(الإنسان قبل الوطن) جغرافية القهر ومعادلة الكرامة المهدورة في سري كانيه

الكاتبة: جيهان علو

ما شهدته مداخل مدينة سري كانيه في روج آفا ليس مجرد تجاوز حقوقي يمكن إدراجه ضمن جملة الخروقات اليومية، بل هو جريمة تطهير رمزي وجسدي مكتملة الأركان، تُفصح بلا مواربة عن هندسة ديموغرافية وسياسية تتخذ من العنف العنصري وسيلة لإلغاء الشعب الكوردي وتصفية وجوده التاريخي. وتعمد إهانة المواطنين العائدين والتنكيل بهم والاعتداء الجسدي على كرامتهم تحت تهديد السلاح، وربط حق عودتهم الشرعي بمعادلات ابتزازية وصريحة تطالب بالإفراج عن معتقلي تنظيم “داعش” في سجون العراق وإلا حُرِّم دخول أي كوردي إلى مدينته، يُشكل سفوراً إجرامياً ونقطة انكسار أخلاقية وسياسية حادة تضع الجمع الفصائلي المتطرف في موقع الخصومة المباشرة مع قيم الإنسانية ودولة القانون.

إن هذه الفصائل المأزومة لم تكتفِ بتعريض أهالي سري كانيه لويلات التهجير والحصار، هذه المدينة التي تعرضت في السابق للقصف بالأسلحة المحرمة دولياً كالفسفور الأبيض الذي رمّد أجساد مدنييها ودمّر نسيجها المجتمعي، بل تصادق اليوم على نهج فاشي يستبدل منطق العودة المعززة المكرمة للسكان الأصليين بمنطق أخذهم كرهائن لخدمة أجندات إرهابية. ويغدو هذا المشهد أكثر صدمة حين يُجابه بسلوك إعلامي تواطئي ومأزوم لدى قطاعات واسعة من الصحفيين الذين مارسوا تضليلاً شائنًا عبر تعاميهم الكامل عن “الفعل الأولي” المتمثل في هذه الممارسات العنصرية والانتهاك الممنهج لكرامة العائدين، ليركزوا بوصلة تحليلهم وسرديتهم على “رد الفعل” الشعبي الغاضب الذي تفجر في قامشلو والحسكة وكوباني.

وهذا الانحياز الإعلامي الفاضح لا يُكرس ظاهرة الإنكار الاجتماعي فحسب، بل يمارس واقعة سياسية تجعل من الضحية مجرماً والمظلوم ظالماً، فالغضب العارم الذي اجتاح الشارع الكوردي والتنديدات الصادرة في روج آفا لم تكن مجرد حراك أو ترف سياسي، بل كانت صرخة وجودية متفجرة في وجه التهميش والصمت التواطئي الذي يغطي هذه الانتهاكات الممنهجة ويمنح العصابات المتطرفة شرعية التحكم في مقدرات الجغرافيا وأبنائها الأصليين.

القراءة الإنسانية والحقوقية لمسار الأحداث تؤكد بأنه لا أمن ولا استقرار ولن تكون هناك قيامة لأي مشروع وطني عبر إقصاء الكورد أو التعاطي مع حضورهم التاريخي والمحوري كمجرد متغيّر طارئ يمكن محوه بالترهيب والعنف؛ إذ أثبت هذا الشغب أنه الركزة الأساسية للاستقرار والمواجهة الحقيقية لراديكالية الإرهاب. وإعلاء قيمة الإنسان قبل الوطن ليس شعاراً رمزيًا، بل هو موقف أخلاقي وسياسي حاسم يُوجب وضع حد فوري لهذه الانتهاكات الفصائلية، ويفرض فرضاً حق العودة الآمنة والكريمة لجميع النازحين الكورد إلى ديارهم في سري كانيه دون قيد أو شرط أو ابتزاز، باعتباره الشرط الناجز والوحيد لأي أفق يتطلع للعدالة والسلام المستدام والسلم الأهلي في المنطقة بالكامل.

قد يعجبك ايضا