قيامة الجبل

صلاح بكر

في السادس عشر من آب، حينما كانت الشمس تغازل قمم الجبال الشاهقة، وتنسج من خيوطها الذهبية حكاية شعب لم يعرف الانحناء، وُلد الحزب الديمقراطي الكوردستاني، لم يكن مجرد ولادة تنظيم سياسي في سجلات التاريخ، بل كان انبثاقاً لفجر جديد من رحم المعاناة الطويلة، وصرخة حرية دوت في أرجاء الوديان السحيقة لتعلن للعالم أن الكورد، كأشجار البلوط العتيقة، جذورهم ضاربة في أعماق الأرض وتيجانهم تعانق عنان السماء.

تأسس الحزب الديموقراطي الكوردستاني (الپارتي) في عام 1946، في لحظة تاريخية فارقة، حيث كانت الآمال الكوردية تتطلع إلى أفق يلملم شتات الهوية ويبدد ظلمات التهميش. جاء التأسيس بقيادة الأب الروحي للأمة الكوردية، الملا مصطفى بارزاني الخالد، ليكون المظلة الكبرى التي تجمع تحت ظلالها أحلام المحرومين وتطلعات التواقين للعدالة والكرامة. كانت الدواعي عميقة بقدر الجرح الكوردي النازف؛ فالحاجة كانت ملحة لكيان تنظيمي صلب يحمي الوجود القومي من رياح المحو، ويصون الهوية التي حاول الطغاة طمس معالمها، ويحول التضحيات الفردية المبعثرة إلى نضال مؤسساتي رصين قادر على مواجهة أعاصير السياسة وتقلبات الزمن، ويؤسس لمستقبل يضمن للشعب الكوردي مكانته المستحقة بين الأمم.

استمد الحزب قوته وصلابته من “عقيدة بارزان” الخالدة؛ تلك المدرسة التي لم تكن مجرد نهج عسكري للمقاومة، بل فلسفة إنسانية متكاملة ورسالة أخلاقية تقوم على اسس قيم ومبادئ التسامح، والتعايش السلمي، والإيمان المطلق بأن الحرية لا تُوهب كصدقة بل تُنتزع بالحق والصمود. إنها العقيدة التي علمت “الپيشمرگە” أن السلاح هو وسيلة مقدسة لحماية السلام لا لنشر الدمار، وأن المقاتل الحقيقي هو من يزرع بذور الأمل في قلب شعبه قبل أن يحصد ثمار النصر في ميدان المعركة. هذه المدرسة التي جعلت من كوردستان واحة للأمان لكل المظلومين، بغض النظر عن انتماءاتهم، مستلهمة ذلك من فكر البارزاني الذي آمن بأن كرامة الإنسان هي الغاية الأسمى، وأن الدفاع عن الأرض والعرض واجب مقدس.

وعلى مر العقود الثمانية، سطر الحزب بدم أبنائه وعرق مناضليه ملاحم بطولية أعجزت الواصفين. من ثورة أيلول العظيمة التي زلزلت عروش الظلم وأجبرت الخصوم على الاعتراف بالحق الكوردي، إلى ثورة گولان المجیدة التي جددت روح المقاومة في أحلك الظروف، وصولاً إلى تحقيق المنجزات التاريخية التي نراها اليوم واقعاً ملموساً. لم يكن اتفاق الحادي عشر من آذار عام 1970 إلا أولى ثمرات هذا الصمود الأسطوري، واليوم، يقف إقليم كوردستان كشاهد حي على عبقرية البناء؛ حيث تحولت الجبال التي كانت ملاذاً للمقاتلين وخنادق للمواجهة إلى منارات شامخة للعلم، والإعمار، والاستثمار العالمي، في ظل حكومة يقودها الحزب برؤية عصرية طموحة توازن بدقة متناهية بين الأصالة القومية والتجديد الحضاري، محققاً بذلك قفزات نوعية في كافة المجالات.

اليوم، لا يمثل الحزب الديمقراطي الكوردستاني رقماً صعباً في المعادلة العراقية فحسب، بل هو “بيضة القبان” ومحور الاستقرار الأساسي في المنطقة بأسرها. يقود حكومة الإقليم بحكمة واقتدار، محققاً طفرات نوعية في الخدمات والبنية التحتية، ويمارس دوراً دبلوماسياً رفيعاً في بغداد، حيث أضحى من البديهيات أنه لا يمكن رسم ملامح المستقبل العراقي أو اتخاذ القرارات المصيرية دون حضور فاعل ومؤثر لصوت كوردستان وحكمتها السياسية، التي أثبتت قدرتها على التعامل مع أعقد التحديات.

وعلى الصعيد الإقليمي، تحول الحزب بقيادة الرئيس مسعود بارزاني إلى وسيط موثوق للسلام ومنارة للاعتدال في محيط متلاطم بالأزمات. كان للحزب الدور الأبرز والمشهود في تقريب وجهات النظر ونشر قيم الحوار في دول الجوار، لاسيما في تركيا وسوريا، حيث سعى دوماً لحقن الدماء وضمان حقوق الشعوب عبر السبل الديمقراطية والحوار الحضاري، مؤمناً بعمق بأن استقرار الجار هو الضمانة الأكيدة لاستقرار الدار، وأن السلام هو اللغة الوحيدة التي يجب أن تسود بين شعوب المنطقة، ليعم الأمن والازدهار الجميع.

إن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وهو يوقد شمعة جديدة في ذكرى تأسيسه الثمانين، يجدد العهد لشعبه وللتاريخ بأنه سيظل الحارس الأمين لحلم بارزاني وهو حلم الشعب الكوردي، والجسر المتين الذي تعبر عليه الأجيال نحو مستقبل تسوده الحرية، الرفاهية، والسيادة. إنه حكاية شعب كتب تاريخه بقطرات الدم الطاهرة، ويصيغ حاضره بعقل منفتح على العالم، ويستشرف مستقبله بإيمان لا يتزعزع بأن شمس السادس عشر من آب ستظل تشرق أبداً، لتنير دروب الحرية لكل التواقين إليها، وتؤكد أن مسيرة النضال مستمرة نحو غدٍ أفضل.

قد يعجبك ايضا