حين يهدّد السياسيُّ الشارع.. من يحمي الدولة من السياسيين؟!

نبيل عبد الأمير الربيعي

ثمة كلمات لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد زلة لسان، خصوصاً حين تصدر من رجل سياسي يعرف جيداً حساسية الشارع العراقي، ويعرف أكثر من غيره أن العراق لم يعد يحتمل مغامرة جديدة بالدم. والتصريح الأخير للحاج هادي العامري ليس تفصيلاً عابراً يمكن دفنه تحت ركام التصريحات اليومية؛ لأنه يفتح سؤالاً أخطر من التصريح نفسه: هل نحن أمام خطاب سياسي يستعد لمواجهة الشارع، أم أمام محاولة لتخويف الشارع قبل أن يتحرك؟

لا أريد أن أذهب إلى التفسير الأسهل، ولا أن أتهم النيات من دون دليل. لكن السياسة لا تُقرأ بالنوايا وحدها، وإنما بالرسائل والسياقات والنتائج المحتملة. قد يكون التصريح محاولة لإرسال إشارة إلى واشنطن، عبر التشدد في بعض المواقف تجاه الفصائل المسلحة. احتمال وارد، وإن كنت لا أراه التفسير الأقرب. فالرجل يعرف تعقيدات العلاقة بين القوى العراقية والولايات المتحدة، ويعرف أن تغيير النبرة لا يعني بالضرورة تغيير الموقع.

وقد يكون التصريح رسالة إلى الداخل: لا تقتربوا من الشارع! وهنا تصبح المسألة أكثر خطورة؛ لأن تحويل أي احتجاج مقبل إلى مؤامرة خارجية، قبل أن يبدأ، يعني مصادرة حق الناس في الغضب قبل مصادرة حقهم في التعبير. لقد حفظ العراقيون هذه الأسطوانة جيداً: عندما يحتج الناس، يظهر المتهم الجاهز؛ سفارة، مخطط، مؤامرة، مندسون، أجندة خارجية. أما الفقر والبطالة والفساد وسوء الخدمات وانهيار الثقة بالدولة وتعدد مراكز القوة، فتُرحّل جميعها إلى إشعار آخر.

يا سادة، المؤامرة لا تصنع الغضب من العدم؛ أحياناً يكفي سوء إدارة الدولة لصناعة شارع غاضب. وقد يكون التصريح، في احتمال ثالث، مجرد استعراض للقوة أمام الجمهور: نحن قادرون على ضبط الشارع، وقادرون على إخماد أي احتجاج. لكن هذه ليست هيبة الدولة التي نحتاجها. الدولة التي تخاف من مواطنيها وتحاول إخافتهم ليست دولة قوية؛ الدولة القوية هي التي يستطيع المواطن أن يصرخ فيها دون أن يخشى الرصاصة، وتستطيع هي أن تواجه الغاضبين بالقانون لا بالتهديد.

أما القول إنها مجرد زلة لسان، فذلك لا يعفي أحداً من مسؤولية الكلمة. فالسياسي ليس مواطناً عادياً حين يتحدث في لحظة محتقنة؛ كلمته قد تتحول إلى أمر، وتلميحه قد يصبح إشارة، وإشارته قد تتحول في الشارع إلى رصاصة.

لكن الأخطر من كل ذلك أن يصبح التصعيد الكلامي فتيل أزمة. فالشارع العراقي ليس بحاجة إلى كثير من الشرر. وقد تكفي تظاهرة واحدة كي تتسلل إليها أيادٍ لا علاقة لها بمطالب الناس، فتتحول المطالب المشروعة إلى فوضى، والفوضى إلى صدام، والصدام إلى دم، ثم يبدأ الجميع بالبحث عن المسؤول بعد أن يكون العراق قد دفع الفاتورة. وهنا تحديداً يجب أن نكون أكثر حذراً. فقد يكون هناك من يريد للمتظاهر أن يخطئ، وللقوات الأمنية أن تشتبك، وللدم أن يسيل، ثم يجلس خلف الستار ليقطف ثمار الفوضى.

إنها اللعبة القديمة نفسها: ادفع الناس إلى المواجهة، ثم استخدم نتائج المواجهة لتبرير القمع. ولذلك فإن حماية العراق لا تعني إطلاق يد السلطة ضد الشارع، كما لا تعني إطلاق الشارع ضد الدولة. التظاهر السلمي حق دستوري، وليس منّة من أحد. وفي المقابل، حماية مؤسسات الدولة ومنع التخريب والاعتداء مسؤولية قانونية لا خلاف عليها. أما تحويل الخلاف السياسي إلى مواجهة بين الشعب والقوات الأمنية، فليس انتصاراً لأحد؛ إنه انتحار وطني.

والأخطر من ذلك كله أن تستمر الدولة في حمل عنوان واحد بينما توجد داخلها قوى متعددة تمتلك السلاح والقرار والنفوذ. الدولة التي لا تحتكر السلاح لا تستطيع أن تحتكر القرار، والدولة التي لا تحتكر القرار لا تستطيع أن تضمن عدالة القانون. لهذا فإن قضية حصر السلاح بيد الدولة ليست شعاراً سياسياً موسمياً، ولا ورقة تفاوضية تُستخدم عندما نحتاجها ثم تُرمى عندما تنتهي الحاجة إليها. إنها جوهر فكرة الدولة نفسها.

وأقول لشباب العراق: لا تجعلوا غضبكم حصاناً يمتطيه الآخرون. تظاهروا إن شئتم، واعترضوا، وارفعوا أصواتكم، لكن اعرفوا إلى أين تسيرون، ومن يقودكم، ومن يمولكم، ومن ينتظر نتائج اندفاعكم. ليس كل من دعاكم إلى الشارع يريد خلاصكم، وليس كل من رفع راية الوطن بريئاً من الحسابات. لا تدخلوا في مواجهة مجهولة النهاية مع الجيش أو الشرطة أو القضاء. لا تسمحوا لأحد أن يحول احتجاجكم إلى محرقة. ولا تمنحوا من يريد الفوضى فرصة أن يجعل من دمائكم جسراً يعبر عليه نحو السلطة.

وفي المقابل، على الدولة ألا تستخدم هذا الخوف ذريعة لإلغاء حق الناس في الاحتجاج. فمن يريد حماية العراق عليه أن يحمي المواطن والدولة معاً، لا أن يضع أحدهما في مواجهة الآخر. لقد تعب العراقيون من معادلة: إما أن تسكتوا وإما أن تحترق البلاد. هذه ليست دولة، بل ابتزاز سياسي. والعراقي الذي دفع ثمن الحروب والحصار والإرهاب والفساد والانقسام لا يريد حرباً أهلية جديدة باسم الأمن، ولا فوضى جديدة باسم الثورة، ولا سلطة جديدة باسم الدين أو الوطنية.

أما أكثر المفارقات مرارة، فهي أن يتحول «دهاء معاوية» إلى مدرسة سياسية عند بعض من يرفعون راية عليّ، فيُستعمل الدين غطاءً للمناورة، وتُستعمل العقيدة لتبرير إخفاقات السياسة، وتتحول المؤامرة إلى إجابة جاهزة كلما عجزت إدارة الدولة عن تقديم إجابة مقنعة.

عليٌّ ليس غطاءً للفشل، والدين ليس شيكاً على بياض للسياسة، والوطن ليس ملكاً لحزب أو فصيل أو زعيم. العراق أكبر من الجميع. ومن يريد دولة قوية، فليبدأ بإخراج السلاح من بازار السياسة، وإخراج القوات الأمنية من التجاذبات الحزبية، وإخراج الدين من وظيفة التبرير السياسي، وإخراج المواطن من دائرة الاتهام لمجرد أنه قال: لا.

أما إذا كان المطلوب دولةً تخيف شعبها، وشعباً يخاف دولته، وسلاحاً يتقدم على القانون، ومؤامرة تُستدعى لتغطية كل فشل، فذلك ليس طريق بناء الدولة. ذلك طريق آخر إلى الهاوية. والعراق سبق أن ذهب إلى هناك… ودفع الثمن دماً.

قد يعجبك ايضا