ألمانيا تبقى عظيمة… وداعمة للكورد وكوردستان

عبد الحميد زيباري

عادةً ما أجد في يوم الجمعة مساحة أكبر لمتابعة مواقع التواصل الاجتماعي، والتجول بين الصفحات وما تنشره من صور ومقاطع وأخبار ومواقف. وفي إحدى جولات التصفح هذه، لفت انتباهي مشهد بسيط في تفاصيله، لكنه عميق في دلالاته.

رجل يحمل العلمين الألماني والكوردستاني، ويتجول بهما في قلب أربيل، أمام القلعة ومقهى مجكو، ثم يدخل إلى القصيرية ويمضي في أزقتها الضيقة، حاملاً العلمين دون حرج أو تردد، فيما كانت عيون المارة تتابعه بدهشة وفضول.

كان المشهد بحد ذاته لافتاً، لكن معناه أصبح أكثر وضوحاً عندما عرفت أن الرجل هو القنصل العام الألماني في أربيل أوف فيدرزيهن، الذي اختار أن يودع كوردستان بهذه الطريقة الرمزية والجميلة، قبل انتهاء مهامه الدبلوماسية. وقد نشرت القنصلية الألمانية في أربيل مقطع الفيديو، مرفقاً بكلمات مؤثرة للقنصل، قال فيها:

«كل وداع هو في الوقت نفسه مناسبة للشكر. ولديّ أسباب كثيرة لأقول: شكراً أربيل، شكراً كوردستان، على صداقتكم، وعلى ثقتكم، وعلى ضيافتكم، وعلى اللحظات التي لا تُنسى التي قضيناها معاً.

لم يكن شرفاً فحسب أن أخدم قنصلاً عاماً لألمانيا في إقليم كوردستان العراق، بل كان أيضاً فرصة استثنائية لأكون شاهداً على قوة شراكتنا المستمرة. ورغم أن هذا الفصل من حياتي المهنية يقترب من نهايته، فإن العلاقات بين ألمانيا وإقليم كوردستان ستستمر، ولا سيما من خلال خلفي… إلى أن نلتقي مجدداً.
أوف فيدرزيهن، إلى اللقاء».

كلمات تختصر الكثير من الحكاية، وتعبّر عن عمق علاقة ليست وليدة السنوات الأخيرة، وإنما راكمت عبر عقود طويلة من التواصل والتعاون والتقارب بين الشعبين الألماني والكوردي.

ولعل أجمل ما في المشهد أن القنصل الألماني لم يكتفِ بكلمات الوداع الرسمية التي اعتدنا سماعها من المسؤولين الدبلوماسيين، بل اختار أن يحمل العلم الكوردستاني إلى جانب العلم الألماني، وأن يطوف بهما في شوارع أربيل القديمة، وكأنه أراد أن يقول إن العلاقة بين ألمانيا وكوردستان ليست مجرد علاقة بين حكومتين أو مؤسسات، بل هي قبل كل شيء علاقة إنسانية تركت آثارها في ذاكرة الطرفين.

ألمانيا… وذاكرة الكورد
عندما نتحدث عن ألمانيا وعلاقتها بالكورد، فإننا نتحدث عن صفحات كثيرة من التاريخ الحديث. فمنذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، احتضنت ألمانيا أعداداً من الطلبة والمثقفين الكورد الذين وجدوا فيها فرصة للتعليم وبناء مستقبل أفضل، كما فتحت أبوابها أمام كورد اضطروا إلى مغادرة وطنهم هرباً من القمع والاضطهاد الذي تعرض له الشعب الكوردي في العراق على مدى عقود.

وكانت ألمانيا، في مراحل مختلفة، واحدة من أهم الوجهات التي قصدها الكورد الباحثون عن الأمان والعلم والاستقرار. وبعد الانتكاسة التي تعرض لها الشعب الكوردي عام 1975، وما رافقها من موجات نزوح ولجوء، كان لألمانيا حضور واضح في استقبال الكورد الذين وجدوا فيها ملاذاً آمناً.

ولا يمكن الحديث عن الهجرة الكوردية إلى أوروبا من دون التوقف عند الدور الذي لعبته ألمانيا في استضافة أعداد كبيرة من الكورد، سواء في تلك المرحلة أو خلال موجات اللجوء التي شهدتها المنطقة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. لكن العلاقة لم تكن محصورة في الجانب الإنساني وحده.

فألمانيا كانت من أوائل الدول التي أقامت حضوراً دبلوماسياً في إقليم كوردستان، وعملت على تطوير علاقات متنامية مع مؤسسات الإقليم وجامعاته، كما ساهمت بعثاتها وخبراؤها في مجالات علمية وأكاديمية متعددة، ومنها الآثار والهندسة، فضلاً عن التعاون الجامعي والثقافي.

في الحرب على داعش… ألمانيا إلى جانب البيشمركة
ثم جاءت واحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخ العراق وكوردستان الحديث، مع ظهور تنظيم داعش الإرهابي عام 2014.في تلك المرحلة، لم تكتفِ ألمانيا بالمواقف السياسية، بل وقفت إلى جانب قوات البيشمركة في مواجهة التنظيم الإرهابي، وقدمت دعماً عسكرياً وتدريبياً، فضلاً عن إرسال الخبراء والمدربين والجنود الألمان للمساهمة في تدريب القوات الكوردستانية.

وكان للسلاح الألماني، ولا سيما الأسلحة المضادة للدروع، دور مهم في المعارك التي خاضتها قوات البيشمركة ضد داعش، خصوصاً في مواجهة السيارات المفخخة التي استخدمها التنظيم بكثافة في هجماته.

وكانت زيارة المسؤولين الألمان إلى أربيل ولقاؤهم بقوات البيشمركة في ساحات القتال تحمل، إلى جانب بعدها العسكري، رسالة سياسية ومعنوية واضحة: ألمانيا لم تكن بعيدة عن كوردستان في واحدة من أصعب مراحلها.

موقف إنساني من الإيزيديين
وفي مأساة الإيزيديين، كان لألمانيا أيضاً موقف إنساني يستحق التوقف عنده.
فبعد الهجوم الوحشي الذي شنه تنظيم داعش على سنجار والمناطق الإيزيدية في آب/أغسطس 2014، وما رافقه من قتل وتهجير وسبي واختطاف، قدمت ألمانيا دعماً للنازحين الإيزيديين، واحتضنت أعداداً من العائلات والناجين، وساهمت في برامج إعادة التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي وإعادة الاندماج.

وكان استقبال الناجيات الإيزيديات وعائلاتهن، وتوفير الحماية والرعاية لهن، واحداً من أبرز المواقف الإنسانية التي ستبقى حاضرة في ذاكرة الإيزيديين والكورد.

الوفاء لا يُقاس بالتصريحات
لهذا كله، لم يكن مشهد القنصل الألماني وهو يحمل العلمين الألماني والكوردستاني في شوارع أربيل مجرد لقطة عابرة تصلح للنشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

بالنسبة لي، كان المشهد أشبه برسالة وفاء.
فالدبلوماسي الذي يمثل بلاده في مكان ما يستطيع أن يغادره بعد انتهاء مهمته، لكن الطريقة التي يختار بها الرحيل تقول الكثير عن علاقته بالمكان وأهله. أن يغادر القنصل أربيل حاملاً علم كوردستان إلى جانب علم بلاده، وأن يمر به أمام قلعة أربيل وفي أزقتها وأسواقها القديمة، هو موقف يحمل في طياته الكثير من الاحترام والمودة.

ولعل الأجمل أن هذا المشهد جاء من رجل ألماني يمثل بلاده، في مدينة كوردستانية عريقة، وكأن العلمين في يديه يختصران قصة طويلة من العلاقات الإنسانية والسياسية والثقافية بين شعبين، لكل منهما ذاكرته وتجاربه، لكنهما التقيا في الكثير من المحطات الصعبة.

لقد أثبتت ألمانيا، في مراحل مختلفة، أن الصداقة الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم الاتفاقيات والمصالح الاقتصادية، بل بما تفعله الدول عندما يمر الآخرون بأوقات المحن.

وعندما نتذكر استقبال الكورد في ألمانيا، واحتضان الطلبة والمهاجرين واللاجئين، والدعم الذي قدمته للبيشمركة في الحرب ضد داعش، والمساعدة الإنسانية للإيزيديين، والتعاون العلمي والثقافي والأكاديمي، فإننا ندرك أن العلاقة بين ألمانيا وكوردستان أعمق من أن تختصرها زيارة مسؤول أو اتفاقية أو موقف سياسي.

قد تتغير الحكومات، وقد يغادر السفراء والقناصل مواقعهم، وقد تنتهي مهمة دبلوماسي ليحل محله آخر، لكن العلاقات التي تُبنى على الاحترام والثقة والوفاء تبقى. ولهذا، فإن كلمات القنصل أوف فيدرزيهن: «شكراً أربيل، شكراً كوردستان»، لم تكن في رأيي مجرد كلمات وداع.

لقد كانت أيضاً شهادة على علاقة إنسانية وسياسية وثقافية متينة، وعلى أن ما يجمع ألمانيا وكوردستان أكبر من مهمة دبلوماسية تنتهي بانتهاء فترة عمل شخص. ومن أربيل، التي اختار أن يودعها حاملاً علمها إلى جانب علم بلاده، يمكن أن نقول له بدورنا:

شكراً ألمانيا.
شكراً للشعب الألماني.
شكراً لكل من وقف إلى جانب الكورد في أوقات الشدة.
وشكراً للقنصل أوف فيدرزيهن على هذا الوداع الذي سيبقى في الذاكرة.

قد يغادر القنصل أربيل، لكن الصداقة لا تغادر. وقد تنتهي مهمة دبلوماسية، لكن العلاقات بين الشعوب لا تنتهي بانتهاء المهام.

قد يعجبك ايضا