الدرباسية: حين يولد الضوء من رحم السنابل (مقال توثيقي سردي عن الحركة التشكيلية في بلدة على تخوم الشمال)

* ماهين شيخاني.

البداية: جغرافيا الذاكرة

ثمة بلدة في أقصى شمال سوريا، تتكئ على الحدود التركية وكأنها تهمس للعالم: “ها أنذا، هنا حيث تنتهي الخريطة ويبدأ الحلم”. الدرباسية… تلك البقعة التي تفصلها عن تركيا مجرد سكة قطار مهجورة وأسلاك شائكة تنسج خيوطها مع الريح. تبعد سبعين كيلومتراً عن الحسكة، وستين عن القامشلي، لكنها تبدو، في وجدان من عاشوا فيها، أبعد من ذلك بكثير. أبعد من العاصمة، أبعد من الثقافة المركزية، أبعد من كل ما هو مألوف.

لكن الغريب أن هذه البلدة الصغيرة، التي كانت بالأمس قرية هادئة، أصبحت اليوم مدينة، وفي فضائها المفتوح، حيث تمتد سنابل القمح الذهبية وحقول القطن البيضاء كبحر هادئ، انعكس قوس قزح السماء على وجوه أبنائها، فإذا بأسمائهم تبرق في سماء الفن التشكيلي السوري. وكأن الشمس لم تكن تسطع هناك فقط لتنضج المحاصيل، بل لتُصقل مواهب وتُخرج من التراب لوحاتٍ لا تذبل.

الجيل الأول: الرواد الذين زرعوا البذور

إذا كان لكل مكان رواده الأوائل، فإن الدرباسية تفتخر بجيل من المبدعين حملوا الريشة والوجدان في وقت لم يكن فيه الفن التشكيلي مهنة مفهومة في تلك البقعة المعزولة.

بشار العيسى… اسمٌ يصعب المرور عليه بسرعة. فنان تشكيلي استطاع أن يحمل روح الدرباسية معه إلى فرنسا، حيث يقيم اليوم. في لوحاته، يبدو وكأنه يخلق عالماً خاصاً، يتشابك فيه الشرق بالغرب، والأرض بالسماء. لوحات تذكرك بخصوبة الحقول التي نشأ فيها، لكنها تصنع من الذاكرة معجناً بصرياً لا يشبه إلا صاحبه.

وإلى جانبه، يقف محمد علي شاكر، ذلك الفنان الذي لم يكتفِ بالرسم، بل جعل من الخط لغةً والنغم مرادفاً لها. مُلحّن كردي، وخطاط بارع، ورسام ماهر. هو أشبه بنهر يمرّ بعدة قرى، كلّما مرّ أخذ منها شيئاً ليضيفه إلى جماله. يقيم اليوم في رأس العين، كأنما اختار أن يظل قريباً من جذوره.

ثم هناك زكي حامد، مدرس مادة الفنون الذي لم يدرّس فقط، بل أضاف إلى مناهج التعليم روحاً جمالية. علم تلاميذه أن الفن ليس ترفاً، بل ضرورة، وأن الريشة يمكن أن تكون وسيلة لفهم العالم. يقيم في الدرباسية حتى اليوم، وكأنما هو الحارس الأمين لذكرى الفن في البلدة.

وفي ذكرى لا تُمحى، يظهر عبد الغزيم، الخطاط والرسام الذي اختار دمشق موطناً، لكنه بقي ابن الدرباسية في روحه ووجدانه. خطوطه كانت تتحدّث بلسان الحنين، وكأن الحروف التي يكتبها لم تكن حبراً، بل نبضاً.

خليل ملا داود، معلم المدرسة التي تخرج منها جيل كامل. وكان رفقة أخيه محمود وأكرم خليل (ملا بيكاب)، الذين كانوا – إلى جانب تفوقهم في الرسم – لاعبين في فريق الأهلي المشهور على مستوى القطر. كانوا يجمعون بين الجمال والحركة، بين الريشة والكرة، وكأنهم يثبتون أن الموهبة تتعدد أشكالها. انتقل الأثنان إلى ألمانيا، حيث واصلوا مشوارهم في مجالاتهم، لكن الدرباسية لم تنسَهم.

والخطاط الأول في البلدة، علي أحمد، الذي صقل حروفه هناك قبل أن ينتقل إلى الحسكة ليصبح واحداً من أشهر الخطاطين في المحافظة. كان حبره شاهداً على زمن رحل، لكن أثره لا يزال ماثلاً على جدران الذاكرة.

إبراهيم حيدري… فنان آخر من جيل الرواد، اختار دمشق لإقامته، لكن لوحاته ظلت تحمل نكهة الدرباسية، كأنما يستعير ألوانه من حقول القمح وأشعة الغروب.

وجمال عبدو (ميري هيكا)، الذي استقر في ألمانيا، لكن اسمه ظل رنيناً في أروقة الفن المحلي. وأيضاً Guru، ذلك الفنان الذي وصفه البعض بأنه “الربيع بذاته”، كأن لوحاته تزهر في كل مكان. يقيم اليوم في دمشق، وكأنه يحاول جمع شتات البلاد في لوحة واحدة.

ماهين شيخاني، مدرس الفنون وكاتب القصة القصيرة، جمع بين الريشة والقلم. يقيم في الدرباسية، وكأنه يرفض أن يغادر روح المكان، ربما لأنه يعلم أن الجمال الحقيقي يولد حيث لا يتوقعه أحد.

الجيل الثاني: ما بعد الرواد، حين انتشر الضوء

إذا كان الرواد قد زرعوا البذور، فإن الجيل الذي تلاهم كان الثمر الناضج. فنانين غادروا البلدة بحثاً عن آفاق أرحب، لكنهم حملوا معهم روحها إلى كل مكان.

آرشفين ميكائيل، الذي تفرّغ للفن التشكيلي وهاجر إلى هولندا، حيث أضاف إلى خبرته المحلية تقنيات جديدة، لكن لوحاته ظلت تحمل بصمة الحقول والسماء الزرقاء التي عاش فيها.

كيتو سينو، الذي استقر في بلجيكا، جعل من غربته مادة للفن، ومن لوحاته مرايا تعكس ذاكرة الدرباسية بزوايا مختلفة.

شريف علي، الجيولوجي الذي لم ينسَ الريشة رغم تخصصه العلمي، معلماً يقيم بين بيركي والدرباسية، وكأنه يحاول أن يثبت أن الفن والعلم وجهان لعملة واحدة.

سلمان عمر (آلآن ميرو)، الذي صار واحداً من الأسماء الفنية في سويسرا، حيث مزج بين الثقافة الكردية والتقنيات الأوروبية، فكانت لوحاته جسراً بين الشرق والغرب.

منير شيخي، خريج كلية الفنون الجميلة بدمشق، الذي جعل من العاصمة منصة لانطلاقه، لكنه ظل وفياً لذكريات الدرباسية.

هاشم عليكو (كديانو )، حمل اسم الدرباسية إلى السليمانية، ورسم فيها حضوره البصري.

زاغروس داود، الذي اختار السويد موطناً، لكن ألوانه ظلت سورية وكردية في آن واحد، وكأنه يرسم وطنه في كل لوحة.

لقمان أحمد، التشكيلي الذي غادر البلدة مؤخراً إلى الولايات المتحدة، وتحديداً إلى ولاية فرجينيا، حيث بدأ فصلاً جديداً من مسيرته، وهو يحمل معه حقيبة من الذكريات والألوان التي لا تبهت.

ياسر إبراهيم خلف، المعلم المقيم في الدرباسية، الذي يرفض فكرة أن الفن يحتاج إلى عواصم، بل يعلّم تلاميذه أن الريشة قد تكون أصدق من الكلمات.

الخطاط رستم، الذي اختار العاصمة دمشق إقامة دائمة، وأصبح واحداً من أبرز الخطاطين فيها، لكن جذوره تبقى في تلك البلدة الحدودية.

حسن صبيح، الفنان من قرية متسلم المجاورة، الذي ربط اسمه بالدرباسية وظل جزءاً من نسيجها الفني.

الخطاط إسماعيل أحمد، المقيم في الدرباسية حتى اليوم، كأنما يعتبر نفسه وصياً على تقليد الخط في البلدة.

عدنان عبد الرحمن، الذي اختار دمشق، لكن لوحاته تروي قصصاً من الدرباسية وكأنها مراسلة مستمرة مع المكان.

فجوة في الذاكرة: المسيحيون الذين رحلوا

لابد من التنويه هنا إلى حقيقة مؤلمة: الدرباسية كانت في بدايتها تضم أغلبية مسيحية. لكن مع الزمن، هاجر الكثير منهم إلى المحافظات السورية (الحسكة، حلب) وإلى خارج القطر. ومن بين أبناء تلك الطائفة، لم أعثر إلا على اسم واحد: الفنان التشكيلي يعقوب سعيد إبراهيم. هذا الفراغ في السرد ليس خللاً، بل هو دعوة لإكمال الصورة، لعل هناك أسماء أخرى تنتظر من يذكرها. إنه تذكير بأن الفن لا يعترف بالحدود، لكن الهجرة قد تترك فجوات في الأرشيف، وأن التذكير بها هو واجب التوثيق.

الخاتمة: حين تكون الحدود مجرد سكة قطار

ما الذي يجعل بلدة صغيرة كالدرباسية تنجب هذا الكم من المبدعين؟ هل هو مناخها الجغرافي الذي يضيء بأشعة الشمس فوق الحقول الذهبية؟ أم أنها مجرد صدفة؟ أم أن تلك الأسلاك الشائكة كانت كفيلة بأن تخلق في النفوس رغبةً في الطيران خارج القفص، عبر الريشة واللون؟

ربما يكون السرّ في التناقض: بلدة على الحدود، حيث تلتقي الأرض بالسماء، وحيث تبدأ سورية وتنتهي تركيا، وحيث كل شيء ممكن، حتى أن ينبت الفن في تربة تبدو مهمشة. هؤلاء المبدعون حملوا معهم إلى كلّ مكان – من فرنسا إلى هولندا، ومن ألمانيا إلى أمريكا – ألوان الدرباسية: ذهبية القمح، وبياض القطن، وزرقة السماء المفتوحة.

تلك الأسماء التي توزعت في العالم لم تحمل فقط فرشها وألوانها، بل حملت أيضاً ذاكرة المكان: سنابله التي تمايلت مع الريح، وأسلاكه الشائكة التي تحكي قصة حدود لم تكتمل، وأحلامه التي ما زالت ترسم في أفق الغروب.

الدرباسية لم تكن مجرد نقطة على خريطة الفقراء. كانت معجناً بصرياً، ينتظر من يكتشف جماله. وقد فعل الرواد ومن بعدهم، إذ حوّلوا تلك البلدة الهادئة إلى لوحة لا تموت، وقوس قزح لا ينطفئ.

في النهاية:
هذا المقال هو دعوة لإضافة المزيد. هناك أسماء ربما لم تذكر، هناك قصص لم تُحكَ، وهناك لوحات تنتظر من يكشف عنها. الفن التشكيلي في الدرباسية ليس مجرد فصل من تاريخ الفن السوري؛ هو شهادة على قدرة الجمال على النمو في أصعب الظروف، وأن الإبداع لا يحتاج إلى عواصم، بل إلى روح قادرة على رؤية الضوء حيث لا يراه الآخرون.

مع فائق احترامي لكل من حمل ريشتهم عالياً، وهؤلاء الذين ساهموا في جعل الدرباسية مدينة للفن وليس مجرد حدود.

قد يعجبك ايضا