داود سليمان بيگ
في السادس عشر من آب عام 1946، تأسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة الزعيم الخالد ملا مصطفى البارزاني . ليبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الحركة السياسية الكوردية والعراقية. وفي بدايات تأسيسه، حمل الحزب اسم الحزب الديمقراطي الكوردي قبل أن يقرر المؤتمر الثالث المنعقد في مدينة كركوك بتاريخ 26 كانون الثاني 1953، تغيير الاسم إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني بما يتيح عضويته لكل من يقيم في كوردستان، وليكون ممثلاً عن أبناء الشعب الكوردي في مختلف مناطق كوردستان.ويُعد الحزب الديمقراطي الكوردستاني من أقدم الأحزاب السياسية العراقية التي حافظت على وجودها واستمراريتها رغم عقود طويلة من الحروب والصراعات والمؤامرات والتحديات. فقد واجه ظروفاً سياسية وعسكرية بالغة الصعوبة، وقدم أجياله المتعاقبة تضحيات كبيرة في سبيل الدفاع عن الحقوق والمطالب المشروعة للشعب الكوردي.ولم تكن مسيرة الحزب سهلة، فقد صمد في مواجهة جيوش منظمة ومسلحة سعت إلى إخماد الثورة الكوردية كما واجه مواقف دول إقليمية قوية امتلكت إمكانات سياسية وعسكرية هائلة. وفي مقابل كل ذلك امتلك الحزب سلاحاً آخر تمثل في المبدأ والإيمان بالقضية والعقيدة البارزانية، وشجاعة رجاله وقدرتهم على الصمود أمام أقسى الظروف والتحديات.لقد كان الهدف الأساسي للحزب منذ تأسيسه الدفاع عن الحقوق القومية والسياسية للشعب الكوردي والسعي إلى تحقيق مطالبه المشروعة. وكان الشعب الكوردي، بما قدمه من تضحيات وصبر ومساندة شريكاً أساسياً في هذه المسيرة الطويلة حتى أصبح إقليم كوردستان اليوم واقعاً سياسياً يتمتع بدرجة واسعة من الحكم الذاتي ويوفر لأبنائه مساحة من الأمن والاستقرار والكرامة.وحافظ على هويته ومساره
ومن أبرز ما يميز الحزب الديمقراطي الكوردستاني على المستوى التنظيمي والسياسي أنه لم يجعل نشاطه أسيراً لأيديولوجيات مستوردة أو لنظريات جامدة تحد من قدرته على التكيف مع التحولات السياسية والاجتماعية. وعلى الرغم من امتلاكه دستوراً ونظاماً داخلياً ينظمان عمله فإنه حافظ على مرونة سياسية مكّنته من التعامل مع المتغيرات ومواصلة مسيرته عبر مراحل تاريخية شديدة التعقيد.وعند النظر إلى تاريخ الأحزاب السياسية في العراق منذ العهد الملكي مروراً بالجمهوريات المتعاقبة وصولاً إلى سقوط النظام البعثي، نجد أن كثيراً من الأحزاب والقوى السياسية اختفت أو ضعفت أو تغيرت أهدافها وشعاراتها مع مرور الزمن . فيما استطاع الحزب الديمقراطي الكوردستاني الحفاظ على كيانه واستمراره وحضوره السياسي.وقد شكلت هذه الاستمرارية واحدة من أبرز سمات الحزب إذ تمكن عبر عقود طويلة من المحافظة على قاعدته الشعبية وعلى حضوره السياسي رغم التغيرات الكبرى التي شهدها العراق والمنطقة. ولعل أبرز دليل عملي على النتائج التي حققتها مسيرة الحزب الديمقراطي الكوردستاني يتمثل في نشوء إقليم كوردستان وتطوره السياسي والمؤسساتي فالإقليم في نظر أنصار الحزب يمثل ثمرة لمسيرة طويلة من النضال والتضحيات التي بدأت منذ تأسيس الحزب وارتبطت بصورة وثيقة بالثورة الكوردية وقيادة البارزانيين. ويمكن تشبيه هذه المسيرة بشجرة زرعت بذرتها في ظروف قاسية؛ شقت جذورها طريقها بين صخور الجبال وواجهت العواصف والأعاصير ثم امتدت أغصانها لتثمر إنجازات سياسية واقتصادية واجتماعية ومؤسساتية.لقد تحول إقليم كوردستان رغم التحديات الكبيرة التي ما زال يواجهها إلى تجربة سياسية وإدارية لها حضورها في العراق والمنطقة، وأصبح رمزاً مهماً بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الشعب الكوردي ونتيجة لمسار طويل من التضحيات والنضال السياسي والعسكري. إن الحديث عن تاريخ الحزب الديمقراطي الكوردستاني لا ينفصل عن اسم الزعيم الخالد ملا مصطفى البارزاني الذي ارتبط اسمه بالحركة الكوردية وبمرحلة تأسيس الحزب ومسيرته الأولى. فقد شكلت القيادة البارزانية جزءاً أساسياً من هوية الحزب ورسخت لدى أجياله المتعاقبة مفاهيم الصمود والتضحية والتمسك بالحقوق.
وبعد مرور عقود على تأسيسه لا تكمن أهمية الحزب الديمقراطي الكوردستاني في كونه حزباً سياسياً قديماً فحسب بل في قدرته على البقاء والاستمرار والتكيف مع التحولات الكبرى التي شهدها العراق والمنطقة. وهكذا فإن مسيرة الحزب الديمقراطي الكوردستاني هي بالنسبة إلى مؤيديه مسيرة بدأت بفكرة وقضية ثم تحولت إلى حركة سياسية وثورة وتضحيات، وانتهت إلى بناء مؤسسات وإقليم له مكانته السياسية.لقد أثبتت التجارب التاريخية أن بقاء الأحزاب لا يرتبط بطول عمرها فقط، وإنما بقدرتها على الحفاظ على جمهورها وأهدافها والتعامل مع المتغيرات. ومن هذا المنظور يرى أنصار الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن ما تحقق في إقليم كوردستان يمثل أبرز ثمرة لمسيرته الطويلة وأن الحزب سيواصل أداء دوره في رسم مستقبل كوردستان والدفاع عن تطلعات شعبها