د. فاضل علي – باحث في شؤون الدراسات والثقافات الشرق أوسطية
لم تكن الزيارة الأخيرة التي أجراها نيجيرفان بارزاني إلى بغداد مجرد محطة بروتوكولية في مسار العلاقات بين أربيل وبغداد، بل حملت في طياتها رسالة سياسية واضحة مفادها أن استقرار العراق، في هذه المرحلة الدقيقة، بات يرتبط إلى حد كبير بقدرة رئيس إقليم كردستان على أداء دور الضامن الذي يجمع الأطراف المتباينة حول طاولة الحوار.
ويستحق المشهد التوقف عنده؛ إذ شارك رئيس الإقليم، إلى جانب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس القضاء الأعلى، في اجتماع خُصص لمناقشة أحد أكثر الملفات حساسية، وهو حصر السلاح بيد الدولة، قبل أن يعقد لقاءً منفرداً مع رئيس مجلس الوزراء. وهذه الصورة لم تعد تعكس علاقة “إقليم يطالب المركز”، بقدر ما تجسد حضور فاعل سياسي تجاوز الإطار الجغرافي والإداري للإقليم، ليصبح شريكاً أساسياً في صياغة القرار الوطني العراقي، وليس في قضايا كردستان وحدها.
وتزداد أهمية هذا الحضور في ظل ظرف بالغ التعقيد، يتمثل في استمرار الاعتداءات المسلحة التي تستهدف القوات العراقية، وتعثر تشكيل الحكومة، واقتراب انتهاء المهلة المحددة لحصر السلاح بيد الدولة مع نهاية شهر أيلول، وهي المهلة التي أكد بيان الائتلاف الحاكم أن أي سلاح خارج إطار الدولة بعدها سيُعد مخالفة للقانون. وفي خضم هذه التحديات، لم يكن وجود بارزاني في بغداد ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة سياسية فرضتها طبيعة المرحلة.
كما أن تصريحات بارزاني بشأن أهمية “استمرار الحوار والتنسيق بين جميع الأطراف الوطنية” لا يمكن النظر إليها بوصفها مجاملة سياسية معتادة، بل تعكس رؤية تقوم على ترسيخ الحوار بوصفه المدخل الرئيس لمعالجة الأزمات. فهذه اللغة تمنحه موقع الوسيط القادر على التواصل مع مختلف القوى، بعيداً عن الاصطفافات الحزبية والطائفية التي أثقلت المشهد السياسي العراقي. وبينما تنشغل القوى السياسية بخلافاتها حول السلطة وتشكيل الحكومة، يبرز رئيس الإقليم بوصفه أحد أبرز الشخصيات القادرة على الحفاظ على قنوات التواصل مع الجميع دون أن يفقد ثقة أي طرف.
ومن جانبه، فإن تأكيد رئيس مجلس الوزراء، علي فالح الزيدي، أن الملفات العالقة ستُعالج وفق الدستور والقانون، يمثل رسالة سياسية مهمة تعكس إدراك بغداد أن أي معادلة للاستقرار أو التوازن السياسي لا يمكن أن تنجح من دون شراكة حقيقية مع أربيل.
أما من حيث المضمون، فإن إعلان بارزاني دعمه الصريح لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة يكتسب أهمية تتجاوز حدود إقليم كردستان. فصدور هذا الموقف عن رئيس إقليم يمتلك تجربة معقدة في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية يمنحه ثقلاً سياسياً ومعنوياً، ويعزز شرعية هذا التوجه على المستوى الوطني، كما يحد من أي محاولات لتبرير بقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة تحت أي غطاء سياسي أو قومي.
الخلاصة
تكشف التطورات الأخيرة حقيقة باتت أكثر وضوحاً، وهي أن العراق لم يعد يُدار من خلال مركز واحد، بل عبر شبكة معقدة من التوازنات السياسية التي تجعل من الصعب على أي طرف، مهما كانت قوته، أن يتجاوز الآخرين. وفي هذا السياق، يبدو أن نيجيرفان بارزاني، بما راكمه من خبرة سياسية خلال سنوات طويلة من إدارة ملفات إقليم كردستان، يدرك طبيعة هذه المعادلة، ويتعامل معها بقدر كبير من البراغماتية والمرونة.
ومن هنا، لم يعد حضوره يقتصر على كونه شريكاً في العملية السياسية، بل أصبح، وفق معطيات المرحلة، أحد العناصر المؤثرة في الحفاظ على توازن الدولة العراقية واستمرار مؤسساتها. ويبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن بغداد من ترجمة هذه الشراكة إلى خطوات عملية عند الاستحقاقات السياسية المقبلة، أم ستظل رهينة البيانات الختامية والتفاهمات المؤقتة.