سرحان محمد علي الكاكئي
ثمة أسماء لا تُقرأ بوصفها أسماءً فحسب.
حين تمر بها في كتاب تاريخ، تشعر أن وراء الحروف مساحة أكبر من الشخص نفسه؛ مساحة من الأمكنة والوجوه والغياب والدموع والأحلام التي لم تجد طريقها كاملاً إلى الواقع. وبعض الأسماء لا تكبر لأنها امتلكت القوة في كل لحظة، بل لأنها عاشت في قلب زمن كان فيه البقاء نفسه شكلاً من أشكال المقاومة.
اسم البارزاني واحد من هذه الأسماء.
ولذلك فإن الكتابة عن عائلة البارزاني تحتاج إلى أكثر من سرد الأسماء والمناصب، وأكثر من إعادة العبارات التي اعتادتها البيانات والخطب. فالبارزانيون ليسوا صفحة منفصلة عن تاريخ كردستان؛ إنما هم جزء من قصة أوسع، قصة شعب عاش طويلاً بين الجبل والدولة، بين الحلم القومي والحدود التي رسمتها السياسة، وبين ذاكرة الثورات وضرورات بناء المؤسسات.
ومن الصعب أن نفهم حضور هذه العائلة من دون أن نعود إلى المكان الذي خرج منه الاسم: بارزان.
فالمكان في التاريخ الكردي ليس مجرد جغرافيا. الجبل، في كثير من الأحيان، كان أكثر من صخرة وارتفاع؛ كان ملجأً حين تضيق المدن، وكان مساحة يستطيع فيها الإنسان أن يحافظ على شيء من استقلاله أمام سلطة الدولة. وفي بارزان نشأت أسرة ذات جذور دينية واجتماعية، ارتبط عدد من شيوخها بالحركة الكردية في مراحل مبكرة، قبل أن ينتقل الاسم تدريجياً من الإطار المحلي إلى المجال القومي الأوسع. وتشير المراجع التاريخية إلى الدور البارز لشيوخ بارزان، وصولاً إلى الملا مصطفى بارزاني الذي أعاد تنظيم الحركة البارزانية ومنحها بعداً سياسياً وعسكرياً أكثر اتساعاً.
لكن التاريخ لا يصنع القادة من فراغ.
لقد كان الملا مصطفى ابن مرحلة مضطربة؛ مرحلة تتغير فيها خرائط المنطقة، وتتشكل فيها الدول الحديثة، ويجد الكٌرد أنفسهم أمام سؤال لم يكن من السهل الإجابة عنه: كيف يمكن لشعب يمتلك هوية وذاكرة ولغة وثقافة أن يجد مكانه السياسي داخل دول تتعامل مع مسألة القوميات بطرق مختلفة؟
من هنا يمكن فهم جزء من سر الحضور الطويل للملا مصطفى.
لم تكن حياته السياسية مستقيمة كخط مرسوم على الورق. كانت مليئة بالتحولات والمنفى والحروب والعودة. وبعد تجربة جمهورية مهاباد وانهيارها، عاش سنوات في الاتحاد السوفيتي قبل أن يعود إلى العراق بعد ثورة 1958. ثم دخلت الحركة الكردية مرة أخرى في صراعات طويلة مع بغداد، إلى أن جاء اتفاق 1970 الذي اعترف بمبدأ الحكم الذاتي للمورد، قبل أن تنهار التفاهمات وتعود الحرب.
وهنا تظهر حقيقة لا تحب الدعاية السياسية الاعتراف بها:
التاريخ الحقيقي ليس انتصاراً متواصلاً.
القائد الذي لا يُهزم في الكتب قد يكون قد عاش سنوات من الهزيمة في الواقع.
والشعب الذي نتذكره اليوم واقفاً، ربما كان قد قضى أجيالاً كاملة وهو يحاول ألا يسقط.
لهذا فإن قيمة الملا مصطفى بارزاني لا تكمن في أنه انتصر في كل معركة، فهذا ليس ما حدث، وإنما في أنه استطاع أن يحول قضية محلية متفرقة إلى مشروع سياسي أصبح جزءاً من تاريخ العراق الحديث وتاريخ الحركة القومية الكردية.
لقد كان الجبل مدرسة سياسية قاسية.
علّم الذين عاشوا فيه أن القوة لا تعني دائماً امتلاك السلاح، وأن البقاء يحتاج إلى الصبر أكثر مما يحتاج إلى الشجاعة وحدها. وعندما كانت المعادلة السياسية تتغير، كان على الحركة أن تتغير معها؛ مرة بالمواجهة، ومرة بالتفاوض، ومرة بالانسحاب، ومرة بإعادة بناء الصفوف من جديد.
ثم جاء الجيل الذي حمل الاسم بعد الملا مصطفى.
وكان مسعود بارزاني أحد أبرز هؤلاء.
لم يرث مسعود بارزاني اسماً فقط. ورث ذاكرة ثقيلة.
وراء الاسم كان هناك أب، وثورة، وجبل، ومنفى، وحزب، وآلاف الرجال الذين ارتبطت حياتهم بالحركة الكردية، وبلد كامل لم يكن قد حسم بعد شكل مستقبله السياسي.
ولهذا فإن انتقال القيادة من الملا مصطفى إلى السيد مسعود لم يكن انتقالاً عائلياً بسيطاً كما قد يبدو من الخارج. كان انتقالاً بين زمنين مختلفين: زمن الثورة المسلحة، وزمن السياسة التي بدأت تبحث عن مكان ثابت داخل المؤسسات.
وهذه النقلة هي واحدة من أهم المفاتيح لفهم التاريخ البارزاني الحديث.
فالجيل الأول كان يسأل: كيف نحافظ على وجودنا؟
أما الجيل التالي فكان مضطراً إلى سؤال أصعب:
كيف نبني ما بقي من هذا الوجود؟
في 2005 أصبح مسعود بارزاني أول رئيس لإقليم كردستان بعد إنشاء مؤسسة رئاسة الإقليم، في مرحلة جديدة تماماً من التاريخ السياسي الكردي.
كان ذلك التحول يعني أن القضية لم تعد محصورة في الكهوف والجبال ومواقع القتال. أصبح هناك برلمان، وحكومة، ووزارات، وقوانين، وعلاقات دولية، واقتصاد، ومدن تنمو بسرعة.
لكن الانتقال من الثورة إلى الدولة ليس انتقالاً سهلاً.
الثورة تستطيع أن تعيش على الحلم.
أما المؤسسة فعليها أن تدفع الرواتب، وتبني الطرق، وتوفر الخدمات، وتتعامل مع الخصوم، وتحافظ على الأمن، وتتحمل نتائج القرارات.
وهنا يصبح تقييم أي قيادة أكثر تعقيداً.
فمن السهل أن تهتف للثورة، لكن الأصعب أن تدير نتائج الثورة.
ومن السهل أن تتحدث عن المستقبل، لكن الأصعب أن تبني مؤسساته.
ومن السهل أن تحمل اسم الأجداد، لكن الأصعب أن تثبت أن الاسم قادر على إنتاج مرحلة جديدة.
في هذه المسافة بين الماضي والمستقبل ظهر جيل آخر من البارزانيين، من بينهم نيجيرفان بارزاني ومسرور بارزاني.
نيجيرفان بارزاني، بوصفه حفيد الملا مصطفى، أصبح واحداً من أبرز الوجوه السياسية في إقليم كردستان، وتولى رئاسة الحكومة في مراحل متعددة قبل أن يصبح رئيساً للإقليم. وتقدم سيرته الرسمية صورة عن محاولة الانتقال من لغة المواجهة إلى لغة التوافق وبناء المؤسسات والعلاقات الدولية.
أما مسرور بارزاني، الذي تولى رئاسة حكومة الإقليم عام 2019، فقد دخل الحياة السياسية من جيل مختلف، جيل لم يعد يرى الصراع الكردي من موقع الجيل المؤسس نفسه، بل من موقع إقليم يمتلك مؤسسات ويواجه في الوقت ذاته تحديات أمنية واقتصادية وسياسية متشابكة. وتذكر السيرة الرسمية لحكومة الإقليم دوره السابق في مجلس أمن الإقليم ومشاركته في مواجهة تنظيم داعش، ثم توليه رئاسة الحكومة.
وهنا تصبح كلمة «الاستمرار» أكثر أهمية من كلمة «الإرث».
لأن الإرث شيء يأتيك من الماضي.
أما الاستمرار فهو ما تفعله أنت بهذا الإرث.
قد يرث الإنسان بيتاً، لكنه لا يرث بالضرورة القدرة على إبقائه قائماً.
وقد يرث اسماً عظيماً، لكنه لا يرث احترام الناس تلقائياً.
وقد يرث تاريخاً مليئاً بالتضحيات، لكن عليه أن يثبت أن تلك التضحيات لم تتحول إلى مجرد حكاية تُروى في المناسبات.
ولعل أكثر ما يجعل تاريخ البارزانيين ثقيلاً هو أن هذا الإرث لم يكن مجداً فقط.
كان أيضاً مأساة.
عام 1983، تعرض آلاف البارزانيين للاعتقال والترحيل والاختفاء في واحدة من أبشع صفحات حملة النظام العراقي ضد الكٌرد. وتشير مصادر حكومة إقليم كردستان إلى اختفاء أكثر من ثمانية آلاف رجل وشاب من البارزانيين في تلك الحملة.
لكن الرقم، مهما كان دقيقاً، لا يستطيع أن يحكي القصة كاملة.
فالتاريخ عندما يقول «ثمانية آلاف» يخبرنا بحجم الجريمة، لكنه لا يخبرنا عن الأم التي انتظرت.
ولا عن الطفل الذي كبر دون أن يعرف وجه أبيه إلا من صورة.
ولا عن العائلة التي لم تكن تعرف هل تنتظر خبراً أم جنازة.
ولا عن قرية كاملة يصبح فيها الصمت أكثر حضوراً من الكلام.
لهذا فإن ذاكرة البارزانيين لا ينبغي أن تكون ذاكرة سياسية فقط.
إنها ذاكرة إنسانية أيضاً.
والذاكرة الإنسانية أقوى من الشعارات لأنها لا تسأل فقط: من انتصر؟
إنها تسأل:
من فقد؟
من بقي؟
ومن اضطر إلى أن يعيش بقية حياته مع غياب شخص لن يعود؟
في هذا المعنى، تصبح مأساة البارزانيين جزءاً من المأساة الكردية الأوسع، لكنها في الوقت نفسه تحمل خصوصيتها. فالضحايا ليسوا أرقاماً في كتاب، بل أناس كانوا يعيشون حياة عادية قبل أن تصبح السياسة فجأة سبباً في اقتلاعهم من العالم الذي يعرفونه.
وهنا ربما ينبغي أن نتوقف قليلاً أمام معنى كلمة «النضال».
النضال ليس دائماً لحظة إطلاق النار.
أحياناً يكون النضال هو أن تظل عائلة كاملة واقفة بعد أن تفقد أبناءها.
وأحياناً يكون أن يحتفظ شعب بلغته بعدما حاولت السلطة أن تمحو هويته.
وأحياناً يكون أن تستمر في تعليم أطفالك قصة المكان الذي جئت منه، حتى عندما يصبح الحديث عن ذلك المكان محفوفاً بالخوف.
لهذا فإن تاريخ البارزانيين لا يمكن اختزاله في القادة وحدهم.
هناك نساء حملن أعباء الحروب.
هناك أطفال كبروا في المنفى.
هناك بيشمركة لم يعرف العالم أسماءهم.
هناك فلاحون فتحوا بيوتهم للمقاتلين.
هناك أناس لم يظهروا في الصور، لكن من دونهم لم يكن لأي قيادة أن تستمر.
وهؤلاء هم الجزء الصامت من التاريخ.
والتاريخ الصامت، في أحيان كثيرة، هو الأكثر صدقاً.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا تتحول الكتابة عن البارزانيين إلى نص مغلق لا يسمح بالسؤال.
فالعائلات السياسية، مهما كان تاريخها، تحتاج إلى النقد كما تحتاج إلى التقدير.
والقائد الذي يصبح رمزاً لا ينبغي أن يصبح فوق التاريخ.
فالرمز الحقيقي يستطيع أن يتحمل الأسئلة.
بل إن قيمة الرمز تزداد عندما يستطيع الناس أن يناقشوا تجربته دون أن يشعروا أنهم يخونون التاريخ.
ومن هنا يمكن القول إن أعظم خدمة يمكن أن تقدم للبارزانيين ليست أن نرفعهم فوق النقد، بل أن نكتب عنهم بجدية.
أن نذكر الإنجاز ونذكر الخطأ.
أن نتحدث عن التضحيات دون أن نحولها إلى صك براءة دائم.
أن نذكر بناء المؤسسات دون أن نتجاهل المشكلات التي واجهت الإقليم.
وأن نعترف بأن الحياة السياسية الكردية نفسها كانت ولا تزال مليئة بالتنافسات والانقسامات والأسئلة المتعلقة بتوزيع السلطة والثروة والعلاقة مع بغداد ودول الجوار.
هذه ليست إساءة إلى التاريخ.
هذه هي الطريقة الوحيدة لحمايته من التحول إلى أسطورة جامدة.
فالأسطورة لا تتطور.
أما التاريخ فيتطور لأنه يسمح بالسؤال.
وربما تكون العلاقة بين البارزانيين وكردستان أكثر تعقيداً من أن توصف بعلاقة قائد بشعب.
إنها علاقة متبادلة.
كردستان صنعت جزءاً من صورة البارزاني.
والبارزانيون صنعوا جزءاً من صورة كردستان.
الجبل أعطاهم المكان.
والشعب أعطاهم الشرعية السياسية.
والحروب صنعت ذاكرتهم.
والهزائم أعطتهم القدرة على إعادة بناء أنفسهم.
ثم جاءت المؤسسات لتختبر قدرتهم على الانتقال من الذاكرة إلى المستقبل.
وهذا هو الامتحان الحقيقي لكل حركة سياسية ولدت من رحم المقاومة:
هل تستطيع أن تكون أكثر من ذاكرة؟
هل تستطيع أن تتحول إلى مؤسسة؟
هل تستطيع أن تنتج جيلاً لا يعيش فقط على أسماء الذين سبقوه؟
هل تستطيع أن تجعل أبناء الذين ضحوا من أجل المستقبل يعيشون مستقبلاً أفضل فعلاً؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد، في النهاية، قيمة أي إرث سياسي.
ولذلك فإنني لا أرى في قصة البارزانيين مجرد قصة عائلة قوية.
أراها قصة زمن كامل.
زمن كان فيه الجبل مركز السياسة.
ثم أصبح الحزب مركزها.
ثم أصبحت المؤسسة مركزها.
ثم أصبح السؤال أكبر: ماذا تفعل السلطة عندما تصبح مسؤولة عن حياة الناس اليومية؟
في هذا التحول تكمن عظمة التجربة وصعوبتها في الوقت نفسه.
فالملا مصطفى ينتمي إلى عصر الثورة.
ومسعود بارزاني ينتمي إلى عصر التحول من الثورة إلى الإقليم.
ونيجيرفان ومسرور بارزاني ينتميان إلى عصر المؤسسة والدبلوماسية والحكومة والأمن والاقتصاد.
وهكذا يصبح تاريخ الأسرة أشبه بسلسلة من المراحل، لا نسخة واحدة مكررة من الماضي.
وإذا كان للماضي حق علينا، فإن المستقبل له حق أكبر.
لأن الذين ضحوا لم يفعلوا ذلك لكي يبقى أبناؤهم أسرى للذاكرة.
لقد ضحوا لكي يستطيع الأبناء أن يعيشوا حياة لا تحتاج إلى التضحية بالطريقة نفسها.
وهنا يصبح السؤال الأخلاقي الأعمق:
ما معنى أن نخلّد الشهداء إذا لم نستطع أن نبني حياة أفضل للأحياء؟
ربما لهذا السبب سيظل اسم البارزاني حاضراً في الذاكرة الكردية.
ليس لأنه اسم بلا خلاف.
وليس لأن التاريخ حوله إلى شخصية فوق البشر.
بل لأن خلف الاسم قرناً تقريباً من الأسئلة التي لم تنتهِ بعد.
أسئلة الهوية.
والحرية.
والسلطة.
والمنفى.
والعودة.
والجبل.
والدولة.
والذاكرة.
والمستقبل.
ومن يقرأ قصة البارزانيين بعين هادئة سيكتشف أنها في جوهرها ليست قصة أشخاص فقط.
إنها قصة شعب كان يحاول أن يثبت أن له مكاناً في التاريخ.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون أعظم ما تركه البارزانيون هو عدد المعارك التي خاضوها، ولا المناصب التي شغلوها، ولا الصور التي بقيت لهم.
ربما يكون أعظم ما تركوه هو سؤال لم يجد التاريخ جواباً نهائياً عنه:
كيف يستطيع شعب أن يحافظ على ذاكرته وهويته، ثم يحول تلك الذاكرة إلى مستقبل؟
ذلك السؤال ما زال مفتوحاً.
وربما لهذا السبب لم تنتهِ قصة البارزانيين بعد.
فبعض القصص تنتهي عندما يموت أصحابها.
أما القصص التي تصبح جزءاً من ذاكرة شعب، فإن أصحابها يرحلون، لكن الأسئلة التي تركوها تبقى.
والبارزانيون، قبل أن يكونوا اسماً لعائلة، أصبحوا اسماً لمرحلة من مراحل البحث الكردي الطويل عن مكان آمن في التاريخ.
ذلك البحث لم ينتهِ.
وربما لن ينتهي ما دام هناك إنسان في كردستان ينظر إلى الجبل، ويتساءل عن معنى أن تكون لك أرض وذاكرة وهوية، ثم تحاول أن تجعل العالم يعترف بها.