الثراء المعرفي.. استراتيجية وطنية لنهضة الأخلاق والإبداع يونس عبد الله الجامع

 

(المقال السابع(

مؤشرات قياس وطنية

كيف نعرف أننا نتقدم؟ ومتى نتفوق على الأمم؟

يقول الله تعالى: *«وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ»* (التوبة:105). والعمل بدون قياس لا يُعرف نجاحه من فشله. كثير من الخطط الوطنية تبقى شعارات لأنها لم تضع مؤشرات واضحة، ولم تحاسب نفسها كل عام.

الاستراتيجية الوطنية للثراء المعرفي لا بد أن تصطحب نظام قياسٍ متكاملٍ، يجيب عن سؤالين: هل نحن نتقدم؟ وبم نقارن أنفسنا؟ وسنقترح سبعة مؤشرات، مصدرها: استبيانات، اختبارات وطنية، وقواعد بيانات موحدة.

أولاً: مؤشر القراءة الوطني

ما يقاس: متوسط عدد الكتب التي يقرؤها الفرد سنوياً (ورقية أو رقمية باستثناء الكتب المدرسية.

طريقة القياس: مسح وطني سنوي لعينة عشوائية 10 آلاف فرد، بالتعاون مع هيئة الإحصاء.

الهدف: من أقل من كتابين حالياً إلى 20 كتاباً سنوياً بعد 10 سنوات.

ثانياً: مؤشر الذوق والحوار

ما يقاس: نسبة الطلاب الذين يستطيعون:

إدارة حوار هادئ حول موضوع خلافي.

كتابة رسالة اعتذار أو شكر بشكل لائق.

التمييز بين أسلوب راقٍ وآخر مبتذل في فيديو أو نص.

طريقة القياس: اختبار عملي سنوي لعينة من الطلاب في الصفوف السادس والتاسع والثاني عشر.

الهدف: من 30% حالياً إلى 85% بعد 8 سنوات.

ثالثاً: مؤشر الإبداع المدرسي

ما يقاس: نسبة المدارس التي:

تنفذ مسرحية كاملة واحدة على الأقل سنوياً.

لديها معرض فني سنوي.

تنتج جريدة أو مجلة مدرسية أو مدونة رقمية.

طريقة القياس: تقرير سنوي ترفعه كل مدرسة إلى المنطقة التعليمية، مع أدلة (صور، فيديوهات).

الهدف: من أقل من 20% حالياً إلى 90% بعد 6 سنوات.

رابعاً: مؤشر جودة المعلم

ما يقاس: نسبة المعلمين الذين:

أكملوا التدريب الصيفي السنوي وحصلوا على شهادة كفاية.

حصلوا على تقييم “جيد جداً” فأعلى من الطلاب وأولياء الأمور.

طريقة القياس: قاعدة بيانات مركزية للمعلمين.

الهدف: من 40% حالياً إلى 80% بعد 5 سنوات.

خامساً: مؤشر الأسرة المثقفة

ما يقاس: نسبة الأسر التي:

لديها مكتبة منزلية تحتوي على 30 كتاباً على الأقل من قائمة معتمدة.

تلتزم بساعة حوار أسبوعية خالية من الشاشات (إقرار ذاتي مع تحقق عشوائي).

طريقة القياس: استبيان سنوي للأسر عبر منصة المدرسة الإلكترونية.

الهدف: من أقل من 10% حالياً إلى 60% بعد 8 سنوات.

سادساً: مؤشر الإنتاج الفكري الوطني

 

ما يقاس: عدد الكتب المؤلَّفة سنوياً، الأبحاث المنشورة في مجلات محكمة، المشاريع الإبداعية المسجلة في المجلس الوطني للإبداع الفكري.

طريقة القياس: قاعدة بيانات المجلس الوطني، بالتعاون مع دور النشر والجامعات.

الهدف: زيادة بنسبة 20% كل عام لمدة 10 سنوات.

سابعاً: مؤشر التنافسية مع الدول الاسكندنافية

ما يقاس: نتائج طلابنا في اختبار دولي مثل PISA لكن معدلاً ليشمل القراءة والعلوم والرياضيات، بالإضافة إلى بند مستحدث عن الذوق والإبداع (نقترح تطويره بالتعاون مع خبراء دوليين).

طريقة القياس: تطبيق الاختبار على عينة ممثلة كل 3 سنوات.

الهدف: الدخول في العشر الأوائل عالمياً بعد 12 سنة، والتفوق على الدول الاسكندنافية في بند الذوق والإبداع بعد 15 سنة.

آلية العمل: تقرير وطني سنوي ورادع

نقترح أن تنشأ وحدة قياس وطنية مستقلة (تتبع مجلس الوزراء أو الديوان الملكي)، تصدر كل عام في شهر يناير:

– “التقرير الوطني للثراء المعرفي” : 50 صفحة، بالأرقام والرسوم البيانية.

يوزع على وسائل الإعلام، ويُنشر على منصة مفتوحة، ويناقش في البرلمان أو المجلس البلدي.

الجهات التي تحقق تقدماً تُكافأ بميزانيات إضافية، والتي تتراجع تُطلب منها خطة تصحيحية خلال 6أشهر، فإن لم تتحسن يُتخذ إجراء إداري بحق المسؤولين.

الخلاصة النهائية للسلسلة

هذه سبعة مؤشرات واضحة، قابلة للقياس، ذات أهداف زمنية. بدونها، تبقى الاستراتيجية أمنيات. بها، نستطيع أن نقول كل عام: هذا ما تحقق، وهذا ما فشلنا فيه، وإليك خطة العام القادم.

نحن قادرون بإذن الله على بناء أجيال لا تقل عن الاسكندنافية بل تتفوق، لأن ديننا دين الإحسان والجمال، ولأن تاريخنا حافل بالعلم والذوق الرفيع. والميدان ينتظر الفاعلين.

ختاماً: هذه السلسلة دعوة مفتوحة لكل أب وأم، معلم ومعلمة، مفكر وفنان، مسؤول ومهتم. استراتيجيتنا الوطنية لا تكتب في قصور الوزارات فقط، بل تكتب بخبراتنا جميعاً.

والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

نهاية السلسلة

 

قد يعجبك ايضا