لماذا يبقى الانسان يبحث عن بيت؟

كمال عبيد

تكمن المشكلة حين نخلط بين امتلاك الأشياء وامتلاكالحياة. فشراء منزل لا يعني تلقائيًا صناعة بيت، كماأن اقتناء أثاث فاخر لا يخلق دفئًا عائليًا، تمامًا كماأن الساعة الثمينة لا تمنح صاحبها وقتًا إضافيًا معأطفاله. لهذا يقول العراقيون ببساطة تختصر تجربةأجيال كاملة: “البيت مو بالطابوقالبيت بأهله“…

في مساءٍ هادئ، عاد رجل إلى منزله بعد يومٍ طويلمن العمل. أوقف سيارته الفاخرة أمام بوابة كبيرة،فتح الباب الإلكتروني، وصعد إلى الطابق العلويحيث كل شيء في مكانه؛ الأثاث فاخر، والإضاءةمدروسة، والهدوء يملأ الزوايا. جلس في غرفةالمعيشة، نظر حوله طويلاً، ثم قال لنفسه بصوتٍخافت: “شنو ناقصني؟

لم يكن السؤال عن المال، فقد امتلك منه ما يكفي. ولميكن عن النجاح، فالجميع يصفه بالرجل الناجح. كانيبحث عن شيءٍ لا يُقاس بالأرقام، ولا يُودَع فيالمصارف، ولا يُشترى بعقد بيع أو فاتورة إلكترونية.

هذه اللحظة تتكرر بصور مختلفة في حياة كثير منالناس. وكلما ازدادت سرعة الحياة، ازداد معهاالاعتقاد بأن السعادة مشروعٌ اقتصادي، وأن المزيدمن المال يعني المزيد من الطمأنينة. ومع مرور الوقتيتحول السعي إلى الثروة من وسيلة لتحسين الحياةإلى غاية تستنزف الحياة نفسها.

تكمن المشكلة حين نخلط بين امتلاك الأشياء وامتلاكالحياة. فشراء منزل لا يعني تلقائيًا صناعة بيت، كماأن اقتناء أثاث فاخر لا يخلق دفئًا عائليًا، تمامًا كماأن الساعة الثمينة لا تمنح صاحبها وقتًا إضافيًا معأطفاله.

لهذا يقول العراقيون ببساطة تختصر تجربة أجيالكاملة: “البيت مو بالطابوقالبيت بأهله“. وهيعبارة شعبية تحمل من الحكمة أكثر مما تحملهعشرات الكتب في علم الاجتماع.

فالبيت يبدأ من شعور الإنسان بأنه مرحب به، وأنوجوده يترك أثرًا جميلًا في المكان، وأن أبناءهينتظرون عودته، وأن الحوار ما زال حيًا بين جدرانه. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تمنح الجدرانروحًا، وتحول المبنى إلى وطنٍ مصغر.

 

وفي زمن الاستهلاك، تبدلت معايير النجاح عندكثيرين. أصبح الإنسان يقيس قيمته بما يملك أكثرمما يقيسها بما يمنح. وصارت المقارنة اليومية معالآخرين مصدرًا دائمًا للقلق. كل صورة جديدة علىوسائل التواصل تفتح بابًا جديدًا للرغبة، وكل إعلانيقنعنا بأن سعادتنا مؤجلة إلى حين شراء منتج آخر. هذه الثقافة لا تصنع الرضا، لأنها تبني الإنسانعلى المقارنة المستمرة. ومن يقارن نفسه بالآخرين لنيصل إلى نهاية، لأن هناك دائمًا من يملك أكثر.

علماء النفس يتحدثون عن مفهوم يسمىالتكيفالمتعاقب، ويقصدون به قدرة الإنسان السريعة علىالاعتياد على النعم الجديدة. السيارة التي كانتحلمًا تصبح بعد أشهر شيئًا عاديًا، والمنزل الكبيريتحول إلى جزء من الروتين، والراتب المرتفع يصبحرقمًا مألوفًا، فتبدأ النفس رحلة جديدة نحو رغبةأخرى.

لهذا لا ترتفع مستويات السعادة دائمًا بارتفاعالدخل. وقد أظهرت دراسات عديدة في علم النفسالإيجابي أن العلاقات الإنسانية الدافئة، والإحساسبالمعنى، والانتماء الاجتماعي، تمثل عوامل أكثراستقرارًا في بناء الرضا عن الحياة مقارنةبالاستهلاك المادي وحده. وربما لهذا السبب نجدأشخاصًا يعيشون في بيوت متواضعة، لكنضحكاتهم تملأ المكان، بينما يسكن آخرون قصورًاواسعة يهرب كل واحد منهم إلى غرفته الخاصة.

في مجتمعاتنا العربية، أخذت سباقات الحياة بعدًاجديدًا. أصبح كثير من الآباء يعملون ساعات أطوللتوفير مستوى معيشة أفضل لأبنائهم، لكن الأبناءأنفسهم يبحثون عن وقت يجلس فيه الأب معهم حولمائدة واحدة.

كم من طفل لا يتذكر ثمن اللعبة التي اشتراها لهوالده، لكنه يتذكر رحلة قصيرة، أو حديثًا قبل النوم،أو ابتسامةً في يومٍ كان يحتاج فيها إلى الاحتواء.

الحياة لا تُختزل في الممتلكات، لأن الإنسان كائنيبحث عن المعنى قبل أن يبحث عن الرفاهية. ولهذاظل الحب، والطمأنينة، والصداقة، والثقة، والاحترام،من الكنوز التي بقيت خارج أسواق البيع والشراء.

وحين يتقدم العمر، تتغير قائمة الأمنيات بهدوء. يقلالحديث عن الأرباح، ويزداد الحديث عن الصحة،وعن الأولاد، وعن راحة القلب. وكثيرًا ما تسمع كبارالسن يرددون: “الراحة مو بكلشيالراحة بالبال“. وهي حكمة شعبية أثبتت التجارب صدقها أكثر منمرة.

لا يعني هذا التقليل من قيمة المال، فالفقر ليسفضيلة، والعوز يرهق الإنسان ويحد من خياراته. غيرأن الحكمة تكمن في معرفة اللحظة التي يتحول فيهاالمال من وسيلة لبناء الحياة إلى غاية تبتلع الحياةنفسها. الإنسان يحتاج إلى دخل كريم، لكنه يحتاجأيضًا إلى بيت يسمع فيه اسمه بمحبة، وإلى صديقيطمئن عليه من دون مصلحة، وإلى زوجة أو زوجيشعر معه بالأمان، وإلى أبناء يكبرون وهم يتذكرونحضوره أكثر مما يتذكرون الهدايا التي حملها. هذهالثروات لا تُقاس بالأرقام، لكنها الأكثر تأثيرًا فيجودة الحياة.

فالزينة جميلة، لكنها ليست الجوهر. وما يبقى فينهاية الرحلة ليس حجم الحساب البنكي، وإنما أثرالإنسان في قلوب من أحبهم. وعندما يطوي الإنسانسنوات عمره، لن يسأل نفسه كم حسابًا مصرفيًاامتلك، ولا كم سيارة قاد، ولا كم مترًا مربعًا كانيسكن. السؤال الذي سيبقى يرافقه ربما يكون أكثربساطة، وأكثر عمقًا في الوقت نفسه: هل صنعتُبيتًا، أم اكتفيتُ بشراء منزل؟ وهل تركتُ لأولاديرصيدًا في المصرف فقطأم تركتُ لهم ذاكرةً مليئةبالدفء، تجعلهم كلما غاب اسمي، ابتسموا قبل أنتدمع أعينهم؟ لعل أعظم الثروات تلك التي لاتستطيع البنوك حفظها، لكنها تبقى محفوظة فيالقلوب ما بقيت الحياة.

قد يعجبك ايضا