حين تزول المكاسب الشخصية عن المنصب

نبيل عبد الأمير الربيعي

ثمة سؤال بسيط، لكنه يكشف جانباً عميقاً من أزمة العمل السياسي في العراق: ماذا سيبقى من إغراء المنصب العام إذا أزيلت عنه الامتيازات المبالغ فيها والمكاسب الشخصية؟
إن رفع الامتيازات الاستثنائية عن النواب والوزراء والرؤساء، وخفض رواتب شاغلي المناصب العليا إلى مستويات معقولة، وإلغاء التقاعد السياسي والامتيازات التي تمتد إلى ما بعد مغادرة المنصب، ليست إجراءات تستهدف المسؤول أو تنتقص من مكانته، وإنما هي إعادة للمنصب العام إلى معناه الطبيعي: خدمة مؤقتة للمجتمع، وليست مكاسب شخصية دائمة لصاحبها.
فالسياسة في جوهرها مسؤولية، والمنصب العام تكليف قبل أن يكون تشريفاً. لكن حين تتحول الوظيفة السياسية إلى منظومة واسعة من الرواتب والمخصصات والحمايات والامتيازات والتقاعد، يصبح المنصب في نظر البعض مشروعاً شخصياً مربحاً، وتتحول المنافسة عليه من صراع بين البرامج والمشاريع إلى صراع على النفوذ والمكاسب.
وهنا تكمن إحدى مشكلات الدولة الحديثة في العراق: ليست المشكلة دائماً في الأشخاص وحدهم، بل في النظام الذي يجعل المنصب مغرياً لمن يبحث عن المكاسب الشخصية أكثر مما يجعله جاذباً لمن يبحث عن المسؤولية.
فإذا كان الوصول إلى البرلمان أو الوزارة أو إحدى الرئاسات يفتح أبواباً واسعة للمنافع الشخصية، فمن الطبيعي أن يتكاثر الساعون إلى السلطة. أما حين يصبح المنصب عبئاً ومسؤولية، وتنتهي امتيازاته بانتهاء المهمة، فإن كثيراً ممن يبحثون عن المكاسب سيفقدون حماستهم له.
وهنا يظهر الفرق بين رجل الدولة ورجل المنصب.
رجل الدولة يرى السلطة وسيلة لخدمة الناس وبناء المؤسسات وحماية المال العام، بينما يرى رجل المنصب السلطة فرصة لتحقيق النفوذ والمكانة والمكاسب الشخصية. الأول يستطيع أن يغادر موقعه مرفوع الرأس لأنه ترك أثراً في حياة الناس، أما الثاني فيحسب ما خرج به من المنصب أكثر مما أنجزه خلال وجوده فيه.
إن الدولة التي تريد إصلاح سياستها لا يكفيها أن تغير الوجوه، بل عليها أن تغير قواعد الحوافز التي تحكم الوصول إلى السلطة. فحين تكون المنافع الشخصية ضخمة، يصبح المنصب هدفاً بحد ذاته، وحين تحاصر تلك المنافع بالقانون، يصبح الطريق إلى السلطة أقل إغراءً للانتهازيين وأكثر ملاءمة لأصحاب المشاريع الوطنية.
وليس من المنطق أن يتحول المنصب العام إلى ضمان مالي مدى الحياة. المسؤول الذي يتولى وظيفة عامة لسنوات محدودة لا ينبغي أن يحصل بسببها على امتيازات تفوق ما يحصل عليه المواطن الذي أمضى عمره في خدمة الدولة. العدالة تبدأ حين يشعر الجميع بأن القانون واحد، وأن الوظيفة العامة ليست طبقة اجتماعية منفصلة عن المجتمع.
لقد آن الأوان لأن نعيد تعريف السياسة في العراق بعيداً عن ثقافة الامتياز والغنيمة والمحاصصة. فالدولة ليست مغارة علي بابا، ومؤسساتها ليست خزائن مفتوحة أمام من يصل إلى مفاتيحها.
أزيلوا المكاسب الشخصية من المنصب، وستعرفون من جاء من أجل الوطن ومن جاء من أجل المنصب.
حينها فقط يمكن أن يصبح التنافس السياسي بحثاً عن الأكفأ والأكثر نزاهة، لا بحثاً عن الأكثر قدرة على اقتناص المكاسب.
فالأوطان لا تبنى بكثرة المتنافسين على الكراسي، وإنما برجال يعرفون أن الكرسي زائل، وأن ما يبقى هو أثر الإنسان في وطنه.

قد يعجبك ايضا