د. نادية الجدوع
لم تعد قضية المرأة العراقية قضية حضورٍ شكلي أو مشاركةٍ موسمية في المشهد العام، بل أصبحت قضية وطنية ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل الدولة، وقوة الاقتصاد، وجودة التشريع، والتحول الرقمي، والاستقرار المجتمعي، وقدرة العراق على بناء مؤسسات أكثر كفاءة واستدامة.
فالمرأة العراقية تمتلك رصيدًا واسعًا من الطاقات العلمية والمهنية والإبداعية، إلا أن تحويل هذه الطاقات إلى قوة اقتصادية وتنموية حقيقية يحتاج إلى سياسات وطنية واضحة تفتح أمامها مسارات التمويل والتدريب وريادة الأعمال، وتدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوسع فرص الوصول إلى الأسواق، وتعزز الاقتصاد المعرفي والعمل المرن والتحول الرقمي.
إن تمكين المرأة اقتصاديًا ليس ملفًا اجتماعيًا منفصلًا عن الاقتصاد الوطني، بل هو جزء أصيل من الأمن الاقتصادي للعراق، ومن قدرته على استثمار موارده البشرية بأعلى درجات الكفاءة.
المرأة والتحول الرقمي… المعركة الجديدة
في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، لم تعد قوة الأمم تقاس فقط بما تمتلكه من موارد طبيعية، وإنما بما تمتلكه من عقول قادرة على إنتاج المعرفة وإدارة المستقبل.
ومن هنا، فإن دخول المرأة العراقية إلى مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتحول الرقمي يجب ألا يُنظر إليه بوصفه خيارًا ثانويًا، بل باعتباره جزءًا من الرؤية الوطنية للتنمية وبناء الاقتصاد الرقمي.
فالمرأة ليست مستخدمة للتكنولوجيا فقط.
يجب أن تكون منتجة لها، ومبتكرة فيها، وصانعة لسياساتها، ومشاركة في رسم مستقبلها.
إن العراق الذي يتطلع إلى الانتقال من اقتصاد تقليدي إلى اقتصاد رقمي ومعرفي لا يستطيع أن يترك جزءًا أساسيًا من طاقته البشرية خارج مسار التحول.
وإبعاد الكفاءات النسائية عن هذه الثورة المعرفية لا يمثل خسارة للمرأة وحدها، وإنما يمثل خسارة مباشرة للاقتصاد الوطني وللمستقبل العراقي.
المرأة وصناعة التشريع… من التعبير عن الحاجة إلى صناعة الحل
المرأة في البرلمان والمؤسسات التشريعية ليست رقمًا يضاف إلى الإحصاءات، وإنما يمكن أن تكون صوتًا فاعلًا في نقل احتياجات المجتمع إلى طاولة التشريع، وفي صياغة حلول قانونية تستند إلى فهم واقعي ودقيق للتحديات الاجتماعية والاقتصادية.
غير أن الأهمية الحقيقية لا تكمن في مجرد وجود المرأة داخل المؤسسة التشريعية، وإنما في قدرتها على تحويل المعرفة والخبرة واحتياجات المجتمع إلى تشريعات قابلة للتطبيق، وسياسات عامة قابلة للقياس والتقييم.
وهنا تبرز أهمية المرأة القانونية والأكاديمية والخبيرة، بما تمتلكه من قدرة على قراءة المجتمع قراءة قانونية ومؤسسية متعمقة.
فالتشريع الذي لا يرى المجتمع بكل مكوناته، ولا يستوعب تنوع احتياجاته، يبقى تشريعًا ناقص الرؤية.
ومن هنا، فإن تعزيز حضور المرأة في صناعة التشريع ينبغي أن يترافق مع الاستثمار في الكفاءة القانونية والبحثية والسياسية، بحيث تصبح المشاركة النسائية إضافة نوعية إلى الدولة، لا مجرد تمثيل عددي.
المرأة والسلام والأمن… من متأثرة بالأزمات إلى صانعة للاستقرار
أثبتت التجارب الدولية أن مشاركة النساء في بناء السلام والوقاية من النزاعات وتعزيز التماسك المجتمعي ليست مسألة رمزية، وإنما عنصر مهم في بناء المجتمعات الأكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة الأزمات.
وفي العراق، تبرز أهمية مواصلة العمل على أجندة المرأة والسلام والأمن، وتعزيز مشاركة النساء في الحياة السياسية والمجتمعية، وفي جهود الوقاية من النزاعات وبناء السلام.
وهنا تبرز فرصة وطنية حقيقية أمام العراق:
أن تتحول المرأة من متأثرة بالأزمات إلى شريكة في منعها وإدارتها ومعالجة آثارها.
فالمرأة التي تحمل مسؤولية الأسرة والمجتمع في أصعب الظروف تمتلك خبرة اجتماعية وإنسانية يمكن تحويلها إلى طاقة مؤسسية في مجالات المصالحة المجتمعية، والوقاية، وبناء السلام، وتعزيز التماسك الوطني.
الرؤية التي نحتاجها: المرأة شريك في الدولة
إن المشروع الحقيقي للمرأة العراقية لا ينبغي أن يقوم على المطالبة بمكاسب فئوية، وإنما على بناء شراكة وطنية متكاملة.
نحن لا نريد امرأة تواجه الرجل.
نريد امرأة تقف إلى جانب الرجل في بناء العراق.
لا نريد صراعًا على المواقع.
نريد تنافسًا على الكفاءة.
لا نريد شعارات ترفع عنوان تمكين المرأة ثم تنتهي عند حدود الخطاب.
نريد مؤسسات تُمكّن الكفاءة، وتحاسب التقصير، وتفتح الطريق أمام أصحاب القدرة والاستحقاق.
ولا نريد أن تكون المرأة مجرد عنوان جميل في المؤتمرات والمناسبات.
نريدها حاضرة وفاعلة في:
غرف صناعة القرار، ومجالس الإدارة، والاقتصاد، والتشريع، والجامعات، والتكنولوجيا، والدبلوماسية، والقضاء، والإدارة العليا، ومشروعات التنمية.
فالدولة الحديثة لا تُبنى بإقصاء الطاقات، وإنما بتجميعها وتوجيهها نحو هدف وطني واحد.
إلى الدولة… افتحوا أبواب القرار للكفاءة
يقف العراق أمام فرصة مهمة لإعادة تعريف مفهوم القيادة الوطنية، على أساس الكفاءة والنزاهة والخبرة والاستحقاق.
والرسالة هنا ليست موجهة إلى النساء وحدهن، وإنما إلى الدولة ومؤسساتها، والجامعات، والقطاع الخاص، والإعلام، والقوى السياسية والمجتمعية، وكل جهة تمتلك القدرة على صناعة الفرص.
نحتاج إلى آليات وطنية واضحة لاكتشاف القيادات النسائية وتأهيلها، وإلى قواعد أكثر شفافية للترشيح والتعيين، وإلى برامج متقدمة لبناء القدرات القيادية، وإلى مسارات مهنية تتيح للمرأة الانتقال من الخبرة إلى المسؤولية.
فالمرأة التي تمتلك الكفاءة لا ينبغي أن تنتظر أن يكتشفها أحد.
يجب أن تكون هناك مؤسسات تبحث عنها، وتؤهلها، وتمنحها الفرصة، ثم تقيس أداءها وفق معايير واضحة.
وهنا يصبح تمكين المرأة جزءًا من إصلاح الدولة نفسها، وليس ملفًا منفصلًا عنها.
من الهامش إلى القرار… ومن القرار إلى صناعة المستقبل
إن المعركة الحقيقية ليست معركة مقعد.
إنها معركة وعي.
وليست معركة منصب.
إنها معركة كفاءة.
وليست معركة بين المرأة والرجل.
إنها معركة وطن يريد أن يستثمر كامل طاقاته.
ولهذا فإن المرأة العراقية تقف أمام مرحلة جديدة؛ مرحلة لم يعد مقبولًا فيها أن تُقاس قيمتها بمجرد حضورها، وإنما بما تضيفه إلى القرار الوطني، وما تنتجه من معرفة، وما تقدمه من حلول، وما تتركه من أثر في مؤسسات الدولة والمجتمع.
فالمرأة التي تدخل غرفة القرار لا تدخلها باسم جنسها فقط.
بل تدخلها باسم علمها، وخبرتها، وتاريخها، ومسؤوليتها، وكفاءتها، وانتمائها إلى وطنها.
ومن هنا تبدأ إعادة رسم العراق.
ليس العراق الذي تُرسم حدوده على الورق فقط، وإنما العراق الذي تُعاد صياغة مؤسساته، واقتصاده، وتشريعاته، وثقافته، ومستقبله بعقول جميع أبنائه وبناته.
السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم
لقد آن الأوان أن ننتقل من السؤال:
«أين المرأة العراقية؟»
إلى سؤال أكثر عمقًا وقوة:
«ماذا سنفعل عندما تصبح المرأة العراقية شريكًا كاملًا في صناعة القرار؟»
عندها لن تكون المرأة رقمًا في إحصائية، ولا صورةً في مناسبة، ولا عنوانًا في مؤتمر.
ستكون قوة مؤثرة في الدولة، وشريكًا في التنمية، وصوتًا في التشريع، وعقلًا في الاقتصاد، وقيادةً في المؤسسات، وصانعةً للمستقبل.
وهنا فقط يصبح الانتقال:
من الهامش إلى القرار… انتقالًا من مرحلة الكلام عن المرأة إلى مرحلة بناء الوطن بالمرأة.