لماذا يستهدف إقليم كوردستان؟!

بقلم: عكيد آغا

عندما يصبح الحياد سببًا للاستهداف

هناك سؤال لم يعد من الممكن تأجيله: إذا كان إقليم كوردستان قد اختار الحياد في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، فلماذا استمر استهدافه بالصواريخ والمسيّرات والمنشآت الحيوية والبيشمركة والمدنيين؟ وماذا تريد إيران من كوردستان تحديدًا؟

منذ اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير 2026، أعلن إقليم كوردستان بوضوح أنه ليس طرفًا في الصراع، وأنه لن يسمح باستخدام أراضيه مصدرًا لتهديد أي دولة مجاورة، كما دعا إلى الحوار والحلول السياسية بدل المواجهة العسكرية. وفي الثالث من تموز/يوليو، جدد رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني في طهران نفسها موقف الإقليم القائم على رفض تحويل كوردستان إلى مصدر تهديد لجيرانها ودعم الحوار. لكن ماذا كانت النتيجة؟ بدل أن يُكافأ هذا الموقف بالاحترام، تعرض الإقليم لموجة غير مسبوقة من الهجمات.

وبحسب البيانات الرسمية لحكومة إقليم كوردستان، تعرضت أراضي الإقليم بين 28 شباط و20 نيسان وحدهما إلى 809 هجمات بالصواريخ والمسيّرات؛ منها 477 هجومًا في أربيل، و235 في السليمانية وحلبجة، و68 في سوران، و29 في دهوك. وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل 20 شخصًا وإصابة 123 آخرين، فضلًا عن أضرار واسعة طالت المنازل والممتلكات والمنشآت الاقتصادية.

والأخطر أن الاستهداف لم يقتصر على مواقع عسكرية. لقد طال البيشمركة، والأمن، والمنشآت الحكومية، والبنى التحتية، والمناطق السكنية، ومخيمات اللاجئين والمعارضين الإيرانيين. وفي 24 آذار/مارس، أدى هجوم على موقع للبيشمركة إلى استشهاد ستة من عناصر البيشمركة وإصابة ما لا يقل عن ثلاثين آخرين، وفق تقرير المفتش العام لعملية العزم الصلب المقدم إلى الكونغرس الأميركي. كما استهدفت مسيّرات في أواخر آذار مواقع مرتبطة بالرئيس نيجيرفان بارزاني والرئيس السابق مسعود بارزاني. بل إن الهجمات استمرت حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار.

فبينما تراجعت الهجمات على بعض المواقع الأميركية، استمرت الضربات ضد مواقع المعارضة الكوردية الإيرانية داخل الإقليم. وأحصيت أن أكثر من 750 هجومًا خلال الفترة من 28 شباط إلى 28 أيار، وأشارت إلى أن القوات الإيرانية والميليشيات العراقية المرتبطة بها نفذت الجزء الأكبر منها. وهنا يبرز السؤال الحقيقي:

إذا كانت المشكلة هي وجود المعارضة الإيرانية داخل إقليم كوردستان، فلماذا لا تكتفي طهران بالضغط السياسي والدبلوماسي؟ ولماذا تُستخدم الصواريخ والمسيّرات ضد مناطق يعيش فيها مدنيون وعائلات وأطفال؟ بل إن التجربة السابقة تكشف أن ذريعة «استهداف قواعد إسرائيلية» أو «مواقع تجسس» لم تكن دائمًا مقنعة أمام التحقيقات العراقية.

ففي 15 كانون الثاني/يناير 2024، أطلقت إيران صواريخ باليستية على منزل رجل الأعمال الكوردي بيشرو/بيشرو دزيي في أربيل، وأعلنت أن هدفها كان «مقرًا للموساد». لكن لجنة برلمانية عراقية للتحقيق في الهجوم قالت إنه كان منزلًا سكنيًا وليس قاعدة للموساد. وأسفر الهجوم عن مقتل بيشرو دزيي وابنته الرضيعة وعدد من المدنيين وإصابة آخرين.

وقبل ذلك، في 13 آذار/مارس 2022، أطلق الحرس الثوري الإيراني 12 صاروخًا باليستيًا على منزل رجل الأعمال الشيخ باز كريم البرزنجي في أربيل، مدعيًا استهداف مواقع إسرائيلية. وقد تناولت تقارير دولية الهجوم وربطته أيضًا بالخلافات حول مشاريع الطاقة في الإقليم، وليس فقط بالرواية التي قدمتها طهران.

إذن، القضية أعمق من مجرد «قواعد أمريكية». كوردستان لم تختر الحرب فلماذا تُدفع إليها؟ إن كان وجود القوات أو المصالح الأميركية هو المشكلة، فهذه مشكلة بين واشنطن وطهران. وإن كانت المعارضة الكوردية الإيرانية هي المشكلة، فهذه قضية أمنية وسياسية بين إيران وهذه القوى. أما أن يصبح إقليم كوردستان كله ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، فهذا أمر آخر تمامًا.

كوردستان لم تعلن الحرب على إيران. ولم تطلق صاروخًا على مدينة إيرانية. ولم تعلن أنها تريد إسقاط النظام الإيراني. بل على العكس، ظل خطابها الرسمي يؤكد أنها تريد أن تكون جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة، وأن تبقى بعيدة عن الصراعات الإقليمية. وقد أكد مسعود بارزاني في آذار/مارس 2026 أهمية إبقاء العراق وإقليم كوردستان بعيدين عن الصراع وضمان استقرارهما. بل إن قيادة الإقليم لم تكتفِ بالحياد، وإنما تحركت سياسيًا ودبلوماسيًا للمساعدة في تخفيف التصعيد.

فإذا كان هذا هو الموقف الكوردي، فما الذي تريده طهران من كوردستان؟ ربما لأن المشكلة ليست في الحياد بل في استقلال القرار قد يكون جزء من الإجابة أن إيران لا تنظر إلى كوردستان باعتبارها مجرد جغرافيا محايدة، بل باعتبارها منطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة: حدود طويلة معها، علاقات دولية واسعة، تعاون مع الولايات المتحدة، موارد طاقة، ومؤسسات أمنية وعسكرية منظمة.
لكن هذا لا يمنح أي دولة حق انتهاك سيادة العراق أو استهداف المدنيين والمنشآت الحكومية. والأخطر أن استهداف كوردستان لا يؤدي إلى إخضاعها بالضرورة، بل قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تمامًا:

كلما ازداد الضغط الخارجي، ازداد الشعور الكوردي بأن الخلافات الداخلية يجب أن تتراجع أمام الخطر الخارجي. وهذه حقيقة ينبغي أن يدركها كل من يراهن على تفكيك الموقف الكوردي.

واليوم… استهداف مكتب رئيس الحكومة

في 17 آب/أغسطس 2026، تعرض مكتب رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني لهجوم بطائرتين مسيّرتين. ووفق ما نقلته رويترز عن جهاز أمن الإقليم، انطلقت المسيّرتان من الأراضي الإيرانية، ولم تُسجل خسائر بشرية في الهجوم. وهنا تتجاوز المسألة استهداف موقع عسكري أو مجموعة معارضة. عندما يُستهدف مكتب رئيس حكومة الإقليم، فإن الرسالة تصبح سياسية بقدر ما هي عسكرية.

والرد السياسي الصحيح على مثل هذه الرسائل ليس التهور ولا الذهاب إلى الحرب، وإنما توحيد الصف الكوردي، وتعزيز المؤسسات، والدفاع عن سيادة الإقليم بالوسائل القانونية والدبلوماسية، ومطالبة بغداد والمجتمع الدولي بتحمل مسؤولياتهما.

إلى إيران: للصبر حدود

إيران دولة جارة، والشعب الكوردي لا يريد حربًا مع الشعب الإيراني. لكن احترام الجوار لا يعني قبول الاعتداء. والتاريخ أثبت أن الضغط العسكري على الكورد لم يكن الطريق إلى إنهاء قضيتهم، بل كان غالبًا سببًا في زيادة تمسكهم بحقوقهم. وإذا كانت طهران تراهن على أن ضرب البيشمركة أو استهداف المنشآت الحكومية أو تخويف المدنيين سيؤدي إلى تفكيك الموقف الكوردي، فعليها أن تعيد قراءة التاريخ جيدًا.

البيشمركة ليست تنظيمًا طارئًا ظهر بالأمس، بل قوة نشأت من تاريخ طويل من الدفاع عن أرض وشعب. ومسعود بارزاني ومسرور بارزاني ليسا من الذين يستطيع الخارج فرض إرادته عليهم بسهولة؛ ومن أراد أن يعرف ذلك، فليقرأ تاريخ مصطفى بارزاني وأجيال الحركة الكوردية قبل أن يراهن على إخضاع إرادة الكورد بالصواريخ والمسيّرات.

إن استهداف كوردستان لن يؤدي إلى إلغاء كوردستان. وإن استهداف البيشمركة لن يلغي البيشمركة. وإن استهداف القيادة لن يلغي الإرادة السياسية للشعب. بل قد تكون النتيجة عكسية تمامًا:

أن تجعل هذه الهجمات الكورد أكثر تمسكًا بوحدتهم، وأكثر إصرارًا على حماية إقليمهم، وأكثر رفضًا لأن يكون وطنهم ساحةً لتصفية حسابات الآخرين. ولذلك نقول لإيران، بكل احترام للشعب الإيراني، وبكل وضوح للحكومة الإيرانية: كفى. لا نريد حربًا، ولا نريد صراعًا مع الجيران، ولا نريد أن تتحول الحدود إلى جبهة جديدة. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن أن يكون ضبط النفس الكوردي تفسيرًا على أنه ضعف، ولا يمكن أن يكون الحياد رخصة لاستباحة أرض كوردستان. ولإيران شعب كوردي كبير داخل حدودها، وهذه حقيقة جغرافية وتاريخية لا تحتاج إلى تهديد أو استعراض.

الحل ليس في الصواريخ. والأمن لا يُبنى بالمسيّرات. والجوار لا يُحمى بانتهاك السيادة. والشعوب لا تُخضع بالقوة. إن كانت هناك مخاوف أمنية، فطاولة الحوار هي الطريق. وإن كانت هناك ملفات خلافية، فالدبلوماسية هي الطريق. أما أن يُستهدف إقليم اختار الحياد، وتُضرب منشآته الحيوية، ويُقتل بيشمركة ومدنيون على أرضه، ثم يُطلب منه الصمت، فذلك أمر لن يصنع استقرارًا، بل سيعمق الجرح ويزيد الاحتقان.

كوردستان تريد السلام، لكنها لن تقبل أن يكون ثمن السلام هو كرامتها وسيادتها وأمن شعبها. وللصبر حدود… لكن للوحدة الكوردية أيضًا ذاكرة لا تنسى.

قد يعجبك ايضا