صالح شيخ محمد الكسنزاني
تقوم الفرضية الرئيسية التي تنادي بها نظرية العقد الاجتماعي على أن القانون والنظام السياسي ليسا أمرين طبيعيين، بل هما من ابتكار البشر وتنظيمهم. ويعمل العقد الاجتماعي والنظام السياسي الناشئ عنه بوصفهما وسيلة للوصول إلى غاية، تتمثل في تحقيق منفعة الأفراد الذين يشملهم هذا العقد. ويكون العقد الاجتماعي مشروعًا وشرعيًا ما دام أطرافه ملتزمين بما اتفقوا عليه.
ولكن، هل يوجد عقد اجتماعي في العراق؟ وهل هناك هدف واضح ومحدد من وراء هذا العقد؟ وإذا كان هذا العقد قائمًا بين الشعب العراقي والنظام السياسي في العراق، والمتمثل بالدستور، فأين نضع الدور الإيراني وقراراته وتدخلاته وزيارات قادته إلى العراق؟
يرى توماس هوبز أن الحكومة ليست طرفًا في العقد الأصلي، وأن المواطنين لا يكونون ملزمين بالخضوع للحكومة عندما تكون أضعف من أن تتصرف بحزم لمنع التحزب والاضطراب المدني. ووفقًا لمنظرين آخرين في نظرية العقد الاجتماعي، فإنه في حال فشل الحكومة في تأمين الحقوق الأساسية للمواطنين، كما يرى جون لوك، أو عجزها عن تلبية أهم مصالح المجتمع، وفق مفهوم جان جاك روسو عن «الإرادة العامة»، يمكن للمواطنين حينها الامتناع عن طاعة الحكومة أو العمل على تغيير القيادة عبر الانتخابات أو الوسائل السياسية الأخرى، وقد يصل الأمر، في بعض التصورات النظرية، إلى اللجوء إلى العنف.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل الحكومة العراقية قادرة على الحفاظ على سيادة البلاد وضمان حقوق المواطن؟
إذا كانت الإجابة: كلا، فهل يمكن، استنادًا إلى ما طرحه جان جاك روسو حول العلاقة بين الإرادة العامة والسلطة، اعتبار تمرد الشعب ومواجهة السلطة أمرًا مشروعًا أو مبررًا؟ أم أن شرعية التغيير تظل مرتبطة بالوسائل الدستورية والقانونية التي يقرها العقد الاجتماعي نفسه؟
آمن جون لوك بأن الحقوق الطبيعية للإنسان غير قابلة للمصادرة، ومن ثم فإن سلطة الحكومة ليست مطلقة، بل تظل مقيدة بحماية تلك الحقوق. أما روسو، فقد رأى أن الديمقراطية، أو الحكم الذاتي، هي الطريق الأمثل لضمان رفاهية المجتمع، مع بقاء الحرية الفردية خاضعة لحكم القانون والإرادة العامة.
وقد انعكست أفكار لوك حول الحقوق الطبيعية والعقد الاجتماعي في الفكر السياسي الذي رافق إعلان الاستقلال الأمريكي. ثم تراجعت نظريات العقد الاجتماعي خلال القرن التاسع عشر مع صعود اتجاهات فكرية أخرى، مثل النفعية والهيغلية والماركسية، قبل أن تعود إلى الواجهة في القرن العشرين، ولا سيما في صورة تجربة فلسفية ذهنية لدى جون رولز.
ومن هنا يمكن طرح السؤال مجددًا: هل نستطيع إعادة إحياء فكرة العقد الاجتماعي والتعامل معها في العراق اليوم؟
وهل يمكن أن نعيد النظر في العلاقة بين الحكومة والشعب والتدخلات الخارجية، ولا سيما الدور الإيراني، في ضوء مفهوم العقد الاجتماعي، بحيث يكون الدستور هو المرجعية التي تنظم العلاقة بين الدولة والمواطن، وتحفظ سيادة العراق وحقوق أبنائه؟
ولعل المثل العراقي القائل: «كلمن طينته بخدّه»، يمكن أن يكون مدخلًا للتساؤل عن مسؤولية كل طرف من أطراف هذه المعادلة: الحكومة، والشعب، والقوى الخارجية المؤثرة في القرار العراقي.
ملاحظة
لم يطرح عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي نظرية تقليدية مباشرة في «العقد الاجتماعي»، على غرار الفلاسفة الغربيين مثل توماس هوبز وجان جاك روسو وجون لوك. إلا أن مشروعه الفكري والسوسيولوجي تناول، بصورة عميقة، جوهر بعض القضايا التي ترتبط بفكرة العقد الاجتماعي، ولا سيما من خلال تحليله لأزمة الولاءات، وتعارض سلطة الدولة القانونية مع العصبية القبلية والموروثات التقليدية في المجتمعات العربية والإسلامية، وبشكل خاص في المجتمع العراقي.
ومن هذا المنظور، يمكن الاستفادة من أفكار الوردي في فهم طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع في العراق، ومدى قدرة الدولة الحديثة على بناء ولاء وطني جامع يتقدم على الولاءات الفرعية، ويؤسس لعقد اجتماعي حقيقي يقوم على المواطنة، وسيادة القانون، وحماية الحقوق، وصيانة السيادة الوطنية.