حوار-ناهي العامري
في قلب شارع المتنبي، أحد أبرز المعالم الثقافية في بغداد، حيث تتجاور الكتب، وتلتقي الأفكار، وتتنوّع العناوين، افتُتحت حديثًا «مكتبة نوروز»، لتضيف حضورًا كورديًا إلى المشهد الثقافي في هذا الشارع العريق.
المكتبة، التي أسسها كاك حسين قلي خان، تولي اهتمامًا خاصًا بالكتب والمطبوعات الكوردية، في خطوة تحمل أبعادًا ثقافية ومعرفية تتجاوز فكرة إنشاء مكتبة تجارية، لتفتح نافذة جديدة أمام القارئ البغدادي والعربي والكوردي للتعرّف على النتاج الأدبي والفكري والثقافي الكوردي.
وفي هذا الحوار مع «جريدة التآخي»، نتوقف مع كاك حسين قلي خان عند فكرة تأسيس المكتبة، ودلالة اختيار اسم «نوروز»، وطبيعة الكتب والمطبوعات التي ستوفرها، فضلًا عن رؤيته لمستقبل المكتبة ودورها في المشهد الثقافي في بغداد، وعلاقتها بالمؤسسات الثقافية ودور النشر والمكتبات في إقليم كوردستان.
بدأنا حوارنا مع صاحب مشروع مكتبة (نوروز) بالسؤال التالي: كيف وُلدت فكرة افتتاح مكتبة تهتم بالكتب والمطبوعات الكوردية في قلب شارع المتنبي؟ وما الذي دفعكم إلى خوض هذه التجربة؟
– أهلًا وسهلًا بـ«جريدة التآخي» الغرّاء.
جاءت هذه الفكرة لعدة أسباب، من أبرزها النقص الكبير في المصادر الكوردية المتاحة في بغداد ومناطق أخرى خارج إقليم كوردستان، الأمر الذي أوجد صعوبات أمام الباحثين وطلبة الدراسات العليا، ولا سيما عند البحث عن المصادر والمراجع المتعلقة بموضوعات أبحاثهم ودراساتهم.
ومن هنا جاءت فكرة إنشاء مكتبة متخصصة توفر هذه المصادر والمطبوعات، وتسهم في تسهيل وصول الباحثين والقراء إليها، فضلًا عن تعزيز حضور الكتاب والثقافة الكوردية في بغداد.
س: اخترتم للمكتبة اسم «نوروز». ما الدلالة التي يحملها هذا الاسم بالنسبة إليكم؟ ولماذا وقع اختياركم عليه تحديدًا؟
– «نوروز» يعني الأمل واليوم الجديد والإشراق، وهو اسم يرتبط بعيد قومي عريق لدى عدد من شعوب المنطقة، ولا سيما الشعب الكوردي، الذي يحتل هذا العيد مكانة خاصة في ذاكرته وثقافته.
كما يحمل اسم «نوروز» دلالات تاريخية وقومية وثقافية عميقة لدى الشعب الكوردي، ويرمز إلى التجدد والانبعاث والأمل. لذلك اخترنا هذا الاسم لمكتبتنا لما يحمله من معانٍ ودلالات تتناسب مع رسالتها وأهدافها، ونأمل أن تكون المكتبة مساحة للتجدد الثقافي والمعرفي، ونافذة للتواصل بين الثقافات.
س: هل ستتخصص مكتبة نوروز بالكتب والمطبوعات الكوردية فقط، أم تطمحون إلى أن تكون مكتبة جامعة تضم كتبًا ومصادر باللغات الأخرى؟
– تختص المكتبة بالكتب والمصادر الكوردية، إضافة إلى الكتب والمصادر العربية والفارسية والتركية والإنكليزية والألمانية والفرنسية، فضلًا عن سائر اللغات التي تتناول تاريخ الكورد وثقافتهم وقضيتهم وتراثهم، أو تتحدث عنهم وتتناول جوانب مختلفة من حياتهم.
وبذلك نسعى إلى توفير مساحة معرفية متنوعة تتيح للباحث والقارئ الوصول إلى أكبر قدر ممكن من المصادر المتعلقة بالكورد وتاريخهم وثقافتهم.
س: هل حظي مشروع تأسيس المكتبة بدعم أو تشجيع من مؤسسة أو جهة ثقافية، أو من شخصيات أكاديمية ومثقفة؟ أم أن المشروع جاء بمبادرة وجهود شخصية منكم؟
– لم نحظَ حتى الآن بدعم من أي جهة ثقافية، إذ أُنشئت المكتبة بجهود شخصية ومبادرة ذاتية.
ونأمل في المستقبل أن تحظى المكتبة بدعم واسع من المؤسسات الثقافية في إقليم كوردستان، ومن الشخصيات والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي.
كما نتمنى من قسم الإعلام المركزي للحزب الديمقراطي الكوردستاني، أن يولي هذا المشروع الثقافي في بغداد اهتمامًا خاصًا، وأن يسهم في دعمه وتعزيز دوره، بما يخدم الحركة الثقافية والمعرفية الكوردية في العاصمة بغداد.
س: يمثل شارع المتنبي رمزًا للثقافة والكتاب في بغداد. كيف تنظرون إلى وجود مكتبة متخصصة بالكتاب الكوردي في هذا المكان تحديدًا؟ وهل تعتقدون أن ذلك سيمنح مكتبة نوروز خصوصية وتميزًا في المشهد الثقافي للشارع؟
– إن وجود مكتبة متخصصة بالثقافة والأدب الكوردي في قلب بغداد، وتحديدًا في شارع الثقافة والمثقفين، شارع المتنبي، يضيف قوة معرفية وثقافية مهمة إلى هذا الشارع العريق، ويعزز حضور الثقافة الكوردية في المشهد الثقافي البغدادي.
وقد حظي المشروع بقبول وترحيب واسعين من غالبية الكتبيين وأصحاب المكتبات في شارع المتنبي، الذين أبدوا تقديرهم لفكرة المكتبة وأهميتها الثقافية والمعرفية.
ونحن نعدّ هذا الترحيب والتفاعل مؤشرًا إيجابيًا يشجعنا على مواصلة العمل وتطوير تجربة المكتبة.

س: لم يمضِ على افتتاح المكتبة سوى وقت قصير. كيف تصفون مستوى الإقبال عليها حتى الآن؟ وما طبيعة تفاعل القراء والمثقفين البغداديين مع وجود مكتبة تهتم بالكتاب الكوردي؟
– نعم، تحوّل القلق إلى تفاؤل مع افتتاح المكتبة، نتيجة التفاعل الإيجابي الذي أبداه المثقفون وروّاد المكتبات مع «مكتبة نوروز<<.
كما أبدى أصحاب المكتبات في شارع المتنبي استعدادهم للتعاون والمساهمة في إنجاح هذا المشروع الثقافي، وهو ما عزز ثقتنا بإمكانية استمرار المكتبة وتوسّع دورها في المشهد الثقافي والمعرفي في بغداد.
ونحن نلمس اهتمامًا واضحًا بالكتب والمصادر الكوردية، وهو ما يشجعنا على مواصلة العمل وتطوير المكتبة بما يلبي احتياجات القراء والباحثين.
س: ما خططكم المستقبلية لتطوير مكتبة نوروز؟ وهل لديكم مشاريع لإقامة فعاليات ثقافية أو ندوات أو جلسات لتوقيع الكتب، إلى جانب بيع وعرض المطبوعات؟
– نعم، لدينا أفكار ومشاريع أكبر تتعلق بالكتاب والثقافة الكوردية، وننتظر نجاح مشروع «مكتبة نوروز» ليكون خطوة أولى نحو تنفيذ هذه المشاريع وتوسيع نطاق عملنا.
ونطمح مستقبلًا إلى أن تتجاوز المكتبة دورها في عرض وبيع الكتب والمطبوعات، لتكون مساحة ثقافية ومعرفية تحتضن الفعاليات والندوات والحوارات الثقافية، وتسهم في تعزيز التواصل بين المثقفين والكتاب والباحثين، وتوسيع حضور الكتاب والثقافة الكوردية في بغداد.
ونأمل أن تكون «مكتبة نوروز» جسرًا للتواصل الثقافي والمعرفي بين بغداد وإقليم كوردستان، وأن تسهم في التعريف بالنتاج الأدبي والفكري والثقافي الكوردي أمام القارئ العراقي والعربي.
كما تعاقدنا ووقّعنا اتفاقيات مع مجموعة من طلبة الدراسات العليا، بهدف طباعة ونشر بحوثهم في مرحلة الماجستير وأطروحاتهم في مرحلة الدكتوراه، والتي تتناول موضوعات متعددة تتعلق بالقضية الكوردية وتاريخها وثقافتها.
ونأمل في المستقبل أن يتوسع المشروع ليشمل تأسيس دار للطباعة والنشر، تكون منصة لدعم الباحثين والكتّاب، وتسهم في نشر الكتاب الكوردي وإيصال الإنتاج الثقافي والمعرفي الكوردي إلى القرّاء والباحثين داخل العراق وخارجه.
س: هل لديكم نية لإقامة علاقات تعاون وشراكات مع دور النشر الكوردية والمكتبات والمؤسسات الثقافية في إقليم كوردستان، بهدف إيصال المزيد من الإصدارات الكوردية إلى القارئ في بغداد؟
– نعم، حاولنا ونواصل محاولاتنا للتواصل مع المؤسسات الثقافية ودور النشر في إقليم كوردستان العراق، وكذلك مع المؤسسات ودور النشر في مختلف أنحاء العالم، بهدف بناء علاقات تعاون وتبادل المطبوعات والإصدارات والنتاجات الثقافية.
ونهدف من خلال ذلك إلى رفد المشهد الثقافي العراقي، ولا سيما في بغداد، بالكتاب والثقافة الكوردية، وتعزيز حضورها في الوسط الثقافي والمعرفي البغدادي، بما يسهم في توسيع آفاق التفاعل والتبادل الثقافي بين الكورد وبقية مكونات المجتمع العراقي.
س: إلى أي مدى يمكن أن تسهم مكتبة نوروز في التعريف بالنتاج الأدبي والفكري والتاريخي الكوردي لدى القارئ العربي في بغداد، وفي تعزيز التواصل الثقافي بين المثقفين الكورد والعرب؟
– إلى حد كبير، نسعى إلى رفد المثقف العربي بالنتاجات الثقافية الكوردية، وقد لمسنا اهتمامًا واضحًا من جانب المثقفين والقرّاء العرب بالتعرّف على الثقافة الكوردية بمختلف جوانبها.
بل وجدنا أن هناك تعطشًا لدى المثقف العربي للاطلاع على الأدب والتاريخ والفكر والتراث الكوردي، وهو ما يشجعنا على مواصلة العمل وتوفير المزيد من الكتب والمصادر الكوردية باللغة العربية، بما يسهم في تعزيز التواصل والتبادل الثقافي بين الجانبين، ويفتح آفاقًا أوسع للتعرّف المتبادل على النتاج الثقافي والفكري.
س: ما الرسالة التي توجهونها إلى الطبقة المثقفة في بغداد عمومًا، وإلى الكتّاب والمثقفين والقرّاء الكورد على وجه الخصوص، بشأن أهمية دعم الكتاب والمكتبات والمشاريع الثقافية؟
– رسالتنا إلى المثقف العربي هي الدعوة إلى الانفتاح بصورة أكبر على ثقافات الشعوب الأخرى، ولا سيما الثقافة الكوردية، لما يمثله هذا الانفتاح من أهمية في تعزيز المعرفة المتبادلة وتقريب المسافات بين الشعوب.
كما نوجّه دعوتنا إلى الكتّاب والمثقفين والقرّاء الكورد لدعم الكتاب والمكتبات والمشاريع الثقافية، لأن دعم هذه المشاريع يسهم في الحفاظ على النتاج الثقافي والفكري، ويمنحه فرصة أكبر للوصول إلى القرّاء والباحثين، داخل العراق وخارجه.
س: في ختام هذا الحوار، ما الكلمة التي تودون توجيهها إلى قرّاء «التآخي»، وإلى كل من ساند مشروع مكتبة نوروز أو يطمح إلى أن يرى لها حضورًا أوسع في المشهد الثقافي البغدادي؟
ج: في ختام هذا الحوار، نوجّه كلمة قصيرة، لكنها كبيرة في معانيها ودلالاتها، إلى قرّاء «جريدة التآخي» الغرّاء، ندعوهم فيها إلى أن يجعلوا من «مكتبة نوروز» واحةً ثقافيةً وملتقىً معرفيًا لهم، وأن يزوروا المكتبة ويقدّموا الدعم المعرفي والثقافي لهذا المشروع، بما يسهم في إنجاحه وتطويره.
إن «مكتبة نوروز» ليست مجرد مكتبة لبيع الكتب والمطبوعات، بل نطمح إلى أن تكون بيتًا ثقافيًا مفتوحًا للجميع، ومساحةً للقاء والحوار وتبادل المعرفة، وجسرًا للتواصل الثقافي بين بغداد وإقليم كوردستان.
ومن خلال هذا اللقاء، نعدّ «جريدة التآخي» من أوائل الداعمين لمشروع «مكتبة نوروز»، ونثمّن اهتمامها بهذا المشروع وإسهامها في التعريف به، ونتطلع إلى استمرار هذا التعاون بما يخدم الثقافة والكتاب والمعرفة.