العدوان الإيراني على كوردستان.. رسالة لا يمكن تجاهلها

د. نبيل فزيع

في اعتداء جديد يفتح الباب أمام تصعيد خطير في المنطقة، هو تعرض إقليم كوردستان العراق، فجر يوم الاثنين، لهجوم بطائرات مسيّرة استهدف مكتب رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، إلى جانب منزل رئيس وكالة الأمن والاستخبارات «باراستن» في محافظة أربيل.

وبحسب جهاز مكافحة الإرهاب في إقليم كوردستان، فقد استُخدمت طائرتان مسيّرتان محملتان بالمتفجرات، أُطلقتا من جهة الحدود الإيرانية، واستهدفتا موقعين حساسين في محيط أربيل. ولم تُسجل، وفق التقارير الأولية، خسائر بشرية جراء الهجوم.

ورغم غياب الخسائر البشرية، فإن خطورة هذا الاعتداء لا تُقاس بعدد الضحايا فقط، وإنما بطبيعة الأهداف التي جرى اختيارها وبالرسالة السياسية والأمنية التي يحملها.

فاستهداف مكتب رئيس حكومة إقليم كوردستان ومنزل مسؤول أمني رفيع ليس حادثاً عابراً، بل يمثل مساساً مباشراً بأمن الإقليم ومؤسساته وسيادته وحق شعبه في العيش بعيداً عن منطق الصواريخ والمسيّرات وتصفية الحسابات الإقليمية.

بارزاني: تصعيد خطير وتهديد مباشر

رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني أدان الهجوم بأشد العبارات، مؤكداً أن التحقيقات التي أجرتها وحدة مكافحة الإرهاب في الإقليم أظهرت أن مكتبه الشخصي ومنزل رئيس وكالة الأمن والاستخبارات «باراستن» تعرضا لهجمات بطائرات مسيّرة إيرانية.

ووصف بارزاني الاعتداء بأنه «تصعيد خطير وتهديد مباشر لأمن واستقرار إقليم كوردستان»، مؤكداً في الوقت نفسه أن هذه الهجمات لن تثني حكومة الإقليم عن مواصلة أداء واجباتها وحماية المواطنين.

وهنا تبرز أهمية الموقف الكوردي الرسمي؛ إذ إن الرد لم يأتِ من موقع الانفعال، وإنما حمل رسالة واضحة مفادها أن استهداف المؤسسات القيادية والأمنية لن يفرض على الإقليم التراجع عن مسؤولياته، ولن يحوّل كوردستان إلى ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل العسكرية بين القوى الإقليمية.

اعتداء على الاستقرار قبل أن يكون اعتداءً على مبنى

إن أخطر ما في الهجوم الإيراني ليس الأضرار المادية التي قد تنجم عن سقوط مسيّرة هنا أو هناك، وإنما محاولة فرض واقع جديد يقوم على انتهاك أمن إقليم كوردستان متى شاءت أي قوة إقليمية توجيه رسالة سياسية أو عسكرية.

فأربيل ليست ساحة حرب، وشعب كوردستان ليس طرفاً في صراعات الآخرين. والإقليم، بما يمثله من مؤسسات منتخبة وحكومة وأجهزة أمنية، يمتلك حقاً أصيلاً في حماية أراضيه ومواطنيه ومؤسساته، كما أن احترام سيادة العراق وأمن أراضيه يجب أن يكون قاعدة لا استثناء.

ومن هذا المنطلق، فإن الاعتداء يستوجب إدانة واضحة لا لبس فيها، لأن التساهل مع الهجمات العابرة للحدود لا يؤدي إلا إلى تشجيع تكرارها وتوسيع نطاقها.

طهران أمام مسؤولية سياسية وأمنية

إن إطلاق طائرات مسيّرة من الأراضي الإيرانية باتجاه مواقع داخل إقليم كوردستان، وفق ما أعلنته الجهات الأمنية الكوردية وما نقلته تقارير دولية، يضع السلطات الإيرانية أمام مسؤولية مباشرة عن تداعيات هذا التصعيد.

ولا يمكن أن تكون لغة القوة بديلاً عن الحوار، ولا يمكن أن يصبح انتهاك الأراضي العراقية وسيلة لمعالجة الخلافات الأمنية أو السياسية. وإذا كانت هناك مخاوف أو اعتراضات لدى طهران، فإن الطريق الطبيعي لمعالجتها هو القنوات السياسية والدبلوماسية، وليس إرسال الطائرات المسيّرة فوق المدن والمناطق السكنية.

إن احترام الجوار لا يُقاس بالتصريحات، بل بالسلوك. وأمن إقليم كوردستان جزء لا يتجزأ من أمن العراق والمنطقة، وأي محاولة لزعزعته لن تؤدي إلا إلى زيادة التوتر وتعقيد المشهد الإقليمي.

كوردستان لن تُرهبها المسيّرات

يحمل موقف مسرور بارزاني بعداً مهماً في مواجهة هذا التصعيد؛ فالتأكيد على مواصلة أداء الواجب وحماية المواطنين يعني أن الاعتداء، بدلاً من تحقيق أهدافه، قد يتحول إلى عامل إضافي لتعزيز التماسك الداخلي والتمسك بالأمن والاستقرار.

لقد أثبتت كوردستان خلال السنوات الماضية أنها قادرة على مواجهة أزمات أمنية معقدة، وأن مؤسساتها لن تتخلى عن مسؤولياتها تحت ضغط التهديدات.

واليوم، فإن الرد الأقوى على المسيّرات ليس الانجرار إلى مزيد من الفوضى، وإنما حماية المواطنين، وتعزيز المؤسسات، والتمسك بالقانون، ورفع الصوت عالياً أمام المجتمع الدولي.

موقف دولي مطلوب

إن الاعتداء على إقليم كوردستان يستحق موقفاً دولياً واضحاً، ليس فقط دفاعاً عن أربيل، وإنما دفاعاً عن مبدأ أساسي في العلاقات الدولية: لا يجوز أن تتحول الحدود إلى خطوط وهمية عندما يتعلق الأمر باستخدام القوة.

والمطلوب من الحكومة العراقية أيضاً أن تتعامل مع الحادث باعتباره مساساً بسيادة العراق وأمن أراضيه، وأن تعمل على منع تكرار مثل هذه الهجمات، لأن ترك الإقليم مكشوفاً أمام الاعتداءات الخارجية يعني عملياً السماح بتحويل الأراضي العراقية إلى ساحة صراع إقليمي مفتوحة.

كما أن المجتمع الدولي مطالب بعدم التعامل مع هذه الهجمات باعتبارها مجرد حادث أمني عابر، خصوصاً أن استهداف منشآت مرتبطة بقيادة الإقليم وأجهزته الأمنية يمثل تطوراً نوعياً في مستوى التصعيد.

إن الهجوم بالطائرات المسيّرة على مكتب رئيس حكومة إقليم كوردستان ومنزل رئيس وكالة «باراستن» هو اعتداء مرفوض ومدان بكل المعايير، ويشكل، وفق المعطيات المعلنة، تصعيداً خطيراً يستهدف أمن أربيل واستقرارها.

وإذا كانت الرسالة التي أرادت طهران إيصالها هي الضغط والترهيب، فإن الرد الذي يجب أن يصدر من كوردستان والعراق والمجتمع الدولي هو العكس تماماً: الأمن لا يُبنى بالخوف، والسيادة لا تُحفظ بالصمت، والاستقرار لا يمكن أن يكون رهينة للمسيّرات العابرة للحدود.

لقد قال مسرور بارزاني بوضوح إن هذه الهجمات لن تثني حكومة الإقليم عن حماية مواطنيها. وهذه الرسالة ينبغي أن تكون واضحة أيضاً لكل من يراهن على أن الاعتداءات يمكن أن تكسر إرادة كوردستان: أربيل ستبقى متمسكة بأمنها واستقرارها، وأي تصعيد ضدها يجب أن يواجه بالإدانة والمساءلة والوسائل السياسية والقانونية المشروعة، لا بالصمت أو التجاهل.

قد يعجبك ايضا