غدير حميدان الزبون
مِنْ أَرْضِ الْبُرْتُقَالِ الْحَزِينِ إِلَى الْبُرْتُقَالِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِي كِتَابِ «حَدَّثَنِي الْبُرْتُقَالُ، فَقَالَ:» لِلْكَاتِبِ الْفِلَسْطِينِيِّ أَحْمَدَ الصَّيْفِيِّ، بِقَلَمِ الْأَدِيبَةِ وَالنَّاقِدَةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ غَدِيرِ حُمَيْدَانَ الزَّبُونِ
وَلَمَّا عَجَزَتِ الْأَرْضُ عَنْ أَنْ تَرْوِيَ كُلَّ مَا حَدَثَ لَهَا أَسْنَدَتْ سِرَّهَا إِلَى ثَمَرَةٍ فَتَكَلَّمَ الْبُرْتُقَالُ فقالَ:
بِاسْمِ اللهِ أَبْدَأُ…وَبِاسْمِ فِلَسْطِينَ أَفْتَحُ لِلْكَلِمَةِ نَافِذَةً، لِأَنَّنِي تَعَلَّمْتُ مِنْ تُرَابِهَا أَنَّ الثَّبَاتَ صَلَاةٌ تُؤَدَّى بِالْجُذُورِ، وَمِنْ زَيْتُونِهَا تَعَلَّمْتُ أَنَّ الْأَشْجَارَ الَّتِي تَعْرِفُ أَصْلَهَا لَا تَخَافُ الرِّيحَ، وَمِنْ ذَاكِرَتِهَا أَدْرَكْتُ أَنَّ الْحِكَايَةَ عِندمَا تُقَالُ بِصِدْقٍ تَتَّسِعُ حَتَّى تُصْبِحَ وَطَنًا، وَحَتَّى يَغْدُوَ لَهَا شَمْسٌ لَا تَغِيبُ.
وَبِاسْمِ الْقُدْسِ أُحَيِّي الْحَرْفَ الَّذِي يَسْكُنُهَا قَبْلَ أَنْ يَسْكُنَ الْحَجَرَ، وَالْمَعْنَى الَّذِي يُضِيءُ فِي رُوحِهَا قَبْلَ أَنْ تُضِيءَ مَنَارَاتُهَا، وَأَجْرَاسُهَا، وَقَنَادِيلُهَا.
وَبِاسْمِ كُلِّ مُبْدِعٍ فِي هَذَا الْوَطَنِ، أُحَيِّي الْكَلِمَةَ وَالصُّورَةَ وَاللَّوْنَ وَاللَّحْنَ، فَهِيَ ذَاكِرَةُ الْحياةِ الَّتِي تُقَاوِمُ النِّسْيَانَ، وَصَوْتُهَا الَّذِي يَقُولُ لِلْعَالَمِ: هُنَا وَطَنٌ مَا زَالَ يَكْتُبُ نَفْسَهُ.
وَبِاسْمِ بَيْتَ لَحْم مَسقطِ رأسِي ومَربعِ طفولتي، الْمَدِينَةِ الَّتِي لَمْ تَكْتَفِ أَنْ تَحْمِلَ الْمِيلَادَ فِي ذَاكِرَتِهَا، فقدْ تَجْعَلُ مِنَ الْمِيلَادِ عَادَةً يَوْمِيَّةً، فَتُنْجِبُ الْجَمَالَ كُلَّ صَبَاحٍ، وَتَفْتَحُ لِلثَّقَافَةِ نَافِذَةً كُلَّمَا أُغْلِقَتْ فِي وَجْهِهَا أَبْوَابٌ.
بَيْتَ لَحْمٍ تَسْتَحِقُّ أَنْ نَقُولَ لَهَا كُلَّ يَوْمٍ شَيْئًا مِنَ الْجَمَالِ؛ لِأَنَّهَا كُلَّمَا أَضَاءَتْ قِنْدِيلًا لِلثَّقَافَةِ أَطْفَأَتْ عَتْمَةً فِي مَكَانٍ مَا مِنَ الْعَالَمِ، وَكُلَّمَا ارْتَفَعَ فِيهَا صَوْتُ شَاعِرٍ، أَوْ لَمَعَتْ رِيشَةُ فَنَّانٍ، أَوْ تَرَدَّدَتْ نَغْمَةُ مُوسِيقِيٍّ اتَّسَعَ الْوَطَنُ فِي الْقُلُوبِ، وَصَارَ أَقْرَبَ إِلَى الْحُضُورِ مِنْ أَيِّ حَدٍّ.
أَيُّهَا الْقَارِئُ الْكَرِيمُ، لَسْتُ أَدْعُوكَ الْيَوْمَ إِلَى قِرَاءَةِ نَصٍّ فَقَطْ، وَلَا إِلَى مُتَابَعَةِ كَلِمَاتٍ تَتَعَاقَبُ عَلَى صَفْحَةٍ، إِنَّمَا أَدْعُوكَ إِلَى رِحْلَةٍ قَصِيرَةٍ فِي مَكَانٍ طَوِيلِ الْحُضُورِ، إِلَى ذَاكِرَةٍ قَدْ تَكُونُ ذَاكِرَتِي، وَلَكِنَّهَا رُبَّمَا تُشْبِهُ ذَاكِرَتَكَ أَيْضًا.
فَكَمْ مِنْ مَكَانٍ مَرَرْنَا بِهِ فَظَنَنَّاهُ حَجَرًا، ثُمَّ اكْتَشَفْنَا بَعْدَ سِنِينَ أَنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ أَسْمَاءَنَا!
وَكَمْ مِنْ وَجْهٍ عَابِرٍ فِي أَيَّامِنَا تَبَيَّنَ لَنَا فِيمَا بَعْدُ أَنَّهُ كَانَ جُزْءًا مِنْ حِكَايَتِنَا!
وَكَمْ مِنْ تَفْصِيلٍ صَغِيرٍ لَمْ نَلْتَفِتْ إِلَيْهِ وَنَحْنُ نَعِيشُهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْنَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ كَأَنَّهُ أَغْلَى مَا تَرَكْنَا الزَّمَنَ يَأْخُذُهُ مِنَّا.
لِذَلِكَ اسْمَحُوا لِي أيُّهَا القُرّاءُ أَنْ أَضَعَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حِكَايَةً قَصِيرَةً…حِكَايَةً لَا أَعِدُكُمْ فِيهَا بِأَحْدَاثٍ كَبِيرَةٍ، فَرُبَّمَا كَانَتْ أَبْسَطُ الْأَشْيَاءِ هِيَ الَّتِي تَحْمِلُ أَعْظَمَ الْمَعَانِي، هي حِكَايَة عَنْ مَكَانٍ، وَذَاكِرَةٍ، وَإِنْسَانٍ، وَعَنْ أَشْيَاءَ صَغِيرَةٍ كُنَّا نَظُنُّهَا تَمُرُّ، فَإِذَا بِهَا تَبْقَى.
فَاقْرَؤُوا مَعِي بِقَلْبِ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ نَفْسِهِ فِي سُطُورِ الْآخَرِينَ، وَاتْرُكُوا لِلذَّاكِرَةِ أَنْ تَفْتَحَ أَبْوَابَهَا…فَرُبَّمَا وَأَنَا أَحْكِي لَكُمْ حِكَايَتِي تَسْتَيْقِظُ فِي دَاخِلِ أَحَدِكُمْ حِكَايَةٌ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ نَسِيَهَا.
تَخَيَّلُوا أَنَّكُمْ تَسِيرُونَ وَحْدَكُمْ فِي شَارِعٍ فِلَسْطِينِيٍّ عِنْدَ هَدْأَةِ اللَّيْلِ، فَإِذَا بِجِدَارٍ قَدِيمٍ يَهْمِسُ لَكُمْ بِحِكَايَةٍ، فَلَا تَفْزَعُوا… وَلَا تَظُنُّوا أَنَّ الْخَيَالَ قَدْ غَلَبَ الْوَاقِعَ.
وَتَخَيَّلُوا أَنَّكُمْ جَلَسْتُمْ تَحْتَ صَحْنِ السَّمَاءِ، فَأَبْطَأَتْ نَجْمَةٌ فِي سَيْرِهَا، وَاقْتَرَبَتْ لِتَرْوِيَ لَكُمْ سِرًّا مِنْ أَسْرَارِ الْأَرْضِ، فَلَا تَتَعَجَّبُوا… فَفِي فِلَسْطِينَ حَتَّى النُّجُومُ تَعْرِفُ أَسْمَاءَ الْقُرَى.
وَإِذَا مَرَرْتُمْ بِقِنْدِيلٍ يَتَدَلَّى عَلَى بَابِ بَيْتٍ عَتِيقٍ، فَسَمِعْتُمُوهُ يُضِيءُ أَكْثَرَ مِمَّا يُنِيرُ، وَيَقُصُّ عَلَيْكُمْ سِيرَةَ مَنْ مَرُّوا مِنْ هُنَا، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْ تَفْسِيرٍ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي فِلَسْطِينَ الْأَشْيَاءَ تَعِيشُ مَعَنَا، وَتَحْفَظُنَا، وَتَرْوِي حِكَايَتَنَا، وَتَخَافُ عَلَيْنَا مِنَ النِّسْيَانِ.
وَإِذَا وَقَفْتُمْ يَوْمًا فِي بُسْتَانٍ، وَأَحْسَسْتُمْ أَنَّ بُرْتُقَالَةً تُنَادِيكُمْ، وَتَطْلُبُ مِنْكُمْ أَنْ تُنْصِتُوا إِلَيْهَا، فَلَا تَقُولُوا: لَقَدْ أَوْهَمَتْنَا الْقِرَاءَةُ، وَلَا تَقُولُوا: لَقَدْ جَنَحَ بِنَا الْخَيَالُ، فَأَنْتُمْ سَتَكُونُونَ قَدْ دَخَلْتُمْ فَضَاءَ الْأَدَبِ، إِذْ تَسْتَعِيدُ الْأَشْيَاءُ أَصْوَاتَهَا، وَتُصْبِحُ الذَّاكِرَةُ لُغَةً، وَيَغْدُو الصَّمْتُ كَلَامًا.
نَحْنُ الْيَوْمَ مَدْعُوُّونَ إِلَى أَنْ نُصْغِيَ إِلَى بُرْتُقَالَةٍ اخْتَارَتْ أَنْ تَكُونَ رَاوِيًا، وَإِلَى ذَاكِرَةٍ اخْتَارَتْ أَنْ تَتَجَسَّدَ فِي ثَمَرَةٍ، وَإِلَى وَطَنٍ قَرَّرَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلُغَةِ الْعِطْرِ وَاللَّوْنِ وَالْحَنِينِ.
وَلَيْسَ مِنَ السَّهْلِ أَنْ أَقِفَ الْيَوْمَ أَمَامَ كِتَابٍ يَحْمِلُ عُنْوَانًا يَبْدُو لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى بَسِيطًا: «حَدَّثَنِي الْبُرْتُقَالُ، فَقَالَ»؛ لِأَنَّ الْعَنَاوِينَ الْعَظِيمَةَ هِيَ تِلْكَ الَّتِي تُرْبِكُ يَقِينَنَا قَبْلَ أَنْ نَفْتَحَ الصَّفْحَةَ الْأُولَى.
وَهَذَا الْعُنْوَانُ وَاحِدٌ مِنْ تِلْكَ الْعَنَاوِينِ الَّتِي تُقَدِّمُ نَفْسَهَا سُؤَالًا وُجُودِيًّا يَخْتَبِرُ عَلَاقَتَنَا بِالْأَشْيَاءِ، وَبِاللُّغَةِ، وَبِالْوَطَنِ.
فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلْبُرْتُقَالِ أَنْ يَتَحَدَّثَ؟
سَأُجِيبُكُمْ بِوَقْفَةٍ تَأَمُّلِيَّةٍ تُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِنْسَانِ الْعَادِيِّ وَالْمُبْدِعِ.
اعْلَمُوا أَيُّهَا الْأَصْدِقَاءُ أَنَّ الْمُبْدِعَ لَا يَعْبُرُ الْأَشْيَاءَ كَمَا يَعْبُرُهَا النَّاسُ، فَهِيَ تَعْبُرُ إِلَيْهِ بِمَعَانٍ لَا يَرَاهَا سِوَاهُ، هِيَ جَوْهَرُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَصَرِ وَالْبَصِيرَةِ.
فَالْإِنْسَانُ الْعَادِيُّ يَمُرُّ كُلَّ يَوْمٍ بِجَبَلٍ يَتَوَسَّطُ قَرْيَتَهُ، فَلَا يَرَى فِيهِ إِلَّا كُتْلَةً مِنْ صَخْرٍ وَتُرَابٍ، أَمَّا الْمُبْدِعُ فَيَرَى رَجُلًا وَاقِفًا عَلَى حِرَاسَةِ الزَّمَنِ، يَرْفَعُ هَامَتَهُ فِي وَجْهِ الرِّيَاحِ، وَيُعَلِّمُ الْأَرْضَ كَيْفَ يَكُونُ الثَّبَاتُ.
وَيُمْكِنُ الْقِيَاسُ عَلَى ذَلِكَ بِأَمْثِلَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ تَزِيدُ الْفِكْرَةَ رُسُوخًا:
فَالْعَادِيُّ يَرَى شَجَرَةً… وَالْمُبْدِعُ يَرَى أُمًّا تَبْسُطُ أَغْصَانَهَا لِتُظَلِّلَ الْمَارَّةَ بِحَنَانِهَا.
وَالْعَادِيُّ يَسْمَعُ الْمَطَرَ… وَالْمُبْدِعُ يَسْمَعُهُ رَسَائِلَ السَّمَاءِ وَهِيَ تَعْتَذِرُ لِلْأَرْضِ عَنْ طُولِ الْغِيَابِ.
وَالْعَادِيُّ يَرَى نَافِذَةً… وَالْمُبْدِعُ يَرَاهَا عَيْنًا يَتَنَفَّسُ مِنْهَا الْبَيْتُ ضَوْءًا وَأَمَلًا.
وَالْعَادِيُّ يَرَى نَهْرًا… وَالْمُبْدِعُ يَرَاهُ قَصِيدَةً تَمْشِي عَلَى قَدَمَيِ الْمَاءِ.
وَالْعَادِيُّ يَرَى غُرُوبًا… وَالْمُبْدِعُ يَرَاهُ الشَّمْسَ وَهِيَ تَخْلَعُ تَاجَهَا الذَّهَبِيَّ لِتُفْسِحَ الْمَجَالَ لِنُجُومِ اللَّيْلِ.
وَالْعَادِيُّ يَرَى بُرْتُقَالَةً… وَالْمُبْدِعُ يَرَى شَمْسًا صَغِيرَةً اخْتَزَلَتْ دِفْءَ الْوَطَنِ وَعِطْرَ الذَّاكِرَةِ فِي قِشْرَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَالْعَادِيُّ يَرَى الْقُدْسَ مَدِينَةً… وَالْمُبْدِعُ يَرَاهَا قَصِيدَةً مِنْ حَجَرٍ، وَمِئْذَنَةً تَكْتُبُ الدُّعَاءَ، وَجَرَسًا يُوقِظُ التَّارِيخَ مِنْ سُبَاتِهِ.
وَالْعَادِيُّ يَرَى الْبَابَ الْقَدِيمَ… وَالْمُبْدِعُ يَرَاهُ شَيْخًا يُخَبِّئُ خَلْفَ تَجَاعِيدِهِ أَلْفَ حِكَايَةٍ وَأَلْفَ عَائِدٍ لَمْ يَنْسَ الطَّرِيقَ.
وَلِهَذَا قِيلَ: إِنَّ الْمُبْدِعَ لَا يَصِفُ الْعَالَمَ كَمَا يَرَاهُ النَّاسُ، إِنَّمَا يُعِيدُ خَلْقَهُ بِالْكَلِمَةِ حَتَّى تُصْبِحَ الْأَشْيَاءُ أَكْثَرَ صِدْقًا فِي الْخَيَالِ مِنْهَا فِي الْوَاقِعِ.
وَأَنَا الْآنَ أَعْتَرِفُ لَكُمْ أَنَّنِي وَمُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى الَّتِي أَمْسَكْتُ فِيهَا الْكِتَابَ شَعَرْتُ أَنَّنِي أَمَامَ مَشْرُوعٍ جَمَالِيٍّ يَسْعَى إِلَى إِعَادَةِ تَعْرِيفِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْمَكَانِ، فَالْكَاتِبُ يَجْعَلُ الْوَطَنَ يَتَحَدَّثُ إِلَى الْإِنْسَانِ، وَهَذِهِ رُؤْيَةٌ فِكْرِيَّةٌ عَمِيقَةٌ تَنْقُلُنَا مِنْ تَمْثِيلِ الْمَكَانِ إِلَى الْإِصْغَاءِ إِلَيْهِ، وَمِنْ وَصْفِهِ إِلَى مُحَاوَرَتِهِ.
وَهُنَا يَبْدَأُ النَّصُّ فِي كَسْرِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ صُنِعَ بِيَدِ مُبْدِعٍ لَا بِيَدِ إِنْسَانٍ عَادِيٍّ، فَمُنْذُ قُرُونٍ اعْتَادَتِ الْكِتَابَةُ الْعَرَبِيَّةُ أَنْ تَمْنَحَ الْإِنْسَانَ سُلْطَةَ الْكَلَامِ، وَتَجْعَلَ الطَّبِيعَةَ إِطَارًا صَامِتًا لِلْأَحْدَاثِ.
أَمَّا الصَّيْفِيُّ، فَيَقْلِبُ هَذِهِ الْمُعَادَلَةَ، إِنَّهُ يَنْقُلُ مَرْكَزَ الْخِطَابِ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَى الْأَرْضِ، وَمِنَ الذَّاتِ إِلَى الرَّمْزِ، وَمِنَ الرَّاوِي إِلَى الشَّاهِدِ، فَالْكَاتِبُ يَقُولُ لَنَا: لَقَدْ تَكَلَّمَ الْجَمِيعُ بِاسْمِ فِلَسْطِينَ: السِّيَاسِيُّ، وَالْمُؤَرِّخُ، وَالْخَطِيبُ، وَالشَّاعِرُ… أَمَا آنَ لِلْبُرْتُقَالِ أَنْ يَرْوِيَ حِكَايَتَهُ؟
هَذَا السُّؤَالُ هُوَ فِي تَقْدِيرِي الْمِفْتَاحُ الْحَقِيقِيُّ لِقِرَاءَةِ الْكِتَابِ.
وَيَطْرُقُ جُدْرَانَ ذَاكِرَتِي هُنَا نَصٌّ مِنْ كِتَابِهِ بِعُنْوَانِ: «أَحْلَامٌ خَضْرَاءُ»، وَفِيهِ يَقُولُ: «فِي الذَّاكِرَةِ ضِيَاءٌ لَا يَفْنَى أَوْ يَبِيدُ، وَلَوْ كَانَ الْجَسَدُ عَنِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ مُهَجَّرًا وَبَعِيدًا.. لِكُلِّ وَقْتٍ سَنَابِلُ، وَلِكُلِّ دَرْبٍ قَوَافِلُ.. شَجَرُ الْحُبِّ يَنْمُو فِي الْأَكُفِّ، فِي أَحْشَاءِ السُّهُولِ، وَالرَّبِيعُ لَا يَجِفُّ فِي ذَاكِرَةِ الْحُقُولِ.. تَارِيخٌ وَبُلْدَانٌ، وَفِينَا أَحْلَامٌ خَضْرَاءُ تَسْكُنُ الشِّرْيَانَ».
أَيُّهَا الْحُضُورُ، أَتُصْغُونَ؟ إِنَّ الْمَسَاءَ يَحْمِلُ قِصَّةً… تُفِيضُ عَلَى الْأَرْوَاحِ سِحْرًا مُعَطَّرًا.
تَعَالَوْا نُفَتِّشْ فِي الْمَسَاءِ حِكَايَةً… تُعِيدُ إِلَيْنَا الْعُمْرَ غُصْنًا مُزَهِّرًا.
أَتَدْرُونَ كَمْ أَخْفَى الزَّمَانُ حَنِينَنَا؟ … وَكَمْ أَوْرَثَتْنَا الذِّكْرَيَاتُ تَحَيُّرًا؟
أَتُرَى إِذَا نَادَيْتُ يَافَا مَرَّةً… سَيُزْهِرُ فِي أَكُفِّنَا الْبُرْتُقَالُ مُبَكِّرًا؟
وَإِنْ قُلْتُ: مَنْ يُحْيِي الْحِكَايَةَ بَعْدَمَا… تَوَارَتْ؟ أَجَابَ الْبُرْتُقَالُ مُفَسِّرًا:
يُحْيِيهَا كِتَابُ «حَدِّثْنِي الْبُرْتُقَالُ، فَقَالَ».
إِذَا كَانَتِ الْقِرَاءَةُ النَّقْدِيَّةُ تَبْدَأُ عَادَةً مِنَ الْمَتْنِ، فَإِنَّ هَذَا الْكِتَابَ يَفْرِضُ عَلَيْنَا أَنْ نَبْدَأَ مِنَ الْعَتَبَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْعُنْوَانَ هُوَ النَّصُّ الْأَوَّلُ فِي الْكِتَابِ، وَأَوَّلُ عَقْدٍ تَأْوِيلِيٍّ يَعْقِدُهُ الْكَاتِبُ مَعَ قَارِئِهِ.