حوار: عطا درغام
جغرافيا المنافي وتفكيك المسلّمات
نلتقي في هذا الحوار الاستثنائي مع الكاتب والناقد والروائي الفلسطيني المقيم في لندن سمير اليوسف، في رحلة غوص عميقة تسعى إلى تفكيك المفاهيم الجاهزة ومساءلة ثوابت الذاكرة والشتات. ينطلق الحوار من ثنائية “مخيم الرشيدية” و”لندن” ليناقش بجرأة فلسفية غير معهودة أبعاد الهوية السردية، ومأزق الكتابة بلغة مغايرة، وصولاً إلى أطروحته المثيرة للجدل في روايته الشهيرة “وهم العودة”، والتي يفكك فيها الخطاب العاطفي التقليدي لصالح أنثروبولوجيا الفرد وحقيقته المعيشة.
يتنقل بنا اليوسف بين المنهج النقدي الصارم الذي يوظفه لكبح جماح السرد، وبين قراءته الفلسفية لاستعارات الغريب، مبرزاً الكلفة الحقيقية لاستقلالية المثقف في عصر السيولة التكنولوجية. إنه حوار لا يقف عند حدود استدعاء الماضي، بل يستشرف مستقبل “رواية اللجوء” في القرن الحادي والعشرين، ويقدم دليلاً معرفياً للجيل الجديد من الكتاب المغتربين للتحرر من قيد النوستالجيا واستعذاب دور الضحية، والانطلاق نحو آفاق الإنسانية الكونية.
1. وُلدت في مخيم الرشيدية بلبنان وتعيش في لندن منذ عقود؛ كيف تشكلت “جغرافيا المنافي” داخل وعيك الروائي؟
أميل إلى الوحدة والعزلة وعندي نزعة طبيعية للإبتعاد عن الناس بمن في ذلك أقرب المقربين إلي. لا أحتمل البقاء مع الآخرين إلا في أوقات اختارها بنفسي، ولا أبقى إلا لوقت قصير، بعد ذلك يجب أن أبتعد وإلا أُصاب بحالة توتر وأفقد أعصابي بطريقة هستيرية.
ولفترة طويلة كان شعاري “مهما كان عدد المقربين إليك قليلاً يجب أن تكون مستعداً للتخلي عن واحد أو إثنين في أي وقت وزمان.” لماذا؟
لأنني غالباً ما يراودني الإحساس بأنني دخيل ومتطفل ولا أنتمي إلى المكان الذي أكون فيه. لذلك أنا مستعد دائماً للمغادرة والرحيل درءاً لاحتمال الرفض والطرد. أطردُ نفسي قبل أن يطردني الآخرون.
حتى في الأماكن التي أقمت فيها زمناً طويلاً وكانت حياتي فيها نسبياً سعيدة، أو غير تعيسة، كنت أحياناً أحسُّ بأنني دخيل وغريب ولا أنتمي إليها. حينما قرأت خبر صدور السيرة الذاتية لإدوارد سعيد تحت عنوان “في غير مكانه” [تُرجم إلى العربية إلى “خارج المكان” وهي ترجمة حرفية سخيفة] قلت لنفسي هذا أنا ولست أنت يا إدوارد سعيد! أنا الذي دائماً ما يحسّ بأنني في غير مكانه.
كل ما كتبت من قصص وروايات وقصائد تنطلق بشكل معلن أو مستتر من موقع الهوة التي تفصلني عن المكان الذي أقمت أو أقيم فيه. الكثير مما كتبته لا علاقة له مباشرة بالمكان ولكن مع ذلك هذه الحقيقة النفسية الثابتة، الإحساس بالهوة التي تفصلني عن مكان الإقامة وبالتالي بأنني لا أنتمي، تتحكم بخيالي السردي وبلغتي أيضاً.
حاولت أحياناً أن أكتب متجاهلاً هذه الحقيقة. مرة كتبت قصة بلسان سارد يعتبر أن لبنان بلده. فهو ولد وعاش فيه خمسة وعشرين عاماً، جلها قضاها بين اللبنانين إلى حدّ أنه يتكلم بلهجة لبنانية. لم أستطع اكمالها، وحينما تجاسرت على اعادة قراءة ما كتبت أحسست بالخجل، أحسست بأن النصّ مثال صارخ للكتابة المزيّفة الكاذبة.
لا أحسّ بالأمان إلا إذا كنت متنبّهاً لهذه الحقيقة وبالتالي لا أحسّ بالمصداقية في الكتابة إلا إذا كتبت من منطلق الوعي المباشر أو غير المباشر بجقيقة أنني أنتمي إلى الهامش والبرية.
2. كتبت باللغتين العربية والإنجليزية؛ هل اختيار اللغة هنا هو اختيار لجمهور مستهدف أم تبديل للهوية السردية؟
من الأقوال المُحيّرة بالنسبة لي قول البعض “أكتب لنفسي فقط!” وبعضهم بالفعل لا ينشر ما يكتب ولا حتى يعرض ما كتبه على شخصٍ آخر لكي يعرف رأيه على الأقل.
أنا لا اكتب إلا للآخرين. لا أستطيع التفكير في الكتابة إلا والقارئ، أي قارئ، معي. يلازمني دائماً قارئ متخيّل أحاول أحياناً استرضاءه أو الظفر باعجابه وغالباً استفزازه وإثارة حفيظته.
ردّا على نقده لاختياره الكتابة باللغة العبرية، سمعت الروائي الفلسطيني-الإسرائيلي سعيد قشوع يقول بأنه اختار الكتابة بالعبرية لأنه يريد أن يكتب لقراء، لمن يقرأ كتباً فعلاً، وليس للأشجار. لا أحد يقرأ بالعربية وبالتالي الكتابة بالعربية عنده هي بمثابة كتابة للأشجار بدلاً من القراء.
كتبت بالإنكليزية لأنني وجدت نفسي محاطاً بأناس لا يتكلمون سوى الإنكليزية. اللغة الإنكليزية تُحيطني من كل الجهات، من الخارج والداخل، أسمعها وأتكلمها وأحلم بها من وقتٍ لآخر. وأحياناً هي اللغة التي أُفكّر بها.
حينما كتبت رواية “يوم عطش الوحش” اكتشفت بأن ما تقوله الشخصيات- هي شخصيات تعيش وتتنقل ما بين مدينة صيدا ومخيم عين الحلوة، في جنوب لبنان- ما تقوله ترجمة لعبارات انكليزية. بعد أن فرغت من كتابة الرواية بالعربية أعدت كتابتها بالإنكليزية. كتابتها بالإنكليزية كانت أسهل بكثير من كتابتها بالعربية.
أحياناً نكتب بلغة أخرى لانها لغة القارئ الذي نخاطبه وأحياناً لأن اللغة الأخرى تستوطنك ولا تجد فكاكاً من استخدامها.

3. هل ترى أن الكتابة بالإنجليزية تمنح الكاتب الفلسطيني تحرراً من “الخطاب العاطفي التقليدي” السائد في الرواية العربية؟
دعني أستشهد بكلام روائي فلسطيني-إسرائيلي آخر آثر الكتابة بالعبرية: أنطون شماس، حينما سئل عما دفعه إلى كتابة رواية “آرابسك” باللغة العبرية بدلاً من العربية. قال شماس بأنه لو حاول كتابة الرواية بالعربية لما استطاع اكمالها. سيحس بأن والدته ستتدخل وتحاول أن تعدّل ما يكتب. الكتابة بلغة أخرى تمنحك فرصة التحرر من كل القيود التي تكبّل الكتابة باللغة الأم بما في ذلك طبعاً ما تسميه “الخطاب العاطفي التقليدي”.
4. في أدب الشتات، غالباً ما يُقدس “المكان الأول”؛ كيف تنجو كتاباتك من فخ الحنين الرومانسي (النوستالجيا) للمخيم؟
لا مكان للنوستالجيا في حياتي أو في كتاباتي. لا أحنّ إلى الماضي. بالعكس تماماً دائماً أحسّ بأن الماضي أسوأ من الحاضر. ولعل هذا يصدر بالتحديد عن حقيقة أن “المكان الأول” هو مخيم لاجئين. مخيم اللاجئين، خاصة الذي ولدت فيه ونشأت، ليس في الحقيقة بالمكان الأول ولم يكن. كان مجرد غرفة انتظار، أو محطة انتظار، حتى وصول الفرصة السانحة للرحيل.
في “يوم عطش الوحش” يدفع الرواي مبلغاً مالياً كبيراً لوكيل سفريّات نصّاب يعده بالحصول له على تأشيرة دخول إلى ألمانيا. الراوي يعرف بأن وكيل السفريات رجل نصّاب ولن يحصل له على تأشيرة دخول، لا إلى ألمانيا ولا إلى أي مكان آخر في العالم. الراوي يعلم بأنه يدفع ثمناً ليس لتأشيرة دخول وإنما للوهم بأن من الممكن أن يذهب إلى ألمانيا، أن من الممكن الفرار من المخيم الفلسطيني في لبنان. وهو حلم كل شاب فلسطيني.
5. كيف أثرت دراستك العميقة للفلسفة في جامعة لندن على بناء الشخصيات الروائية وتأملاتها الوجودية؟
بعض من قرأ رواية “وهم العودة” استنكر كل تلك الحوارات الفلسفية التي ترد فيها. البعض اعتبرني جادّاً في استخدام الفلسفة في سياق سرد قصصي يتعامل مع واقع سياسي تاريخي ما. ولكن من يدقق في الأمر سيكتشف أن هذه حوارات فلسفية تجري في ما يشبه الجحيم. إنها ضرب من السخرية، سخرية من العقل والثقافة، وسط عالم حيث حتى إمكانية النجاة عسيرة للغاية.
وهذا لم يأت من خلال دراستي للفلسفة في جامعة لندن أو في الجامعة اللبنانية من قبل. لا! وإنما من خلال قراءة أعمال الكاتب الإرلندي صمويل بيكيت وتأثري بها. بيكيت كتب القصيدة والقصة القصيرة والرواية والمسرحية والتمثيلية الإذاعية والنصّ الذي لا هوية له .. ولكنه في كل ما كتب كان فيلسوفاً وليس أديباً. ما كتبه فلسفة ولكن ليست بالطريقة التي كُتبت فيها الفلسفة على يد أفلاطون وديكارت وهيغل أو حتى نيتشه الذي كتب شذرات شعرية.
لا وسيلة أفضل من الفلسفة، خاصة على طريقة بيكيت، لتبرير حبك للعزلة وتعزيز استمرارك في العزلة وطلبها. يمكنك أن تأخذ استراحة من الكتابة الأدبية ولكنك لا يمكن أن تأخذ استراحة من الفلسفة، طالما أنت غير نائم، أو فاقد الوعي بطريقة ما أو أخرى. أن تكون واعياً هو أن تفكر فلسفياً حتى لو اقتصر الأمر على قولك “أنا أفكّر إذا أنا أكون”
طبعاً أحببت الأدب أيضاً. وكان هناك صراع في نفسي ما بين الفلسفة والأدب لم يحُسم إلا بفضل قراءة بيكيت وفهم أعماله بعمق.

6. روايتك الشهيرة “وهم العودة” أحدثت جدلاً؛ ما الذي أردت تفكيكه بدقة في مفهوم “العودة”؟
الذين قرأوا الروية واستنكروا على الفور قول الراوي بأن العودة مجرد وهم، وأن التمسك بـ”حق العودة، بالتالي هو تمسكٌ بوهم، تجاهلوا السياق الذي يرد فيه هذا الكلام. تجاهلوا ما يقوله الراوي بأن العالم غير مضياف، بل أن العالم لا يرى في الغرباء (اللاجئين والمنفيين والمهاجرين) إلا كبش المحرقة الذي يحتاجه حينما يفشل في تنظيم أموره والتعاطي مع مشاكله بحكمة ومسؤولية وشجاعة.
في عالم كهذا اللاجئ مثل غريق يتعلق بقشة، أي يتعلق بوهم. خلافاً للرواي في “يوم عطش الوحش”، الذي يتمسك بوهم، الفرار من المخيم، وبوعي كامل أن الفرار مجرد وهم، فإن الراوي في “وهم العودة” يرفض التمسك بوهم. على الأرجح لأنه فقد مبررات التمسك بوهم. الرواي في “يوم عطش الوهم” كان لا يزال يعيش في لبنان وكان بحاجة للوهم وإلا لكان مصيره الجنون أو الإنتحار. أما الراوي في “وهم العودة” فإنه يعيش في لندن ولم يعد بحاجة إلى وهم يتمسك به ويكون التمسك به بمثابة حبل نجاة. لذلك يقولها بصراحة، العودة وهم والتمسك بحق العودة مجرد وهم.
كيف نتعامل مع الأوهام، نتمسك بها كحبل نجاة أو نواجهها بصراحة باعتبارها مجرد أوهام، يتوقف إلى حدٍ كبير على مكان الإقامة وظروف الإقامة. في لندن تحررتُ من أوهام عديدة!
7. هل ترى أن التمسك الحرفي بالشعارات السياسية الجاهزة يعيق تحرر الذات الفلسطينية الفردية؟
لا يُعيقها فقط وإنما يدمرها أيضاً. يجردها من حقها في التفكير الواقعي المنطقي ويجردها من حق الخيال ويجردها من الشجاعة الأخلاقية لكي تواجه الواقع وتقرر أن تحسم أمورها بشجاعة.
تخيّل انساناً مجرداً من حق التفكير الواقعي المنطقي والشجاعة الأخلاقية والخيال! أي إنسان هذا؟
أحد الأسباب التي دفعتني إلى امتحان مفهوم “حق العودة”، من خلال رواية “وهم العودة”، هو قراءة كتاب باحث فلسطيني وناشط في المطالبة بحق العودة. وردت في هذا الكتاب عبارة جعلتني أتنبه إلى الجانب الوهمي والخرافي في ما يُسمى بـ”حق العودة”. يقول الكاتب بأن حق العودة حق تاريخي وقانوني وقابل للتنفيذ. أتفق مع الكاتب بأنه “حق تاريخي وقانوني” ولكن غير متأكد كيف يمكن تطبيقه. ولكن المشكلة الفعلية بالنسبة لي قوله بأنه “حق مقدّس”. مقدّس؟ كيف؟ من أين اكتسب هذه القداسة؟ من نصّ مقدس؟ لا! من أين إن ليس من الأوهام؟
8. شخصياتك غالباً ما تبدو عالقة بين ذاكرة ثقيلة ومستقبل غامض؛ هل الذاكرة بالنسبة لسمير اليوسف ملاذ أم عبء؟
الذاكرة عبء دون شك. الماضي كابوس واستعادة الماضي بواسطة الذاكرة هو بمثابة إحياء كابوس. هذا ما يحدث للراوي في “وهم العودة”.
بعد خمسة عشر عاماً من الإقامة في لندن يتلقى مكالمة هاتفية من صديق قديم، صديق كان يعرفه في لبنان وهو الآن يعيش في الولايات المتحدة. تلك المكالمة تُعيد الراوي إلى الليلة الأخيرة التي قضاها بمعية ثلاثة أصدقاء قبل أن يتفرق شملهم جميعاً ويذهب كل واحد منهم في وجهة مختلفة عن وجهات الآخرين. تلك الليلة هي خلاصة الماضي الذي هو بمثابة كابوس.
الماضي كابوس يلاحقني كلما سمعت صوتاً من الماضي وأحياناً يتعقبني حتى دون أن أسمع صوتاً فعلاً. وهذا الكابوس قد يسمم حياتك في الحاضر والمستقبل. يجعلك تنظر بعين الشك والخوف إلى المستقبل مهما تحسنت ظروف حياتك المادية والقانونية. لن تحسَّ أبداً بسلام وأمن! الماضي كابوس والمستقبل مجهول قد ينطوي على كابوس أيضاً. بما يجعل المرء سوداوياً.

9. انتقدت مراراً تحويل الفن إلى “أداة بروباغندا” سياسية؛ كيف توازن في أعمالك بين عدالة القضية وجماليات الفن الروائي؟
الجواب في السؤال نفسه: العدالة والجمال. القبيح لا يمكن أن يخدم قضية عادلة إلا في حالة الطوارئ واليأس. البروباغندا فن قبيح. لا زلت حتى الآن أتذكر المُلصقات الدعائية السياسية التي كانت تصدرها الفصائل السياسية الفلسطينية، في السبعينات من القرن الماضي، والتي كانت تُلصق على جدران البيوت في المخيم. صوّر ورسوم وكلام في غاية الرمزية الساذجة والوحشية. شيء قبيح للغاية وقاتل للذوق الفني. كيف يمكن للفن القبيح، فنّ معادٍ للفن، أن يخدم قضية إنسانية.
عشرات النصوص الادبية الفلسطينية الرديئة نُشرت وقوبلت بترحاب بذريعة أنها تخدم “القضية”. كيف للقبيح أن يخدم أي شيء؟ القبيح لا يخدم وإنما يشوّه!
10. إلى أي مدى يعكس أدبك صدمة المثقف الفلسطيني عقب التحولات السياسية الكبرى (مثل اتفاقيات أوسلو وما بعدها)؟
لم تصدمني اتفاقية أوسلو. انتميت إلى جيل شهد من الهزائم والصراعات الداخلية العبثية المدمرة ما جعلنا على يقين بأن الحلّ سيكون عن طريق التفاوض والاتفاقيات السلّمية. طبعاً كنت متحفّظاً على الطريقة التي تمّ توقيع الإتفاقية، ومنتقداً لما نصّت عليه، في البداية، ولكن حينما رأيت الجوانب العملية الإيجابية أدركت بأن هذه فرصة لوضع حدٍّ لصراع دمّر ابناء وبنات جيلي والأجيال السابقة وهو على وشك تدمير الأجيال القادمة.
11. أثارت المجموعة المشتركة “غزة بلوز” مع إتغار كيريت أصداء عالمية واسعة؛ كيف تقيم تلك التجربة اليوم؟
نُشرتْ هذه المجموعة المشتركة من القصص مع الكاتب الإسرائيلي اتغار كيريت في وقت كان هناك أمل بإمكانية تعايش سلمي، أو على الأقل نهاية حالة العنف والحرب. كانت محاولة لدعم هذا الأمل. وهذا هو الأمل الذي راهن عليه الكثير من الناس، خاصة في أوروبا، لذلك فإن “غزة بلوز” حظيت بإهتمام وترحيب أوسع وأكبر مما تستحقه. كانت مجرد محاولة لأجل الأمل بنهاية العنف المستمر منذ أكثر من مئة عام. ولا أندم على القيام بأي شيء يخدم أملاً كهذا.

12. هل كان الهدف من “غزة بلوز” إثبات أن الأدب يمكنه خلق مساحة حوار إنساني تتجاوز انسداد الأفق السياسي؟
كما قلت كانت محاولة لدعم أمل واهٍ بإمكانية تجاوز حالة العنف السائدة. وبالنسبة لي كان ردّاً على دعاة “معاداة التطبيع” خاصة المنافقين منهم الذين كانوا يستفيدون من أوسلو وفي الوقت نفسه يلوّحون براية “معاداة التطبيع”. مثلاً، مريد البرغوثي الذي كان قد غادر الضفة الغربية قبل حرب عام 1967 ولم يستطع العودة إليها، زائراً على الأقل، إلا بفضل أوسلو، ومع ذلك كان يهاجم أوسلو ويعتبرها أسوأ ما جرى للشعب الفلسطيني. قمة النفاق والتفاهة الفكرية والجهل السياسي هذا البرغوثي وأمثاله، وما أكثرهم!
13. في رواية “طريق بنتونفيل”، نلمس أجواءً لندنية خالصة؛ كيف يتحول المغترب من “مراقب خارجي” إلى فاعل داخل المدينة الغربية؟
لا يتحول. يبقى غريباً ومنبوذاً وعلى الهامش. يواجه الحاضر ويصوّره كما يراه ولكن يبقى في منطقة “المطهّر”، بحسب دانتي “الكوميديا الإلهية”، لا هو في الجحيم ولا في الفردوس.
الأمر الإيجابي الوحيد للكتابة من موقع الراوي، في رواية “طريق بنتونفيل”، أنه لا يهرب من الحاضر إلى الماضي. فهو يواجه الحاضر بكل عبثيته وخرابه ويعيشه وإن فقط على هامش المجتمع وبين شخصيات منبوذة من مركز المجتمع الأكبر. إنها لعنة ألا تكون بلا وطن في عالم معدوم الضيافة بل ويكره الغرباء ويلومهم على فشله.
14. بالانتقال إلى “الشاعر يقترب”، ما هي الهواجس الإبداعية التي أرادت الرواية رصدها في علاقة الشاعر بالواقع؟
هذه الرواية شأن كل ما سبقها من روايات هي بمثابة امتحان لمفهوم الواقع. السؤال الذي شغلني منذ البداية، على المستوى اليومي والعابر، وعلى مستوى ميتافيزيقي: ما هو الواقع؟ بل هل هناك واقع أم أن كل ما يتعلق بنا ينتمي إلى الخيال والذاكرة، أي إلى ما لا وجود له وجوداً ملموساً، وفي أحسن الأحوال مجرد وجودٍ عابرٍ وهامشي ّ وتافه؟
في “الشاعر يقترب” ذهبت خطوات أبعد مما فعلت في “يوم عطش الوحش” و”طريق بنتونفيل” و”وهم العودة” و”اتفاقية حبّ” و”الحرّ الغانم”. الواقع سوريالي في هذه الرواية إلى حدّ أن لا دليل قاطع على وجوده إلا بواسطة اللغة واستخدام اللغة.
هنا أيضاً نجد أثر قراءة بيكيت والتشبع بروحها.

15. مجموعتك “هموم عائلية” ركزت على الميكرو-سياسة (العلاقات الإنسانية الضيقة)؛ لماذا يهرب سمير اليوسف من القضايا الكبرى إلى تفاصيل العائلة؟
لم أهرب مما تسميها “القضايا الكبرى” وإذا هربت فقد هربت من القبح، من واقع قبيح ومجتمع قبيح وناس قبيحين.
هربت من والدي الذي كان نموذجاً صارخاً للقبح الإنساني. الرجل كان معدوم الذائقة الفنيّة إلى حدٍّ مرعب. كان جاهلاً وغبياً إلى حدٍّ يتجاوز الخيال، والأسوأ من ذلك كان مدّعياً نرجسياً يحسب نفسه مزيجاً من آينشتين وشكسبير وسقراط. حينما قرأت سيرة-رواية محمد شكري “الخبز الحافي” سخرت من سطحية تصويره لوالده القاسي والمجرم. والدي لم يكن مجرماً ولكن فقط لأنه كان جباناً متنمراً، يتنمر ويعنّف من هم أضعف منه والعاجزين عن التصدي له. كان في داخله من العنف والجنون الإجرامي ما كان يجعله مؤهلاً لأن يكون سيكوباث شهيراً. ولكن خوفه ممن هم أقوى منه هو الذي حال دونه وممارسة العنف الذي كان يودّ أن يمارسه.
قصص “هموم عائلية” هي هروب إلى عالم فنتازي ووهمي كنت منذ الطفولة أهرب إليه وأعود منه محمّلاً بعشرات القصص المختلقة والأكاذيب. كتابة القصص، خاصة قصصاً شأن قصص هذه المجموعة، هو استثمار فني للأكاذيب التي كنت أعود بها من فراري إلى عالم الخيال والوهم.
16. في كتابك “حكاية أفلاطون والشعراء”، ما الذي يربط الصراع الفلسفي القديم مع أزمة المبدع المعاصر؟
الصراع الفلسفي القديم هو صراع متجدد. اقصاء أفلاطون للشعراء من “الجمهورية” موقف مثير للحيرة والتساؤل ويحض على التأويل والنقاش. وبعد أكثر من ألفي عام، توّج هايدغر الشاعر مفكراً عوضاً عن “الفيلسوف-الملك” في جمهورية أفلاطون. كما ترى القضية لم تُحسم بعد.
لفترة طويل كنت اعتبر الثالوث المقدس عندي يتمثل في ثلاث “هاءات”: هيوم وهوبز وهايدغر. كتبت اطروحتي الفلسفية الأكاديمية الأولى عن الواقع الخارجي بالنسبة لفلسفة ديفيد هيوم. والأطروحة الثانية عن مفهوم السيادة عند توماس هوبز. وكان هناك مشروع أطروحة ثالثة حول مفهوم هايدغر للشاعر-المفكر.
كان ينبغي أن تعتمد هذه الأطروحة على خلاصات الأطروحتين السابقتين، تحديداً، أن الخيال يلعب دوراً أساسياً في معرفة الواقع أو العالم، وأن في اللغة، خاصة في لغة السلطة حينما تخاطب الجمهور، تنطوي طبيعة سياسة السلطة. الخيال واللغة هما بالأصل من المقومات الفنيّة الجمالية ولكن هايدغر قرر أن يحرر الشعر (أو الشاعر) من علم الجمال (الجماليات) وتاريخ الأدب والنقد الأدبي وأناط به مهمة التفكير.
المثال الأرقى للمبدع المعاصر عندي، خاصة ما بعد الحرب العالمية الثانية، هو صمويل بيكيت، الفيلسوف (أو المفكر بحسب هايدغر) الذي لم يكتب فلسفة ولا حتى على طريقة نيتشه ولكن كتابته بمثابة عملية تفكير مستمرة. قد يكون هايدغر هو الذي أعاد إلى السؤال الأول “ما هي الكينونة؟” إلى موقع الصدارة ولكن بيكيت هو الذي أجاب على هذا السؤال.
17. كيف توظف أدواتك كـ “ناقد أدبي” أثناء كتابة النص الروائي؟ هل يفرمل الناقدُ في داخلك جموح الروائي؟
لا أوظفها أبداً. أتجاهلها تماماً. أتناسها خاصة حينما أكتب نصّاً شعرياً. أُعطّل قدرتي على التفكير النقدي وأُسلم لنفسي للخيال ولغة الخيال.
18. ديوانك “استعارات الغريب” يحمل صبغة شعرية؛ كيف تتقاطع “استعارة الغريب” بين قصيدة الشعر وسطور الرواية؟
لم أشرع في كتابة الشعر إلا قبل عشرة أعوام فقط. كانت كتابة الشعر ردّة فعل ضد الموت والنثر، النثر السردي القصصي والتحليلي النقدي.
في السادس والعشرين من آذار (مارس) 2014، رحلت جوديث، أهم إنسانة (إنسان) عرفتها في حياتي. بعد عشرين عاماً من الحياة في ظلها ومعها رحلت الإنسانة التي بلورت شخصيتي على وجه مختلف تماماً عما كنته من قبل. موتها، رغم أنه كان متوقعاً، كان صدمة لم استفق منها حتى الآن ومصدر كآبة لا شفاء منها.
كنت قارئ وكاتب نثر. لم أولي الشعر اهتماماً كبيراً. ثم جاء الموت! توقفت عن القراءة والكتابة. تخلصت من كل كتبي، وكلها نثر، رواية وقصة ونقد أدبي وفلسفة وسياسة .. إلخ. ولم أستطع أن أقرأ من جديد سوى الشعر. ولم أستطع أن أكتب إلا الشعر. نصوص “إستعارة الغريب” هي التي كتبتها حينما عدت إلى الكتابة. كان التعبير عن حياتي باعتبارها استعارة انتهت برحيل جوديث. حاولت التعويض عن هذه الخسارة، وعن الكتابة، بالإستغراق في علاقة حبّ مع فتاة تصغرني بأعوام عديدة، مع فتاة لا يجوز لي أن أرتبط معها بعلاقة حبّ أصلاً. كان الأمر كارثة كادت أن تفضي بي إلى الجنون والإنتحار. ولكن نداء الشعر أنقذني.

19. ترجمت أعمالك إلى الألمانية والإيطالية وغيرها؛ ما الذي يتغير في “روح النص” عندما يخاطب قارئاً بلغة أخرى؟
الأعمال التي تُرجمت إلى الألمانية واليونانية والإيطالية والهولندية كُتبت بالإنكليزية، بلغة أخرى، أصلاً. لم أسع إلى أن اكون واضحاً ومفهوماً ولا أظن أن أحداً فهمها، ربما ما عدا أكاديمية بريطانية تُدعى ريتشل هاريس. كتبت دراسة رائعة عن رواية “وهم العودة”. وهي فهمت الرواية حقاً لأنها
أصلاً متخصصة بالأدب والثقافة العبرية في إسرائيل، وعلى دراية تامة بمرجعيات الرواية غير المُعلنة أو الواضحة.
20. كيف تنظر إلى المشهد النقدي العربي الحالي؟ وهل تعتقد أنه ينصف الأدب المكتوب في المَهاجر؟
كففت عن متابعة النقد الأدبي العربي منذ أعوام عديدة. الناقد الوحيد الذي قرأت أعماله بشغف في غضون الأعوام العشرة الأخيرة هو الناقد المفكر المغربي عبد الفتاح كيليطو. كاتب مدهش. مقالاته النقدية أشبه بنصوص ابداعية.
المحور الخامس: مراجعات ومستقبل الكتابة
21. حصلت على جائزة “توتشولسكي” لحرية التعبير؛ ما هي الكلفة الحقيقية التي يدفعها الكاتب ليظل مستقلاً؟
الموت. أو الكآبة والفقر والتهميش والتجاهل. أن تكون مستقلاً هو أن تعيش في البرية والفراغ وفي أحسن الأحوال في الهامش.
22. العالم يعيش اليوم سيولة تكنولوجية وتغيرات سياسية متسارعة؛ كيف ستتغير “رواية اللجوء والمنفى” في القرن الحادي والعشرين؟
حقيقة لا أعرف. لا أفكر بالأمر كثيراً لكي أتكهن بما سيجري.
23. لو أتيحت لك فرصة إعادة كتابة إحدى رواياتك القديمة برؤية اليوم، أي أعمالك ستختار ولماذا؟
رواية “اتفاقية حبّ” كنت سأمزقها وألقي بها في سلة المهملات.
24. ما هو المشروع الأدبي أو الفكري الذي ينشغل به سمير اليوسف حالياً ولم يخرج إلى النور بعد؟
لا احبّ كلمة مشروع. ولكنني أشتغل على عدة كتب من بينها كتاب نصوص سيرة ذاتية بعنوان “مثل يقين الماء” وآخر مقالات ونصوص عن الحبّ بعنوان “ليس لي سواك” وثالث مزيج من شعر ونثر بعنوان “أطفال بودلير”.
لقد بلغت طوراً في الكتابة لم يعد تهمني المسميات والتصنيفات، لا يهمني إن قيل لي بأن ما أكتبه لا يقع تحت صفة الشعر أو ليس سرداً قصصياً .. إلخ. أكتب نصاً، قصيدة أو مقالة فلسفية أو سرداً قصصياً من الخيال أو تأملات وشذرات. لذلك أتمنى ألا أرحل قبل أن أتمكن من اتمامها ونشرها.
25. ختاماً، ما هي النصيحة الفلسفية أو الأدبية التي تقدمها للجيل الجديد من الكتاب العرب المغتربين؟
النصيحة التي أقدّمها لكل كاتب جديد هي قبل أن تأخذ نفسك على محمل الجدّ إقرأ! أقرأ كثيراً وفكر بما تقرأ. وإذا تبيّن لك بعد كل هذه القراءة بأنك قادر على اضافة الجديد أكتب. وإلا دعك من هذه القصة وأكتف بأن تكون قارئاً سعيداً!