د . أميمة منير جادو
كَأَنَّنَا، يَا عُمْرِي، لَمْ نَفْتَرِقْ،
وَكَأَنَّنِي، يَا عُمْرِي،
لَمْ أَقْضِ أَلْفَ عَامٍ فِي بُعْدِكَ أَحْتَرِقْ.
هَا أَنْتَ بِحَدِيثِكَ العَذْبِ،
وَبِخِفَّةِ رُوحِكَ نُجُومٌ، شُمُوسٌ، أَقْمَارٌ، وَأَلَقٌ.
أَكَانَتْ مُهَاتَفَةً تِلْكَ،
أَمْ كَرْنَفَالًا وَقَوْسَ قُزَحٍ، وَنَهْرًا مِنْ فَرَحٍ دَفَقْ؟
عَذْبٌ أَنْتَ، كَالطُّفُولَةِ،
كَاللَّحْنِ الجَمِيلِ، كَالحُلْمِ السَّعِيدِ دُونَمَا نَزَقْ.
هَا نَحْنُ نَعُودُ بَرِيئَيْنِ كَمَا كُنَّا،
بَعِيدًا عَنْ سَاحَاتِ العِتَابِ وَالمَلَامَةِ
وَسِمَاتِ مَنْ عَشِقْ.
لَا، لَمْ أَعُدْ أَشْتَهِي عِشْقَكَ الَّذِي كَانَ،
لَا، لَمْ أَعُدْ دُمْيَةً فِي مُفْتَرَقٍ.
بَلْ أَنَا طِفْلَةُ الأَمْسِ الَّتِي كَانَتْ
تَفْرَحُ مَعَكَ،
تَفْرَحُ بِكَ،
وَتَلْقَاهَا كَالنَّبْعِ الصَّافِي فَوْقَ الطُّرُقِ.
سَاعَاتٌ ثَلَاثٌ كَانَتْ بَيْنَنَا، أَوْ مَا يَقْتَرِبُ،
أَذَابَتْ جِبَالًا مِنْ جَلِيدٍ
تَرَاكَمَ فِي الرُّوحِ مُنْذُ وَدَّعْتَنِي
وَتَرَكْتَنِي أَلْفَ أَحْتَرِقْ.
—–
يَتَسَابَقُ الحَدِيثُ بَيْنَنَا،
تَارَةً تَقْطَعُنِي، وَتَارَةً أَقْطَعُكَ،
وَكِلَانَا يَتَلَهَّفُ حَدِيثَ الآخَرِ،
وَكِلَانَا لِلْآخَرِ يَسْتَبِقُ،
وَكَأَنَّنَا لَحْظَةً وَاحِدَةً لَمْ نَفْتَرِقْ.
آهْ يَا عُمْرِي، يَا بَعْدَ عُمْرِي،
أَأَنْتَ الَّذِي تُشَكِّرُنِي،
أَمْ أَنَا أَلْفَ أَلْفٍ أَشْكُرُكَ؟
لَا، لِأَنَّكَ تَهْوَانِي،
فَمَا أَحْسَبُكَ بِالصَّبِّ تَعْلَمُ،
وَمَا أَحْسَبُكَ مِنَ الجَوَى تُعَانِي،
وَلَكِنْ لِأَنَّ طِفْلَ الأَمْسِ لَمْ يَزَلْ بِدَمِكَ،
بِكُلِّ هَذَا المَرَحِ وَالشَّغَبِ وَالقَلَقِ.
إِنْ تَنْأَ أَلْفَ عَامٍ،
وَتَعُدْ بَعْدَهَا كَمَا أَنْتَ،
طِفْلًا جَمِيلًا،
فَحَتْمًا حَتْمًا سَأَعْذُرُكَ،
وَلَسَوْفَ دَوْمًا أَشْكُرُكَ،
أَشْكُرُكَ، أَشْكُرُكَ.
سُوَيْعَاتٌ مَضَتْ كَأَنَّهَا لَمْحُ البَصَرِ،
فَحَدِيثُكَ الشَّهِيُّ، يَا أَيُّهَا البَهِيُّ، قَدْ وَلَّدَ الفِكْرَ.
سُوَيْعَاتٌ مَضَتْ، خَطَّهَا القَدَرُ،
مَا خَطَّطَ العَقْلُ،
وَلَا القَلْبُ انْتَظَرَ،
وَقَدْ دُفِنَ الأَمَلُ مُنْذُ قَدِيمِ الأَزَلِ،
وَلَكِنَّهُ المَوْلَى قَدَّرَ، وَعَزَّ مَنِ اقْتَدَرَ.
سُوَيْعَاتٌ مَضَتْ تَحْتَ ضَيْكِ يَا قَمَرُ،
وَأَنَا أَرْقُبُكَ طَائِرًا بَيْنَ السُّحُبِ،
فَنَسْتَبِقُ الكَلِمَ،
وَنَرْكَبُ الرِّيَاحَ كَطَائِرٍ ذِي جَنَاحٍ،
نُزَقْزِقُ أَنْغَامًا فَوْقَ الشَّجَرِ.
نَتَحَدَّثُ فِي العَمَلِ،
وَتَتَلَاقَحُ الفْكَرُ،
تَتَزَاوَجُ، تَتَوَالَدُ، أَعْظَمَ مِنَ البَشَرِ.
تَحْكِي وَأَحْكِي،
مَا أَجْمَلَ الحَكَايَا، مَا أَحْلَى الخَبَرَ،
حِكَايَةُ البَرَاءَةِ وَبُعْدِ النَّظَرِ،
حِكَايَةُ ضمير يقظ
وكيف انْتَصِرُ،
وَصَوْتُكَ المَرِحُ
وَحَدِيثُكَ الطَّيِّبُ
أَطْيَبُ مِنْ أَرِيجِ الزَّهْرِ.
آهْ يَا طِفْلًا جَمِيلًا لَمْ يَزَلْ،
نَقِيَّ السَّرِيرَةِ، طَيِّبَ الأَثَرِ،
سَأَظَلُّ أَدْعُو لَكَ بِالصِّحَّةِ وَالفَرَحِ،
وَبِطُولِ العُمْرِ.