هورين حسن
يمثل التاريخ الإيزيدي مسيرة حافلة بالتضحيات والصمود بوجه حملات الإبادة الممنهجة التي تعاقبت على هذا المكون الديني الأصيل منذ قرون.
ومع بزوغ فجر آب الأسود عام 2014، واجه الإيزيديون في قضاء سنجار واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في التاريخ الحديث على يد تنظيم داعش.
وفي منتصف ذلك الشهر، وتحديداً في 15 آب، شهدت قرية “كوجو” مجزرة مروعة شكلت ذروة التوحش الداعشي وحلقة دموية جديدة انضمت إلى سلسلة “الفرمانات” التاريخية المفتوحة.
14 آب 2007: تفجيرات القحطانية والجزيرة (مقدمة المحو)
قبل غزو داعش لنينوى بسبع سنوات، تعرض الإيزيديون في 14 آب 2007 إلى واحدة من أعنف العمليات الإرهابية المنظمة في التاريخ الحديث.
حيث استهدفت أربع شاحنات مفخخة مجمعي القحطانية (تل عزير) والجزيرة(سيبا شيخ خدر) في قضاء سنجار.
أسفرت هذه الهجمات الغادرة عن استشهاد ما يقارب 800 شخص وإصابة الآلاف وتدمير البنى التحتية للمجتمع الإيزيدي بالكامل.
كان هذا الهجوم بمثابة جرس إنذار مبكر ومؤشر واضح على النوايا المبيتة لاقتلاع هذا المكون الأصيل من أرض أجداده.
3 آب 2014: سقوط سنجار وبداية الإبادة الكبرى
تجسدت ذروة تلك النوايا الإجرامية في 3 آب 2014، عندما اجتاح تنظيم داعش “قضاء سنجار” وقراه المحيطة بعد انسحاب القوى الأمنية.
في ذلك اليوم الأسود، ارتكب التنظيم مجازر حصدت أرواح أكثر من 1200 إيزيدي في الساعات الأولى، واقتيدت آلاف النساء والفتيات كسبايا، فر مئات الآلاف نحو جبل سنجار تحت ظروف مناخية وإنسانية قاسية، لتعلن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لاحقاً هذه الأحداث كـ “إبادة جماعية” مكتملة الأركان.
15 آب 2014: مجزرة قرية “كوجو” (ذروة الوحشية الممنهجة)
لم تكن قرية كوجو (جنوب جبل سنجار) بمنأى عن هذا العصف، إلا أن مأساتها اتخذت طابعاً أكثر تنظيماً وقسوة؛ حيث فرض عليها التنظيم حصاراً خانقاً دام 12 يوماً بعد سقوط سنجار.
وفي 15 آب 2014، جمع المسلحون أهالي القرية داخل مدرستها الثانوية، وخيروهم بين تغيير معتقدهم الديني أو الموت.
أظهر أبناء القرية صموداً منقطع النظير متمسكين بهويتهم وإيمانهم، فما كان من التنظيم إلا أن قام بفصل الرجال والشباب عن النساء والأطفال.
واقتيد أكثر من 400 رجل وشاب إلى أطراف القرية حيث جرى إعدامهم بدم بارد ودفنهم في مقابر جماعية. بينما سُبيت النساء والأطفال ونُقلوا إلى أسواق النخاسة في الرقة وتلعفر والموصل.
الرابط العقائدي والتاريخي للإبادات
إن الربط بين تواريخ (14 آب 2007) و(3 آب 2014) و(15 آب 2014) يكشف عن نسق إرهابي متكامل لا يعتمد على الصدفة؛ فالجغرافيا المستهدفة هي ذاتها (سنجار)، والضحية المستهدفة هي ذاتها (الإيزيديون)، والدافع الأيديولوجي هو إلغاء الآخر وتطهيره عرقياً ودينياً.
تحولت كوجو من قرية وادعة إلى رمز عالمي لصمود الضحايا، ومثالاً صارخاً للمقابر الجماعية التي ما زالت تكشف عن رفات الشهداء حتى اليوم.
صمود يغلب الفناء وثقافة تأبى النسيان
ستبقى دماء شهداء كوجو، وأرواح ضحايا سنجار والقحطانية، منارات شاهدة على وحشية الإرهاب وفي الوقت ذاته على صمود ثقافة تأبى الفناء.
وعلى الرغم من بشاعة المحاولات المتكررة لمحو الوجود الإيزيدي واقتلاعه من جذوره التاريخية عبر 74 “فرماناً” وحملة إبادة ممتدة من فجر التاريخ والأزمنة الخالية، يثبت هذا المكون الأصيل يوماً بعد يوم أنه أقوى من الموت وأبقى من الطغاة.
إن المقابر الجماعية التي ما زالت تكشف عن رفات الأبرياء ليست مجرد شواهد على مجزرة، بل هي وثيقة عهد تاريخية تؤكد أن الهوية الإيزيدية التي صمدت لقرون في وجه أعتى حملات التطهير العرقي، ستبقى متجذرة في عمق هذه الأرض، عصية على المحو والنسيان، بانتظار تحقيق العدالة الدولية الشاملة وتأمين مستقبل مستقر ومصان لأبنائها.