عرفان الداوودي
لا فرق بين العمامة السوداء والبيضاء عندما يكون المال العام هو الضحية
منذ عام 2003، لم يكن العراق أمام أزمة فساد عابرة، بل أمام منظومة سياسية واقتصادية متكاملة أنتجت المحاصصة، ووسعت نفوذ الأحزاب، وحولت مؤسسات الدولة إلى ساحات لتقاسم النفوذ والمال.
والمشكلة ليست في الإسلام، ولا في المذهب الشيعي أو السني، ولا في المساجد والجوامع والعتبات.
المشكلة في من استخدم الدين للوصول إلى السلطة، ثم استخدم السلطة للوصول إلى المال، ثم استخدم الدين أو الطائفة لحماية السلطة والمال.
ولهذا يجب أن تكون الكلمة واضحة:
لا فرق بين عمامة سوداء وعمامة بيضاء عندما يكون المال العام هو الضحية.
ولا فرق بين الوقف الشيعي والوقف السني عندما يتعلق الأمر بالرقابة والمحاسبة والشفافية.
850 مليار دولار… أين ذهبت؟
في عام 2015 أعلن وزير النفط آنذاك عادل عبد المهدي أن مجموع موازنات العراق منذ عام 2003 بلغ نحو 850 مليار دولار، معتبراً الأرقام تقديرية، وتداولت تقارير وتصريحات رسمية وإعلامية آنذاك تقديرات بخسائر ضخمة بسبب الفساد والهدر.
وهنا السؤال الذي لا يجوز أن يموت:
إذا كانت موازنات العراق قد بلغت مئات المليارات من الدولارات، فلماذا بقي المواطن يعاني من الكهرباء والماء والطرق والمستشفيات والمدارس والبطالة والفقر؟
أين ذهبت أموال النفط؟
ومن استفاد منها؟
ومن وقع العقود؟
ومن استلم العمولات؟
ومن وفر الحماية السياسية؟
هذه ليست أسئلة طائفية.
هذه أسئلة دولة.
الوقفان… مئات المليارات من خزينة الدولة
بحسب تقارير منشورة عن موازنة عام 2019، بلغت تخصيصات الوقف الشيعي 585 مليار دينار، والوقف السني 284 مليار دينار، أي أن مجموعهما يبلغ 869 مليار دينار، مع وجود مصادر وتقارير أخرى أوردت أرقاماً مختلفة في طريقة احتساب إجمالي موازنات الأوقاف.
وهذا الاختلاف نفسه يستوجب نشر جداول الموازنة الرسمية وتفاصيل التخصيص والصرف أمام الشعب.
لكن بعيداً عن اختلاف الأرقام، يبقى السؤال:
كيف تُصرف هذه المليارات؟
هل كل دينار يذهب إلى مشروع حقيقي؟
هل كل عقد منفذ؟
هل كل جامع أو مسجد أو مشروع مسجل؟
هل كل موظف موجود فعلاً؟
هل كل مشروع أُنجز بالمواصفات والكلفة المعلنة؟
وهل يستطيع المواطن العراقي الاطلاع على الحسابات التفصيلية؟
المال العام له حرمة
الدستور العراقي حسم المسألة؛ فالمادة 27 تنص على أن:
«للأموال العامة حرمة، وحمايتها واجب على كل مواطن».
كما أن قانون العقوبات العراقي وضع عقوبات على اختلاس المال واستغلال الوظيفة والاستيلاء بغير حق على أموال الدولة.
إذن لا توجد في القانون العراقي مادة تقول:
إذا كان الفاسد يلبس العمامة فهو معفى من الحساب.
ولا توجد مادة تقول:
إذا كانت المؤسسة دينية فلا تخضع للرقابة.
الإسلام نفسه يضع المال أمانة
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾
وقال تعالى:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾
وقال رسول الله ﷺ:
«أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
فأي دين هذا الذي يطالب المواطن بالأمانة، ثم يسكت عن هدر مال الشعب؟
الدين ليس حصانة للفاسد، والعمامة ليست بطاقة إعفاء من القانون.
ملفات الوقف الشيعي
وردت خلال السنوات الماضية تقارير صحفية ونيابية عن ملفات فساد وشبهات مالية وإدارية داخل ديوان الوقف الشيعي، من بينها ما يتعلق بمصروفات ومشاريع وعقود.
ومن بين ما نشر آنذاك الحديث عن مبلغ 66 مليون دينار قيل إنه خصص لإقامة احتفال بولادة الإمام الحسن ولم يُنفذ وفق ما ورد في تلك التقارير.
كما أثير ملف 63 طناً من الشاي قيل إنها استوردت على حساب موازنة الوقف لتوزيعها على المواكب الحسينية، مع تساؤلات نيابية وإعلامية عن مصيرها.
هذه الملفات يجب ألا تبقى مجرد مادة للصحافة.
إذا كانت صحيحة فليحاسب المسؤول عنها، وإذا كانت غير صحيحة فليخرج أصحابها بالأدلة ويكذبونها.
هذه هي الدولة.
جامعة البكر… ملف يحتاج إلى إجابة
ومن الملفات التي أثيرت إعلامياً ملف أراضي جامعة البكر للدراسات العسكرية، وما رافق انتقالها إلى الوقف الشيعي من جدل قانوني ومالي.
وهنا يجب أن تكون الإجابة من الوثائق الرسمية:
من باع؟ ومن اشترى؟ وبأي قانون؟ وبأي سعر؟ ومن وافق؟ وماذا قالت المحاكم؟
فالأرض عراقية، والمال مال الشعب، وأي تصرف بها يجب أن يكون خاضعاً للقانون.
الوقف السني أيضاً ليس فوق المساءلة
وإذا كنا نطالب بمحاسبة الوقف الشيعي، فعلينا أن نقول الكلام نفسه عن الوقف السني.
فقد نشرت تقارير استناداً إلى وثائق وملفات عن أوجه إنفاق أثارت جدلاً، من بينها ما قيل عن صرف 220 مليون دينار على الهدايا عام 2016.
كما وردت اتهامات بشأن تخصيص 14.8 مليار دينار لترميم مساجد قيل إنها غير مدرجة في السجلات، ومبلغ 500 مليون دينار لبناية مجلس علماء العراق.
مرة أخرى:
هذه اتهامات وبيانات منشورة تحتاج إلى إثبات قضائي، وليست أحكاماً نهائية.
لكن السؤال يبقى:
لماذا لا تُفتح هذه الملفات أمام القضاء وتُعلن نتائجها للشعب؟
فائق الشيخ علي داخل البرلمان… ومفارقة الخمور والملاهي
وفي سياق الحديث عن ازدواجية الخطاب الديني والسياسي، لا يمكن تجاهل ما أثاره النائب السابق فائق الشيخ علي داخل مجلس النواب العراقي، عندما تحدث عن ارتباط تجارة الخمور والملاهي الليلية بجهات وأحزاب دينية، في تصريح أثار جدلاً واسعاً في حينه.
وهنا يجب أن نكون دقيقين:
التصريح السياسي ليس حكماً قضائياً.
لكن إذا كان لدى من أطلق هذه الاتهامات معلومات أو وثائق، فإن مكانها الطبيعي هو أمام القضاء والجهات الرقابية.
والسؤال الذي يطرح نفسه:
كيف يمكن لجهة سياسية ترفع شعار تحريم الخمر أن تُتهم في الوقت نفسه بالاستفادة من تجارة الخمور أو الملاهي؟
إذا كانت هذه الاتهامات صحيحة، فهذه ليست مجرد مفارقة أخلاقية؛ إنها قضية فساد واستغلال نفوذ تستوجب التحقيق.
وإذا كانت غير صحيحة، فعلى الجهات التي اتُّهمت أن تقدم الأدلة التي تثبت براءتها.
وهكذا نصل إلى جوهر المشكلة:
لسنا ضد الدين، وإنما ضد استخدام الدين ستاراً لحماية المال والنفوذ.
قال تعالى:
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
فالناس لا تحاسب الشعارات، وإنما تحاسب الأفعال.
ومن يرفع راية الإسلام عليه أن يكون أول المدافعين عن الأمانة والنزاهة والمال العام.
المشكلة ليست في الإسلام… بل في الإسلام السياسي
الإسلام بريء من الفاسدين الذين يستخدمون اسمه.
المشكلة عندما يتحول الدين إلى غطاء سياسي، والطائفة إلى سلاح انتخابي، والمؤسسة الدينية إلى حصة حزبية، والمال العام إلى غنيمة تتقاسمها القوى المتنفذة.
عندها لا يعود السؤال:
من شيعي ومن سني؟
بل:
من سرق؟ ومن هدر؟ ومن وقع؟ ومن استفاد؟ ومن تستر؟ ومن منع التحقيق؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن يجيب عنها القضاء.
لا فرق بين السارق الشيعي والسارق السني
نقولها دون تردد:
إذا ثبت أن شخصاً سرق المال العام، فهو سارق، سواء كان شيعياً أو سنياً، مسلماً أو غير مسلم، متديناً أو غير متدين.
ولا يجوز أن نستخدم الدين لحماية الفساد.
ولا يجوز أن نستخدم الطائفة لحماية السارق.
ولا يجوز أن تتحول العمامة إلى جدار يحول دون وصول القضاء إلى الحقيقة.
قال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
هذه الآية يجب أن تكون دستوراً لمحاربة الفساد:
اعدلوا حتى على أنفسكم.
نريد كشف الحساب… لا الخطب
نطالب مجلس النواب والحكومة وهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية بأن يضعوا أمام الشعب العراقي:
* تفاصيل موازنات الوقفين منذ عام 2003.
* الإيرادات الذاتية لكل وقف.
* التخصيصات الحكومية السنوية.
* الرواتب والمخصصات.
* العقود والمقاولات.
* أسماء الشركات المنفذة.
* نسب الإنجاز الحقيقية.
* الأراضي والعقارات التي انتقلت إلى ملكية الأوقاف.
* الأموال التي صُرفت على المشاريع الدينية.
* نتائج التدقيق المالي.
* الملفات التي أحيلت إلى القضاء.
* نتائج التحقيقات والأحكام القضائية النهائية.
نريد كشف الحساب كاملاً.
ليس لأننا ضد الدين، بل لأننا مع الدين الحقيقي الذي يحرم أكل أموال الناس بالباطل.
لا نريد دولة شيعية ولا دولة سنية… نريد دولة قانون
العراق ليس ملكاً للوقف الشيعي.
وليس ملكاً للوقف السني.
وليس ملكاً لأي حزب إسلامي أو علماني أو قومي.
العراق ملك العراقيين.
وثروته ملك العراقيين.
وخزينته ملك العراقيين.
والمال العام أمانة في أعناق من يديرونه.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين شيعي وسني.
المعركة بين الدولة والفساد.
بين القانون والمحاصصة.
بين الشفافية والسرية.
بين من يريد العراق دولة مؤسسات، ومن يريدها كعكة تتقاسمها القوى المتنفذة.
كلمة أخيرة
لا نحاكم الإسلام بسبب فاسد لبس العمامة.
ولا نحاكم المذهب بسبب سياسي استغل الطائفة.
لكننا نحاسب ـ إذا ثبتت المسؤولية قضائياً ـ الفاسد الذي استغل الدين، والسياسي الذي استغل الطائفة، والمسؤول الذي استغل منصبه، وكل من هدر المال العام أو سهل هدره.
فالعمامة السوداء ليست فوق القانون.
والعمامة البيضاء ليست فوق القانون.
والمنبر ليس فوق القانون.
والحزب الديني ليس فوق القانون.
والوقف ليس فوق القانون.
فوق الجميع: الدستور والقانون وحرمة المال العام.
آن الأوان أن تنتهي لعبة تقسيم الكعكة.
آن الأوان أن نعرف:
من أخذ؟
ومن أعطى؟
ومن وقّع؟
ومن استفاد؟
ومن تستر؟
ومن منع التحقيق؟
وبعدها…
ليحكم القضاء.
فالقضية ليست شيعية ولا سنية.
القضية عراقية.
والمال مال الشعب.
ومن خان الأمانة، فليحاسبه القانون