علي قاسم الكعبي
أشارت تقارير دولية (مثل مؤسسة غالوب) إلى تصدر العراق مؤشرات المشاعر السلبية والحزن والتوتر لعدة أعوام. وتحدثت التقارير عن عدة أسباب منطقية وواقعية؛ منها أسباب تاريخية كالحروب التي مرت بها البلاد، والانقلابات، والاضطرابات السياسية التي انعكست سلباً على واقعه الاجتماعي. ومنها تأثير البيئة، إذا ما علمنا أن الطقس الحار والجاف المتطرف ويرافقه نقص حاد في التيار الكهربائي- يتفاعل مع حرارة المشاعر؛ ونتيجة لنقص الخدمات أصبحت الشخصية العراقية عنوانها التوتر، فضلاً عن الحرمان والكبت النفسي الذي عاشه العراقيون ردحاً من الزمن.
فمن المستبعد وأنت تراقب وسائل الإعلام عندما تستضيف شخصية عراقية -حتى وإن كان الحوار سياسياً او رياضيا أو غيره- أن تجده هادئاً، بل تجده متوتراً قلقاً، يحاور بصوت عالٍ، وعلامات الغضب يحاول أن يخفيها لكنها تظهر وتفضحه من خلال نبرة الصوت، أو المصطلحات، أو إشارات الجسد، وكلها علامات توتر واضحة تضعف حجته، على عكس الآخرين الذين تجدهم يتحدثون بكل هدوء.
لست مختصاً بمجال الطب، ولا أحب هذا التخصص لأنه ابتعد كثيراً عن جانبه الإنساني البحت، لكنني أتعايش مع واقع وأرصد باستمرار ظاهرة التوتر عند العراقيين؛ فهم في كل شيء تراهم متوترين، حتى في الملعب وفي أوقات الفرح، فضلاً عن الحزن، وفي العمل، والمدرسة، والشارع، والحدائق. فهم لا يعرفون التعبير عن مشاعرهم إلا وظهرت عليهم علامات التوتر، مما يؤدي إلى الصدام في معظم الحالات.
وهذا يعكس خللاً في تركيبة الشخص العربي عموماً والعراقي خصوصاً، فلربما تكون جذوره الصحراوية سبباً، وقد تكون الضغوطات والمشاكل كبيرة بحد ذاتها ولا يمكن مواجهتها بروح رياضية. نعم، الواقع يلقي بظلاله تماماً على ما تمر به الشخصية من ضغوط تاريخية، وسياسية، وظروف بيئية، وكبت نفسي، فضلاً عن الواقع الاقتصادي المعيشي وانتشار الأمراض.
إن هذا التوتر المشحون في جسد الشخصية العراقية ليس جينات موروثة ولا فطرة ثابتة، بل هو “صوت صامت” لبيئة قاهرة ومستمرة؛ فالإنسان ابن بيئته، ومتى ما استقرت ظروف العراق وتوفرت له مقومات الحياة الكريمة، ستعود تلك الشخصية إلى هدوئها وطبيعتها الإنسانية الأولى.