التلميذ بالقراءة، بل أن يجعل منها حاجة، وأن يجعل من التلميذ إنساناً يعيش بالقراءة.
التحول من الواجب إلى المتعة: لا نقول له: “أنت ملزم بإنهاء 20 صفحة”، بل نقول بصيغة أكثر تحفيزاً: “هيا لنكتشف معاً كيف نجا البطل من الخطر ونفذ المهمة”. كما يجب علينا أن نجعل القراءة تجربة حية، وحواراً، ومغامرة مشتركة.
القدوة العملية: الطفل لا يفعل ما نأمره به، بل يفعل ما يرانا نفعله. عندما يرى المربي كتاباً في يده بدل الهاتف، ترسخ قيمة القراءة في اللاوعي.
ربط الكتاب بعالم الطفل الرقمي: نسأل: “هذه اللعبة التي تلعبها، ما أصل فكرتها في التاريخ؟ القصة هذه في الكتاب تشرحها بتفصيل أعمق”. هكذا يصبح الكتاب مفتاحاً لفهم عالمه، لا منافساً له.
خلق أجواء وزوايا وأماكن خاصة للقراءة: تخصيص “ركن قراءة” و”وقت مقدس بلا شاشات” يومياً، حتى إن كان لمدة 10 دقائق فقط؛ فالاستمرارية أهم من الكمية.
ثانياً: دور المبدع – من الجمود إلى التجديد
يجب أن نواكب لغة العصر دون أن نفرط في فصاحة اللغة. تبسيط الفصحى دون ابتذال أو تكلف: كتابة قصص بلغة عربية فصيحة، سلسة، قريبة من فهم الطفل. نبتعد عن التعقيد اللغوي المنفّر، ونبتعد أيضاً عن العامية التي تضعف اللغة.
توظيف التقنية لخدمة الكتاب: مثلما أُوجد الأدب التفاعلي، فعلينا أن نهتم بـ”الكتاب التفاعلي”: كتب فيها رموز QR تفتح مشاهد صوتية أو رسوماً متحركة. وكذلك أدب “اختر مغامرتك” الذي يمنح الطفل سلطة اختيار نهاية القصة فيشعر أنه بطلها يعيش أحداثها ويقرر مصيرها، فضلاً عن “القصص والروايات المصورة” التي تمتلك لغة بصرية قوية تخاطب جيل الصورة.
تقديم محتوى عربي قصير ذي قيمة: بودكاست قصصي مدته 5 دقائق، مقاطع فيديو قصيرة تشرح “كلمة عربية في قصة”، كوميكس عربي… ندخل من بوابة المحتوى القصير لنقود الطفل إلى المحتوى العميق.
ننتهي مما سبق ذكره كله إلى ضرورة أن نتعامل مع اللغة كهوية وقوة. فالتحدي الأكبر هو أن نعيد للطفل الإحساس بأن اللغة العربية ليست مادة دراسية، بل هي هويته التي تميزه، وأداته للتعبير عن نفسه بدقة وعمق، ومفتاحه لفهم تراثه وصناعة مستقبله. الحل ليس في محاربة الرقمي، بل في مصالحته مع الورقي؛ لنجعل الرقمي جسراً يوصل إلى الكتاب، والكتاب قارباً يبحر بالطفل في أعماق المعنى.
* ما هي المشاريع الأدبية أو النقدية التي تشتغل عليها الأستاذة حسيبة أخناق في أفقها القريب؟ هل سنراك قريباً في حقل الرواية أو السرد الإبداعي؟
– بالنّسبة للمشاريع الأدبية، أشتغل منذ زمن في حقل الرواية على روايتي التي وسمتها بـ “العائدة من عمق الرماد”، والتي أفضل أن أبقي أحداثها مفاجأة، كي لا أفسد على القارئ احتمالاته وعنصر التشويق.
أما من الناحية النقدية، فأنا بصدد نشر قراءة في كتاب “خارج المكان” للمفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد، حيث يسرد إدوارد حياته وحياة الملايين من الفلسطينيين. وقد اشتغلت عليه مدة تزيد عن ثلاث سنوات، ليرى النور في الأيام القليلة القادمة بإذن الله تعالى وتوفيقه. يتناول قضية معاصرة شائكة طالما أثارت وتثير جدلاً واسعاً في الساحة الثقافية والنقدية وحتى السياسية، ألا وهي “الهوية”.
تطرقت فيه إلى ملامح الهوية المتشظية لدى إدوارد سعيد، والمنفى، والاغتراب، والمثقف المنفي. أفضل التحفظ قليلاً عن محتواه كي لا يكون كتاباً مفتوحاً سهل التعاطي، وأفضل أن تتعدد القراءات فيه، ويقوم التأويل، وتنفتح الدلالة ويتسع المعنى، وأن تتولد منه قراءات أخرى؛ فالقراءة عمل مستمر وإبداع دائم، والنص ينتهي وجوده حينما لا يجد قارئاً خبيراً به قادراً على استنطاقه.
* نصيحة توجهينها للشباب الطموح والطلبة الباحثين الذين يسيرون على خطاكم في دروب العلم والكتابة؟
– النصيحة التي أوجهها للشباب المثقف الطموح والباحث الفذ هي: “اكتب… لا تتوقف عن الكتابة مهما استصغرت نصك، فإنه سيأتي الوقت المناسب الذي ينمو فيه ويتطور ليصبح عملاً ناضجاً. اكتب في جميع حالاتك، واجعل من الكتابة عالماً خاصاً بك وحياة ثانية؛ إذا أردت أن تبقى على قيد الحياة، يجب أن يكون لك نص تسرده”.
كلمة أخيرة.. أقدم شكري للأستاذ جلال مشروك على طيب استضافته، ولجريدة التآخي وللسادة الأساتذة الأفاضل جميعاً. كما أرجو أن أكون نسمة خفيفة مرت على فضائكم فأفادتكم، وغيثاً نافعاً أينما حللنا أزهرت الدنيا من حولنا.