عرّابة السرد النسوي والمسرح الموجه للطفل.. أديبة الأردن أمل زواتي في حوار شامل عن “أنا الأنثى” وجماليات الكتابة

حوار: عطا درغام

تُمثّل الأديبة الأردنية أمل زواتي صوتًا إبداعيًا لافتًا في المشهد الأدبي العربي المعاصر؛ حيث تتشابك في تجربتها طاقات السرد الروائي مع البناء الدرامي المسرحي، مُتجليّة في أعمال احتفت بقضايا المرأة والإنسان وأدب الطفل. وفي هذا الحوار الشامل، نغوص معها في تفاصيل بؤرتها الإبداعية، بَدْءًا من عملها الروائي “أنا الأنثى”، مرورًا بتقنيات السرد والمسرح ومفاهيم الأدب النسوي، وصولًا إلى قراءتها للواقع الثقافي في الأردن.

* تصدرت روايتك “أنا الأنثى” قوائم الأكثر مبيعًا؛ في رأيك، ما هي الشيفرة الخاصة التي لامست وجدان القارئ العربي في هذا العمل تحديدًا؟

– قد يُوحي العنوان من الوهلة الأولى بأنه عملٌ موجه للأنثى فحسب، غير أن الحقيقة تُثبت أن الكتاب لا يُقرأ دائمًا من عنوانه! لقد قدمتُ في “أنا الأنثى” عوالم المرأة بطريقة تُحرّك فضول الرجل نفسه؛ ليدخل تلك المساحات الشغوفة، ويستشف ما الذي تريده الأنثى، وكيف له أن يتوقع موقعه بين الشخصيات الذكورية في العمل، ومن يكون هو كـ “رجل” على الورق وفي الواقع.

* عنوان الرواية يحمل صبغة الهوية والتحدي؛ كيف تشكّلت عوالم البطلة بين ثنائية “الذات” المفروضة عليها و”الأنا” التي تبحث عنها؟

– تشكّلت من خلال طموح الشخصية الرئيسية وهويتها التي لا حيلة لها في اختيار ملامحها: شكلاً، وأهلاً، وزمانًا، ومكانًا. تبحث البطلة في خفايا عواطفها، وترسم عوالم تقاطع الحلم بالواقع للهرب من المعاناة؛ وذلك يسير بخط متوازٍ تمامًا مع حضور الرجل كأب، وأخ، وابن، وحبيب خائن.

اعتمدتِ في الرواية على الغوص في القضايا الاجتماعية؛ كيف وازنتِ بين تمرير الرسالة التوعوية والإنسانية وبين الحفاظ على جمالية وشرط المتعة الروائية؟

اشتملت الرواية على قضايا مفصلية مثل الزواج المبكر، والسلطة الذكورية، وعمل المرأة، وحريتها، إلى جانب الصراع الأزلي الخالد بين الرجل والمرأة. وعلى الرغم من كثافة تلك القضايا، فقد صِيغت بأسلوب “حكواتي” سلس؛ ليتقبل المتلقي القالب الروائي والمغزى الإنساني حتى النهاية؛ حيث يتقاسم الرجل والأنثى الأحداث المحاطة بالرقابة، والحب، والظلم، والنجاح.

* يرى بعض النقاد أن رواية “أنا الأنثى” صرخة في وجه النمطية؛ إلى أي مدى تعمدتِ تفكيك الموروثات الاجتماعية الجاهزة من خلال مصائر شخصياتك؟

 

– الرواية تُجسّد قصصًا حقيقية بأسماء مستعارة لإبعاد أي شبهات. ورغم محاولاتي كرواية حماية “الأنا”، إلا أن معظم الشخصيات تمردت وخرجت عن النص المرسوم؛ حيث تدرجت مصائرها بتصاعد درامي كسر الأنماط التقليدية، وأعاد تشكيل “الأنا” لتصبح مساحة يتناصفها الرجل والمرأة على حد سواء.

*كيف تدرجتِ في بناء التصاعد الدرامي داخل الرواية ليخدم التحول النفسي لـ “الأنثى” عبر فصول العمل؟

-تجاوزتُ النمطية حتى في البناء الهيكلي؛ إذ جرى إلغاء تقسيم الفصول في النسخة المطبوعة رغم أن المخطوطة الأصلية امتدت كتابتها لسنوات مقسمة. جاء هذا التجاهل لتسريع وتيرة مفاجآت الأحداث، وحث القارئ على الاستمتاع بالاستمرارية دون توقف، ليشعر بأنه جزء من المعمار الروائي يتدخل في مصائر الشخصيات ويفاوض الراوية.

*هل اعتمدتِ في رسم ملامح شخصيات الرواية على تقصي الواقع المباشر، أم أن الخيال الروائي حوّر هذه النماذج لتبدو أكثر شمولية؟

-الحديث عن الشخصيات يشبه سيرة ذاتية مختلطة ومُختلقة بين الواقع والمخفي في الذاكرة. حتى تلك Nماذج التي ظننتها افتراضية، تفاجأتُ بأن الأحداث صادقت عليها في الواقع، وكأن الأقدار شاركت في الكتابة؛ حتى إن أحد الأبطال الذين أرهقني دورهم واخترتُ له الموت روائيًا، أُدرك لاحقًا أنه لقي حتفه في الحقيقة.

*اللغة في “أنا الأنثى” تتأرجح بين الشاعرية والواقعية الفجة؛ كيف اخترتِ معجمك اللفظي ليتناسب مع عمق المعاناة المطروحة؟

-جاءت اللغة تابعة لشخصياتها والبيئة التي تحاصرها. تتجلى الشاعرية في مواقف الحب، وترقب الحبيب، ولوعة الفقد؛ بينما تبرز الواقعية الصلبة عند التضاد والرفض وعراك البقاء ومواجهة الواقع.

*يرى كثيرون أن الرواية الأردنية المعاصرة أصبحت شديدة الجرأة؛ أين تضع أمل زواتي حدود الجرأة الفنية في السرد الروائي؟

-طالما تدثرتُ خلف أوراقي تحسبًا من إزالة الستار عما يخفيه عقل الأديب؛ فالموروث والتربية المحافظة قد يحدّان من الإفصاح المباشر. لكنني أرى أن الأديب بحاجة إلى امتلاك الوعي؛ ومجاهدة الذات لتجاوز الممنوع نحو الأدب المطبوع والواعي، دون الابتذال.

*في تقنية تعدد الأصوات (البوليفونية)، كيف تحرصين على ألا يطغى صوت الكاتبة “أمل” على أصوات وحرية شخصياتها الروائية؟

-أحرص على منح الشخصيات استقلاليتها الذاتية الكاملة؛ عبر وضع حدود واضحة بين هويتي ككاتبة وبين صوائت البطل والبطلة والبيئة المحيطة، مما يدع الشخصيات تُعبر عن قناعاتها وأخطائها وتناقضاتها بحرية تامة على الصفحات.

*ما هي الفلسفة الخاصة التي تعتمدين عليها في إدارة “عنصر الزمن” داخل الرواية، وهل تفضلين السرد الخطي أم الفلاش باك ولماذا؟

-بينما يُشكل النمط التصاعدي الخطي صورة واضحة لسير الأحداث، أجد تقنية “الفلاش باك” ضرورة ملحة في كثير من المحطات؛ لارتباط اللحظة الحاضرة بمخزون الذاكرة والماضي، سواء لأسباب نفسية أو لتأكيد واقعية الحدث وتفسير ظروف الشخصية.

*المكان في أعمالك ليس مجرد خلفية للأحداث بل شريك فيها؛ كيف ينعكس المكان الأردني أو العربي على نفسية أبطالك؟

-المكان محرك أساسي؛ فرواية “أنا الأنثى” اعتمدت في زمانها ومكانها منذ البداية على حادثة السيل في محافظة المفرق بشمال شرق الأردن. انعكست تلك الكارثة بآثارها النفسية والمكانية على انتقال الشخصيات المحملة بالحزن والفقد بحثًا عن حياة أفضل.

*بين البداية الصادمة والنهاية المفتوحة، كيف تخططين لهندسة المعمار الروائي قبل البدء الفعلي في صياغة الكلمات؟

-أحيانًا أضع كل اسم مفترض في دوائر هندسية؛ مع تحديد شبكة العلاقات، والسلبيات، والإيجابيات بين الشخصيات كخارطة معمارية. ورغم هذا التخطيط الدقيق، قد يأتي الإلهام ليقلب التخطيطات رأساً على عقب، ويقود النص نحو عوالم مختلفة تمامًا.

*فوز مسرحيتك “الخادمة البديلة” بجائزة البجراوية للإبداع النسائي يثبت تميزك المسرحي؛ ما الذي يتيحه لكِ الركح (المسرح) ولا تستطيع الرواية استيعابه؟

-المسرح كابوس جميل يعيشه الكاتب والمتلقي لحظيًا؛ في المسرح لا تنتظر أحداثًا مؤجلة، كل شيء يتجسد أمامك عبر ممثلين من لحم ودم، يتقاسمون معك المكان، والضوء، والمشاعر، والمواجهة المباشرة التي تفرض عليك التفكير واتخاذ الموقف فورًا.

*نص “الخادمة البديلة” يناقش تهميش فئات معينة؛ كيف استطعتِ تحويل الصمت الاجتماعي إلى حوار درامي حي ومؤثر على لسان الشخصيات؟

-طرحت المسرحية قضية “عمالة الأطفال” عبر شخصية الطفلة “سعاد” التي اضطرتها الظروف للعمل خادمة بديلة لأمها. ورغم التراجيديا العالية، اعتمدتُ على الحس الفكاهي والأغاني الدرامية؛ للتخفيف عن الطفل المتلقي، ومساعدته على استيعاب قيم النص الإنسانية.

*في المسرح، الكلمة تُكتب لتُجسد لا لتقرأ فقط؛ كيف تراعين “الأبعاد الأدائية” وحركة الممثل أثناء صياغة النص المسرحي؟

-أثناء الكتابة المسرحية، أضع نفسي مكان الممثل والمخرج على حد سواء؛ فأحسب المساحة الزمنية والحركية للنص، ونبرة الصوت، والانفعالات اللحظية التي تُترجم الكلمة المكتوبة إلى فعل درامي حي يُبهر الجمهور.

*الصراع هو عماد المسرح؛ ما هي طبيعة الصراع الأساسي (النفسي أم الخارجي) الذي يغذي نصوصك المسرحية ويمنحها حيويتها؟

-يمتزج الصراع النفسي الداخلي للشخصية المقهورة بالصراع الخارجي ضد ظروف المجتمع والفقر؛ وهذا التشابك بين ما تشعر به الشخصية في داخلها وما يُفرض عليها من الخارج هو ما يمنح النص حيويته وطاقته المؤثرة.

*هل ترين أن المسرح العربي اليوم ما زال قادرًا على احتضان النصوص الفلسفية والعميقة، أم أن ذائقة الجمهور فرضت شروطًا أخرى؟

-أعتقد جازمةً أن الجمهور العربي يمتلك ذائقة عالية وقدرة واسعة على التحليل وفهم ما وراء النص. والمسرح العربي يمتلك طاقات وأقلامًا واعدة قادرة على تقديم أعمال فلسفية وعبقرية تُعيد للركح هيبته.

*كمبدعة قدمتِ “أنا الأنثى” و”الخادمة البديلة”، كيف تقيمين مصطلح “الأدب النسوي”؟ هل ترينه إنصافًا لتجربة المرأة أم تأطيرًا يعزلها عن الفضاء الإنساني الشامل؟

-التأطير الذي يعزل المرأة عن الفضاء الإنساني الشامل ليس مقبولاً. غير أن تخصيص مساحة للكاتبة للحديث عن قضايا المرأة قد يكون وسيلة لإيصال صوتها بنبرة أكثر تعبيرًا. بالنسبة لي، الرجل والمرأة حماية متكاملة في الوجود؛ لذا أهديتُ عملي للأنثى ولجميع الرجال على حد سواء.

*تواجه الكاتبة العربية اتهامات جاهزة بالتحيز لبنات جنسها عند الكتابة؛ كيف استطعتِ إنصاف الشخصية الرجل في أعمالك دون الإخلال بقضيتك الأساسية؟

-لم تكن أعمالي هجومية على الرجل، بل قدمته بكل ما له وما عليه. إن الحضور الذكوري يُشكل شريكًا أساسيًا في صناعة الأحداث؛ فالرجل في النص هو الأب، والأخ، والسند، والحبيب، مما يحقق التوازن الإنساني المطلوب.

*ما هي أبرز التحديات التي واجهتكِ لفرض اسمك ورؤيتك الإبداعية في مشهد أدبي يراه البعض محكومًا برؤية ذكورية نقداً وتقييمًا؟

-قدمتُ سابقًا العديد من النصوص بلا اسم؛ لإيماني بأن القيمة تكمن فيما يحويه المخطوط لا في اسم صاحبه. واجهتُ قيودًا وتأجيلًا للأحلام، لكنني صنعتُ من تلك العقبات سلمًا للعبور، حتى تحوّل الرافضون إلى أول المتابعين والناقدين لمنجزي.

*كيف يمكن للأدب النسوي العربي المعاصر أن يتجاوز مرحلة “البكائية والشكوى” إلى مرحلة “الندية وتقديم البدائل الفكرية الغنية”؟

-لقد تجاوزت العديد من الأديبات هذه المرحلة بالفعل نحو تقديم المرأة كعنصر فكري فاعل، يُقيّم التجربة الإنسانية ويطرح بدائل إبداعية ترتقي بالطرفين معًا، ليكون المبدع والمبدعة جنباً إلى جنب في بناء المشهد الثقافي.

*كيف تقرأ أمل زواتي خارطة الرواية الأردنية المعاصرة اليوم، وما هي الميزة التنافسية التي تجعلها حاضرة بقوة عربيًا؟

-تشهد الساحة الأدبية الأردنية حراكًا واسعًا وتنافسية لافتة في المحافل العربية والدولية. وتتمثل ميزتها التنافسية في أصالة الطرح، وعمق معالجة القضايا المحلية والإنسانية، والتزود بأدوات السرد الحديثة.

*يشتكي الكثير من الكتاب من أزمة النقد الأدبي؛ هل واكب النقد في الأردن منجزك الإبداعي بالشكل الذي يستحقه، أم أن هناك فجوة بين المبدع والناقد؟

-لقد وجدتُ أصداء نقدية طيبة زادتني إصرارًا على التطور. لا أرى فجوة حقيقية بين المبدع والناقد؛ فكلاهما يسعى لتقديم عمل يرتقي بذائقة القارئ المثقف، الذي بات يمتلك بدوره أدوات نقدية بفضل اتساع دائرة المعرفة الرقمية.

* تشابك الثقافات والانفتاح الرقمي؛ كيف أثر على هوية الرواية الأردنية، وهل تخلصت من محليتها لتصل إلى الكونية؟

– الانفتاح الرقمي فرض على النص الأدبي التطور والمواكبة. والرواية الأردنية استطاعت الانطلاق من ملامح بيئتها المحلية الخاصة لتعبر نحو القضايا الإنسانية الشاملة التي تمس القارئ في أي مكان.

* كعضو فاعل في الحراك الثقافي، ما هي الشهادة التي تمنحينها للجيل الجديد من الكاتبات الأردنيات اللواتي يخطون خطواتهن الأولى في عالم السرد؟

– أوصي الكاتبات الواعدات بالمغامرة، والابتكار، والتعلم المستمر، واستلهام إرث الجيل الأدبي المخضرم. نحن اليوم نعيش عصر الوصول إلى الكونية “بكبسة زر”، مما يضاعف مسؤوليتهن في ترك بصمة أدبية راسخة تصمد أمام الزمان.

قد يعجبك ايضا