بيسنت وترامب وتحول الخزانة الأميركية إلى سلاح

نبيل عبد الأمير الربيعي
 
في خضم التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بما تحمله من تهديدات سياسية وعسكرية صاخبة، وكأنها تستحوذ على المشهد كله. غير أن قراءة أكثر هدوءاً وعمقاً لما يقوله وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت تقودنا إلى نتيجة مختلفة: قد تكون كلمات بيسنت أكثر خطورة من تصريحات ترامب، ليس لأنها أكثر صخباً، وإنما لأنها تصدر عن الرجل الذي يدير واحدة من أقوى أدوات النفوذ الاقتصادي والمالي في العالم.
فترامب يتحدث بلغة السياسة والتهديد والردع، وهي لغة اعتاد العالم سماعها من الرؤساء في أوقات الأزمات. أما وزير الخزانة فيتحدث بلغة أخرى: لغة العقوبات، والتحويلات المالية، والمصارف، والعملات، والتجارة، والنفط، والشحن، والشركات، والأنظمة المالية. وهذه اللغة لا تحتاج إلى طائرات وصواريخ كي تُحدث آثارها؛ يكفي أن تتحول إلى قرارات تنفيذية حتى تجد طريقها إلى الأسواق والمصارف والشركات والدول.
في الثالث عشر من آب الجاري، أعلن وزير الخزانة الأميركي أن الولايات المتحدة تستعد لاتخاذ إجراءات (لم يسبق لها مثيل) في تاريخ العزلة الاقتصادية المفروضة على دولة، قبل أن يرفع سقف التهديد في العشرين من الشهر نفسه، متحدثاً عن (أكبر عزلة اقتصادية منسقة في تاريخ العالم)، ومؤكداً أن واشنطن ستفرض أشد العقوبات في التاريخ على إيران. ولم يقتصر كلامه على إيران، بل وجه رسالة إلى الدول والشركات التي تتعامل معها، محذراً من أن وزارة الخزانة والحكومة الأميركية ستستخدمان كامل قوتهما في ملاحقتها.
وهذا يعني أن المسألة لم تعد مجرد عقوبات أميركية إضافية على دولة خاضعة للعقوبات منذ عقود، بل محاولة لبناء جدار اقتصادي دولي حول إيران، بحيث لا تكون العقوبة موجهة إلى طهران وحدها، وإنما إلى كل من يحاول أن يمدها بخطوط التنفس الاقتصادية.
الحروب الحديثة لم تعد تُحسم دائماً في ميادين القتال. ثمة حروب أخرى تدور في غرف المصارف المركزية، وأسواق العملات، وشبكات التحويل المالي، وموانئ تصدير النفط، وشركات التأمين والنقل البحري.
والولايات المتحدة تمتلك في هذا المجال أدوات استثنائية، ليس فقط بسبب حجم اقتصادها، وإنما بسبب الدور المركزي للدولار في النظام المالي العالمي، وتشابك المصارف والمؤسسات والشركات الدولية مع النظام المالي الأميركي.
ولهذا فإن العقوبات الأميركية لا تعني بالضرورة أن واشنطن تمنع شركة في دولة أخرى من التعامل مع إيران بصورة مباشرة؛ بل تستطيع أن تجعل الشركة أمام خيار صعب: إيران من جهة، والنظام المالي الأميركي من جهة أخرى. وهنا يظهر ما يعرف بالعقوبات الثانوية، وهي الأداة التي تجعل العقوبة تتجاوز حدود الدولة المستهدفة لتطال أطرافاً ثالثة تتعامل معها.
وقد أشار بيسنت صراحة إلى هذا الاتجاه عندما حذر من الدول التي تواصل شراء النفط الإيراني أو تحويل الأموال أو المشاركة في عمليات النقل البحري المرتبطة بالتجارة الإيرانية. إنها، في جوهرها، محاولة لتحويل العقوبات من أداة وطنية أميركية إلى منظومة ضغط دولية.
ليس المقصود هنا التسليم بأن كل ما تقوله واشنطن سيتحقق بالضرورة، ولا أن العقوبات قادرة وحدها على إسقاط نظام سياسي. التاريخ الإيراني نفسه يقدم دليلاً على أن العقوبات الطويلة لم تنهِ النظام، ولم تمنع إيران من تطوير اقتصاد موازٍ، وشبكات تجارية ومالية غير رسمية، وأساليب متعددة للالتفاف على القيود.
فبحسب وزارة الخزانة الأميركية، فإن سياسة (الضغط الأقصى) تستهدف بصورة مباشرة قدرة إيران على تصدير النفط والحصول على العملة الصعبة، في وقت كانت فيه طهران تعاني أصلاً من التضخم وتراجع قيمة العملة وأزمة في الطاقة. كما تحدثت الوزارة عن شبكات مالية وسفن مرتبطة بما تصفه بشبكات الظل التي تستخدمها إيران لتصدير النفط والبتروكيماويات والحصول على العملات الأجنبية. وبالتالي فإن العقوبات الجديدة لا تبدأ من اقتصاد مستقر ثم تحاول إضعافه؛ وإنما تأتي فوق اقتصاد يعاني أصلاً من مشكلات متراكمة. وهذا هو الفارق.
قد تستطيع الدولة تحمل العقوبات سنوات طويلة عندما يكون لديها مجال واسع للمناورة، وشركاء اقتصاديون مستعدون للمخاطرة، ومصادر متعددة للعملة الصعبة، وقدرة على إنتاج السلع الأساسية محلياً. لكن كلما اتسعت دائرة العقوبات الثانوية، أصبح الأمر أكثر تعقيداً. فالشركة الصينية أو الهندية أو التركية أو غيرها قد تكون راغبة في شراء النفط الإيراني، لكنها في الوقت نفسه مرتبطة بالنظام المالي العالمي، وتحتاج إلى المصارف والتأمين والشحن والأسواق الدولية.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع إيران بيع النفط؟ بل: هل تستطيع بيع النفط والحصول على عائداته وتحويلها واستخدامها في التجارة الدولية من دون أن تخسر الشركات والمصارف التي تتعامل معها؟ وهذا سؤال أكثر تعقيداً.
لهذا السبب تحديداً أجد أن التمييز بين لغة ترامبولغة بيسنت مهم جداً. ترامب يستطيع أن يقول إن الولايات المتحدة ستشن (أقسى عملية اقتصادية)أو يهدد بمزيد من التصعيد. لكن بيسنت هو الذي يستطيع تحويل جانب كبير من هذا الكلام إلى لوائح وعقوبات وإجراءات مالية. وهنا تصبح المسافة بين التصريح والتنفيذ أقصر بكثير.فالخزانة الأميركية ليست مؤسسة سياسية هامشية. إنها إحدى أهم أدوات القوة الأميركية في الخارج. وعندما تتخذ قراراً باستهداف بنك أو شركة أو ناقلة أو شبكة مالية، فإن آثار القرار يمكن أن تنتقل بسرعة إلى أطراف عديدة، لأن المؤسسات المالية العالمية تفكر دائماً في المخاطر المرتبطة بالعقوبات الأميركية. ولهذا فإن الكلمة الصادرة عن وزير الخزانة قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من خطاب سياسي كامل.
لكن هل العزلة الاقتصادية ستؤدي حتماً إلى انهيار إيران؟ هنا ينبغي أن نكون أكثر حذراً. من الخطأ تحويل تصريحات بيسنت إلى حقيقة مكتملة، كما أن من الخطأ المقابل اعتبارها مجرد دعاية سياسية.العقوبات الاقتصادية قد تضعف الاقتصاد، وتخفض الإيرادات، وتزيد التضخم، وتضغط على العملة، وتؤثر في الاستثمار والتجارة، لكنها لا تضمن وحدها تغييراً سياسياً. التجربة الإيرانية خلال العقود الماضية أثبتت قدرة النظام على التكيف مع العقوبات، ولو بكلفة اجتماعية واقتصادية عالية. كما أن الدول التي تتعرض لعقوبات شديدة تبحث عادة عن بدائل: التجارة غير المباشرة، العملات المحلية، المقايضة، الشركات الوسيطة، الأساطيل غير التقليدية، والأسواق الإقليمية. لكن هذه البدائل لا تعني أن العقوبات بلا أثر؛ بل تعني أن كلفة استمرارها تتوزع على الدولة والمجتمع معاً. وهنا تكمن المأساة الأكبر.
حين تتحدث الحكومات عن العقوبات، فإنها تتحدث عن النفط والإيرادات والسيادة والأمن القومي. لكن المواطن العادي يرى شيئاً آخر: ارتفاع الأسعار، تراجع قيمة العملة، صعوبة الحصول على الدواء، تقلص فرص العمل، تراجع الاستثمار، وارتفاع كلفة الحياة. ولذلك فإن أي سياسة اقتصادية تستهدف دولة بأكملها تحمل في داخلها سؤالاً أخلاقياً لا يمكن تجاهله: من يدفع ثمن العقوبات؟ إذا كان الهدف الضغط على السلطة السياسية، فإن المواطن هو الذي قد يدفع جزءاً كبيراً من الثمن. وهذه ليست قضية إيرانية فقط. إنها قضية تخص كل المنطقة، لأن الاقتصاد الإيراني ليس معزولاً عن اقتصادات العراق وتركيا ودول الخليج وآسيا، كما أن اضطراب أسواق الطاقة والممرات البحرية ينعكس على العالم كله.
وتزداد خطورة المشهد عندما تقترن العقوبات المالية بالضغط على حركة التجارة والطاقة عبر مضيق هرمز. فالولايات المتحدة أعلنت عن استمرار الحصار البحري والضغط على إيران، فيما أدى اضطراب الملاحة في المضيق إلى التأثير في حركة التجارة والطاقة وأسواق النفط العالمية. وهنا تتداخل ثلاث أدوات في وقت واحد: المال، والنفط، والممرات البحرية. وإذا اجتمعت هذه العناصر، فإن الأزمة لا تبقى إيرانية-أميركية فحسب، بل تتحول إلى أزمة إقليمية ودولية.
فأي اضطراب طويل في تدفق النفط عبر الخليج يمكن أن يرفع أسعار الطاقة، ويزيد التضخم، ويرفع تكاليف النقل والإنتاج، ويضغط على الاقتصادات التي تعتمد على استيراد الطاقة. وبمعنى آخر: محاولة خنق إيران اقتصادياً قد تنتج آثاراً تتجاوز إيران نفسها.
هل يستطيع العالم الإفلات من قبضة الدولار؟ هذه هي المسألة الأوسع التي تطرحها المواجهة الحالية.فكل مرة تستخدم فيها الولايات المتحدة قوتها المالية لمعاقبة دولة أو جهة أو شركة، يتجدد النقاش حول هيمنة الدولار على النظام الاقتصادي العالمي.
وقد تحاول بعض الدول توسيع استخدام عملاتها الوطنية في التجارة، أو بناء شبكات دفع بديلة، أو زيادة التعامل بالذهب، أو تطوير مؤسسات مالية أقل ارتباطاً بالنظام الأميركي. لكن الانتقال من الرغبة السياسية إلى بناء نظام مالي عالمي بديل ليس مهمة سهلة.
فهيمنة الدولار لا تقوم على العملة وحدها، بل على حجم الاقتصاد الأميركي، وعمق الأسواق المالية، والثقة بالمؤسسات، وشبكات التجارة العالمية، ودور الخزانة الأميركية والأسواق الأميركية في تمويل الاقتصاد الدولي.
ولهذا فإن استخدام القوة المالية الأميركية قد يكون سلاحاً شديد الفاعلية، لكنه في الوقت نفسه قد يدفع بعض الدول، على المدى البعيد، إلى البحث عن بدائل تقلل اعتمادها على هذا السلاح.
إيران اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد، أي أمام خيارين. الخيار الأول هو الاستمرار في المواجهة وتحمل كلفة اقتصادية واجتماعية متزايدة، مع الرهان على أن العقوبات لا تستطيع كسر الدولة وأن الزمن سيؤدي إلى تآكل السياسة الأميركية.
والخيار الثاني هو البحث عن تسوية سياسية تخفف الضغط الاقتصادي، وهو خيار يحتاج إلى تنازلات متبادلة، وقد يصطدم بحسابات الأمن القومي الإيراني وبملفات البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي والعلاقات مع الولايات المتحدة. ولا يبدو أي من الخيارين سهلاً.
لكن ما ينبغي أن تدركه طهران هو أن الاقتصاد لا يحتمل إلى ما لا نهاية، وأن قدرة الدولة على تحمل العقوبات ليست هي نفسها قدرة المجتمع على تحمل آثارها.
ولعل العراق من أكثر الدول التي ينبغي أن تتابع هذه التطورات بعناية. فالعراق يعيش في قلب الجغرافيا الإيرانية-الأميركية، ويرتبط اقتصادياً وتجارياً وجغرافياً بالطرفين، كما أن أي اضطراب كبير في المنطقة يمكن أن ينعكس على أمنه واقتصاده وأسواقه وحركة التجارة والطاقة. ولهذا فإن العراق لا يستطيع التعامل مع التصعيد الحالي باعتباره شأناً خارجياً لا يعنيه.
إن ارتفاع أسعار النفط قد يمنح العراق إيرادات إضافية في بعض الظروف، لكنه في المقابل قد يخلق اضطرابات في الأسواق والطاقة والنقل، ويزيد الضغوط الجيوسياسية عليه، ويضع حكومته أمام خيارات صعبة بين علاقاته مع واشنطن وعلاقاته مع طهران. والعراق، الذي دفع ثمناً باهظاً للحروب والعقوبات والحصار والصراعات الإقليمية، ليس بحاجة إلى أزمة جديدة.
إن أخطر ما في تصريحات وزير الخزانة الأميركي ليس العبارة ذاتها، وإنما ما تقف خلفها من قدرة مؤسسية على تحويل الكلام إلى واقع. حين يقول السياسي: سنعاقب، يمكن أن يكون كلامه تهديداً تفاوضياً. أما حين يقول المسؤول المالي: سنعاقب المصارف، والشركات، ومشتري النفط، وشبكات النقل والتحويل، فإن المسألة تدخل منطقة مختلفة تماماً. ومن هنا فإن الإيرانيين، حكومة وشعباً، معنيون بأن يأخذوا تصريحات بيسنت بجدية، لا بمعنى الاستسلام لها، وإنما بمعنى دراسة آثارها الواقعية والاستعداد لها.
وفي المقابل، على واشنطن أن تدرك أن القوة الاقتصادية، مهما بلغت، ليست بديلاً دائماً عن السياسة. فالعقوبات تستطيع أن تضغط، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع السلام. والحصار يستطيع أن يخنق الاقتصاد، لكنه لا يضمن تغيير السلوك السياسي. والقوة المالية تستطيع أن تعاقب الخصم، لكنها إذا تحولت إلى سياسة دائمة فقد تدفع العالم تدريجياً إلى البحث عن طرق لتقليل الاعتماد عليها.
الكلمة الأخيرة
إن العالم يقف أمام مرحلة مختلفة من الصراع الأميركي-الإيراني. لم تعد المعركة محصورة في الصواريخ والطائرات والمواقع العسكرية. لقد انتقلت إلى المصارف، والنفط، والعملات، والموانئ، وشركات النقل، وشبكات التحويل، وحتى إلى قرارات الشركات الخاصة. وهنا تحديداً تبدو تصريحات سكوت بيسنت جديرة بالتوقف أكثر من التصريحات السياسية الصاخبة؛ لأنها تكشف عن اتجاه نحو تسليح النظام المالي العالمي واستخدامه أداة ضغط جيوسياسية. لكن التاريخ يعلمنا أيضاً أن القوة، مهما عظمت، لا تستطيع إلغاء السياسة.
فإذا كان الهدف هو إجبار إيران على تغيير سلوكها، فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه واشنطن ليس فقط: كيف نعاقب إيران؟ بل: ما هو الطريق الذي يمكن أن يؤدي بعد العقوبات إلى تسوية سياسية؟ فالعقوبات من دون أفق سياسي قد تحول الأزمة إلى حصار طويل، والحصار الطويل قد يزيد معاناة الشعوب من دون أن يحل أصل المشكلة.
أما إيران، فعليها أن تدرك أن العالم الذي تتعامل معه قد تغير، وأن الأدوات المالية أصبحت جزءاً من الصراع الدولي مثلها مثل الطائرات والصواريخ.وفي هذه المعركة، قد لا يكون أخطر سلاح هو الذي يطلق من السماء، بل القرار الذي يصدر من مكتب، في واشنطن، ثم تتحرك بموجبه مصارف وشركات وأسواق في قارات عدة. وهنا تكمن خطورة بيسنت: إنه لا يتحدث عن الحرب فقط… بل عن الاقتصاد بوصفه حرباً.

قد يعجبك ايضا