د. نادية الجدوع
هناك كلماتٌ تبدو صغيرة في أفواه الناس، لكنها تحمل خلفها تاريخًا كاملًا من الذاكرة والوعي والتجربة. ومن بين تلك الكلمات العراقية التي لا تحتاج إلى قاموس لتُفهم، تأتي كلمة «سالوفة». نقول: «هاي سالوفة»… وكأننا نغلق بها باب الكلام. لكن هل كل ما نسمّيه «سالوفة» هو فعلًا سالوفة؟ أم أننا، مع مرور الزمن، تعلّمنا أن نختصر الحقائق الكبيرة بكلمة صغيرة، حتى لا نضطر إلى مواجهة ما وراءها؟
هنا تبدأ الحكاية. ليست كل سالوفة بريئة في مجتمعٍ مرّ بحروب، وأزمات، وتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، لم تعد «السالوفة» مجرد حكاية تُروى في مجلس. أحيانًا تكون السالوفة ذاكرة. وأحيانًا تكون تحذيرًا. وأحيانًا تكون محاولةً لتفسير شيء لم نستطع تفسيره رسميًا. وأحيانًا أخطر من ذلك كله… أن تتحول السالوفة إلى بديل عن الحقيقة. وهنا علينا أن نتوقف. لأن المجتمع الذي يستبدل المعلومة بالسماع، والدليل بالتناقل، والمسؤولية بالتبرير، يصبح مع الوقت أسيرًا لما يُقال، لا لما هو موجود بالفعل.
نحن لا نعاني من كثرة الكلام… بل من غياب السؤال المشكلة ليست أن العراقي يتحدث. العراقي بطبيعته صاحب حكاية، وذاكرة، ومثل، ونكتة، وموقف. المشكلة تبدأ عندما نتوقف عن السؤال:من قال؟ ولماذا قال؟ وما الدليل؟ ومن المستفيد؟ وأين الحقيقة؟
عندها تتحول السالوفة من حكاية عابرة إلى قوة قادرة على تشكيل الرأي العام. وهنا تصبح مسؤولية الكلمة أخطر من مسؤولية الصمت. فالصحافة الحقيقية لا تصنع سالوفة. الصحافة الحقيقية تفكك السالوفة. تضعها أمام الحقيقة. تسأل. تدقق. تواجه. ثم تقول للناس: هذا ما نعرفه وهذا ما لا نعرفه وهذه هي الحقيقة التي يجب ألا تضيع بين الاثنين.
العراق لا يحتاج إلى مزيد من الحكايات العراق اليوم لا يحتاج إلى من يرفع صوته أكثر. ولا يحتاج إلى من يبيع للناس الوهم على أنه إنجاز. ولا يحتاج إلى من يحوّل كل قضية إلى معركة شخصية. العراق يحتاج إلى عقلٍ هادئ، ودولةٍ قوية، ومؤسساتٍ تعرف واجبها، وإعلامٍ لا يخاف الحقيقة، ومواطنٍ لا يتنازل عن حقه في المعرفة. نحن بحاجة إلى أن ننتقل من ثقافة: «سمعت…» إلى ثقافة: «تحققت…» ومن: «يكولون…» إلى: «الدليل يقول…» ومن: «هاي سالوفة…» إلى: «هذه قضية يجب أن نناقشها.» وهذه ليست مجرد نقلة في اللغة. إنها نقلة في الوعي.
أخطر السوالف هي التي نعتاد عليها هناك أشياء كانت بالأمس تصدمنا، ثم أصبحت اليوم عادية. وهناك ممارسات كنا نرفضها، ثم بدأنا نتعايش معها. وهناك أخطاء كنا نسميها أخطاء، ثم أصبحنا نبحث لها عن الأعذار. وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالمجتمعات لا تتراجع فقط عندما تقع الكارثة. أحيانًا تتراجع عندما تفقد قدرتها على الاستغراب من الخطأ. عندما يصبح غير الطبيعي طبيعيًا. والاستثناء قاعدة. والتجاوز وجهة نظر. والفساد «شغل دنيا». والكفاءة «حظ».
والقانون «على الضعيف».عندها لا تعود المشكلة في السالوفة. المشكلة في أننا صدّقناها حتى أصبحت جزءًا من حياتنا.
الدولة لا تُبنى بالسوالف الدولة لا تُبنى بما يُقال في المجالس. ولا بما يلمع في المنصات. ولا بكثرة البيانات والصور والشعارات. الدولة تُبنى عندما يعرف المواطن أن هناك قانونًا يحميه، ومؤسسةً تحاسبه وتحميه، وقرارًا يُتخذ وفق المصلحة العامة، ومسؤولًا يعرف أن المنصب تكليف لا امتياز.
الدولة هي أن يصبح القانون أقوى من العلاقات. والمؤسسة أقوى من الشخص. والحقيقة أقوى من الإشاعة. والكفاءة أقوى من المحسوبية. والمصلحة الوطنية أعلى من المصالح الضيقة. عندها فقط نستطيع أن نقول: نحن لا نروي سالوفة عن الدولة… نحن نبني دولة.
أما الصحافة… فليست مجلس سوالف الصحافة ليست مكانًا لتصفية الحسابات.
وليست منصة لتلميع الأشخاص. وليست مصنعًا للشائعات. وليست سباقًا على من يسبق الآخرين بعنوان أكثر إثارة. الصحافة مسؤولية. والقلم عهد. والكلمة حين تصل إلى آلاف الناس لا تعود ملكًا لكاتبها وحده؛ تصبح جزءًا من الوعي العام. ولهذا أؤمن أن الصحفي الحقيقي لا يسأل: كيف أجعل الناس تتحدث عن مقالي؟ بل يسأل: ماذا سيبقى في وعي الناس بعد أن ينتهي الحديث عن المقال؟ وهنا الفرق بين الترند وبين الأثر. فالترند قد يعيش ساعات. أما الفكرة الحقيقية فقد تعيش سنوات.
رسالة إلى من يكتب… وإلى من يقرأ لا تصدقوا كل ما يُقال. ولا تكذبوا كل ما لا يعجبكم. لا تجعلوا التصفيق معيار الحقيقة. ولا تجعلوا الخصومة سببًا لإنكارها. اسألوا. دققوا. اقرؤوا. قارنوا. ثم احكموا. فالوعي ليس أن تعرف كل شيء. الوعي أن تعرف كيف تميّز بين ما يستحق أن يُصدَّق، وما يستحق أن يُسأل عنه، وما يستحق أن يُرفض.
وفي النهاية… ربما ستبقى «السالوفة» جزءًا جميلًا من الذاكرة العراقية. نرويها، ونضحك منها، ونتذكر بها أيامًا مضت. لكن العراق الذي نريده للمستقبل لا يمكن أن يُدار بمنطق السالوفة. نريد عراقًا تكون فيه الحقيقة خبرًا، والقانون قرارًا، والكفاءة معيارًا، والمسؤولية ثقافة، والإنجاز واقعًا. نريد أن نصل إلى اليوم الذي لا يحتاج فيه المواطن إلى أن يقول: «يكولون…» لأن المؤسسات تقول. ولا يحتاج إلى أن يسأل: «شنو السالفة؟» لأن الحقيقة واضحة. ولا يحتاج إلى أن يخاف من السؤال. لأن الدولة التي تحترم مواطنيها لا تخاف من السؤال… بل تخاف من غيابه.وهنا، ربما تنتهي السالوفة. وتبدأ الدولة.