أحمد كوران
في العُرف السياسي، الوسيط يُحترم ويُحمى. لكن في تجربة إقليم كوردستان خلال عام 2026، أصبح الوسيط هدفاً، وأصبح الحياد سبباً للاستهداف.
1. حياد ووساطة: دور كوردستان في تهدئة الإقليم
منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في 28 شباط/فبراير 2026، أعلن إقليم كوردستان موقفاً واضحاً: “لسنا طرفاً، وأراضينا ليست منطلقاً للتهديد”.
ولم يكتفِ الإقليم بإعلان الحياد، بل ذهب إلى خطوة أبعد وأخطر: الوساطة.
ففي 3 تموز/يوليو 2026، قام الرئيس نيجيرفان بارزاني بزيارة إلى طهران والتقى قيادات إيرانية رفيعة. وبحسب مصادر دبلوماسية، لعب دوراً في نقل رسائل تهدئة بين الحرس الثوري الإيراني والجانب الأمريكي بهدف منع توسّع المواجهة وتجنيب العراق والإقليم الانزلاق إلى حرب شاملة.
كان الهدف الكوردي واضحاً: حماية العراق، وحماية كوردستان، وتحويل الإقليم من ساحة صراع إلى جسر للحوار.
2. مكافأة الوساطة: تصعيد غير مسبوق
لكن بدلاً من أن تُكافأ هذه المبادرة بالاحترام، قوبلت بتصعيد عسكري مباشر.
وبحسب البيانات الرسمية لحكومة الإقليم:
809 هجمات بالصواريخ والمسيّرات بين 28 شباط و20 نيسان.
20 شهيداً و123 جريحاً، بينهم مدنيون وعناصر من البيشمركة.
أضرار واسعة طالت المنازل والمنشآت الاقتصادية والبنى التحتية.
وتطور الأمر من استهداف مواقع عسكرية إلى استهداف رموز الدولة:
24 آذار: استشهاد 6 من البيشمركة في هجوم على موقع عسكري.
أواخر آذار: استهداف مسيّرات لمواقع مرتبطة بالرئيسين نيجيرفان ومسعود بارزاني.
الاستهداف الأخير (17 آب/أغسطس 2026): هجوم بطائرتين مسيّرتين على المكتب الشخصي لرئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني. وأكد جهاز أمن الإقليم أن المسيّرتين انطلقتا من الأراضي الإيرانية. ولم يوقع الهجوم خسائر بشرية، لكن الرسالة كانت واضحة: استهداف المؤسسة التنفيذية الأولى في الإقليم.
وحتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، استمرت الهجمات ضد مواقع المعارضة الكوردية الإيرانية داخل الإقليم.
3. سقوط الذرائع
تتحدث طهران عن “المعارضة والقواعد الإسرائيلية”، لكن الوقائع تكذّب ذلك:
15 كانون الثاني 2024: قصف منزل “بيشرو دزيي” في أربيل ومقتل ابنته الرضيعة بحجة وجود “الموساد”، فيما أكدت لجنة برلمانية عراقية أنه منزل مدني.
13 آذار 2022: أُطلق 12 صاروخاً على منزل “الشيخ باز كريم”، وربطته تقارير دولية بملف الطاقة.
القضية ليست أمنية؛ القضية أن كوردستان تملك قراراً مستقلاً، وعلاقات دولية، ومؤسسات، وموارد. وهذا وحده يكفي لتكون هدفاً.
4. من الناحية القانونية: انتهاك صارخ
يشكل هذا الاستهداف خرقاً فاضحاً لـ:
ميثاق الأمم المتحدة (المادة 2/4): التي تحظر التهديد أو استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية لأي دولة.
سيادة العراق: المنصوص عليها في الدستور العراقي.
القانون الدولي الإنساني: الذي يجرّم استهداف المدنيين والمؤسسات المدنية والحكومية.
للوساطة ثمن.. وللصبر حدود
لقد أثبت إقليم كوردستان أنه يريد أن يكون جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة. قدم الحياد، وقدم الوساطة، وقدم ضبط النفس.
وكان الرد بالمسيّرات.
إن استهداف مكتب رئيس الحكومة بعد أيام من قيام الرئيس نيجيرفان بارزاني بمحاولة تهدئة بين طهران وواشنطن يطرح سؤالاً خطيراً: هل المطلوب معاقبة كل من يحاول إبعاد العراق عن الحرب؟
إلى إيران نقول: الشعب الكوردي لا يريد عداءً مع الشعب الإيراني، لكن الأمن لا يُبنى بالصواريخ، والجوار لا يُحمى بانتهاك السيادة.
كوردستان تريد السلام بكرامة.. وإن كان ثمن السلام هو التنازل عن السيادة، فللوحدة الكوردية ذاكرة لا تنسى، وللصبر حدود.