القاضي زهير كاظم عبود: العدالة لا تكتمل إلا بحماية الإنسان وصون التنوع العراقي”

 

 

حاوره: حسو هورمي
برلين 2026.08.04

الأستاذ القاضي والكاتب زهير كاظم عبود، لكم منا خالص التقدير والاحترام لما قدمتموه من جهود في خدمة العدالة، والبحث القانوني، والدفاع عن حقوق الأقليات العراقية، ولا سيما الإيزيديين، من خلال مؤلفاتكم ودراساتكم ومشاركاتكم الفكرية. ويسعدنا أن نجري معكم هذا الحوار لتوثيق جانب من تجربتكم الثرية.

س 1: كيف تصفون بداياتكم مع دراسة القانون واختياركم العمل في القضاء؟ وما الشخصيات أو الأحداث التي كان لها أثر في تشكيل شخصيتكم الفكرية والقانونية؟ وكيف أسهمت تجربتكم الطويلة في السلك القضائي في بناء رؤيتكم للعدالة، وانعكست على منهجكم في الكتابة والبحث والتأليف؟

ج1: منذ صغري كنت اتردد على والدي الذي كان يعمل موظفا بسيطا في محكمة الديوانية ، وبعد ان احيل على التقاعد عمل كاتبا للعرائض بباب محكمة الديوانية ، كنت اشاهد الحكام والموقوفين دون ان اتعمق في عملهم واتهاماتهم ، الا ان هاجس العدالة كان مغروسا في روحي بحكم ترددي ووجودي ومطالعتي لكتب القانون التي يضعها والدي على الطاولة ، وحين كبرت دفعتني الظروف للالتحاق بالعمل الفدائي الفلسطيني وادرس بنفس الوقت في جامعة دمشق كلية الآداب – قسم التاريخ ، وحين عدت الى العراق تم تعييني كاتبا في محكمة الديوانية وسنحت لي الفرصة للتسجيل في كلية القانون ، حيث كنت اقطع يوميا حوالي 400 كيلومتر للذهاب والإياب من الديوانية الى بغداد ، وحصلت على البكالوريوس بالقانون والتي اكملتها وانا موظف بالمحكمة ، تم تغيير عنواني الى وظيفة محقق عدلي ، وبعد فترة قدمت استقالتي وعملت محاميا ، الا ان قرارات مجحفة صدرت في ذلك الزمن تلزم الموظف المستقيل بالعودة قسرا الى الوظيفة او السجن ، عدت الى عملي وقدمت اوراقي الى المعهد القضائي حيث تم قبولي ضمن الدورة الثامنة للمعهد في العام 1982 ، وبعد اكمالي الدراسة في المعهد القضائي نلت درجة الدبلوم العالي في العلوم القانونية ، وصدر المرسوم الجمهوري بتعييني قاضيا في المحاكم العراقية ، وبهذا تجد ان هاجس العدالة الذي كان غافيا في الروح استعاد قوته وبرز واضحا في عملي ، وعملت بكل الجهد لأكون عادلا ومنصفا وشجاعا وسط ظروف سياسية مرتبكة يمر بها العراق ، وحصيلة هذه الفترة تمكنت من انجاز بحثين قانونيين الأول التحقيق الابتدائي واجراءاته ، والثاني اليمين في القانون العراقي .

 

س2: ما أبرز المحطات التي تعتز بها خلال مسيرتكم في السلك القضائي، وكيف تنظرون إلى تجربة القضاء العراقي واستقلاليته عبر المراحل السياسية المختلفة التي مر بها العراق؟ وكيف انعكست هذه التجربة القضائية في مشروعكم الفكري والبحثي، خصوصًا وأنكم أصدرتم عشرات الكتب والدراسات في القانون والتاريخ وحقوق الإنسان؟ وهل جاءت كتاباتكم استجابةً للأحداث والتحولات التي شهدها المجتمع، أم أنها تمثل مشروعًا فكريًا متكاملًا يحمل رؤية خاصة تجاه العدالة والإنسان والتاريخ؟

ج2: خلال عملي القضائي كنت اتابع عمل القضاة وأعضاء الادعاء العام، لمست الشجاعة والدقة القانونية والتمسك بمنهج الانصاف والعدالة من خلال عمل قضاة منهم على سبيل المثال القاضي عبد الجبار محيسن المشعان والقاضي فاروق العامر والقاضي طعمة شناوة والقاضي عبد الحمزة الغزالي، وخلال فترة عملي الأولى لم أتمكن من اصدار كتاب لانشغالي بالدراسة ، الا ان اتساع الوعي الفكري والقانوني والثقافي حفزني للوقوف ضميريا مع الحقوق والعدالة وحرية العقيدة وحق الانسان في الراي ، ولهذا تجد انعكاس ذلك على قراراتي ومواقفي في عملي القضائي .

 

س3: عرفتم باهتمامكم المبكر بقضايا الأقليات العراقية، فما الدوافع الفكرية والإنسانية التي قادتكم إلى البحث والكتابة عن تاريخها وحقوقها؟ ولماذا اعتبرتم توثيق تراث هذه المكونات وتجاربها ضرورة وطنية وإنسانية للحفاظ على هوية العراق وتنوعه؟ وكيف تقيّمون واقع حقوق الأقليات في العراق اليوم، وما المسؤولية التي تقع على عاتق الدولة والمجتمع في حماية التنوع الديني والتعدد القومي وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية؟

ج3: ولان العراق فسيفساء جميل وملون من قوميات مختلفة واديان ومذاهب مختلفة ، يفترض ان من يحلم بدولة يحكمها الدستور والقانون ، ان الانسان فيها بغض النظر عن ديانته او قوميته متساوي في الحقوق والواجبات مع غيره من العراقيين ، أي ان الأساس الذي يرتكز عليه بناء الدولة هو الانسان ، ولو نظرنا بتجرد وواقعية نلمس الاختلاف والغبن وعدم الانصاف لمكونات عراقية من طين العراق ، ومنذ بدايات تشكيل الحكومات العراقية بدأت المساواة بين العراقيين بالتناقص حتى صارت شروخا ومفاصل تحكم تلك المكونات ، وتحولت المساواة الى شكليات ، وتم تحريم بعض المراكز والوظائف على مكونات دون الأخرى ، بل اصبح الامر ان تبرز ثقافة مريضة لعزل هذه المكونات ، ثقافة يغذيها مرضى النفوس ورجال دين ومتعصبين لتصبح ثقافة مجتمعية بامتياز للأسف ، عملت على احداث شرخ كبير بين أبناء هذه المكونات ، بعد انتهاء عملية التسفير القسري ليهود العراق وتحجيم دور من بقي منهم ، جاء دور المسيحيين وهم من بناة العراق الأوائل ، حيث بدأت هجرتهم الى خارج العراق مبكرا ، ثم تم الالتفات الى مكون مغروسة جذوره في ارض العراق وهم الكورد الفيليين الذين ارتكبت الحكومة السابقة بحقهم مجزرة إنسانية وجريمة يندى لها الجبين بتجريدهم من جنسيتهم ووثائقهم الرسمية وغير الرسمية والاستيلاء على ممتلكاتهم ، ليصبحوا ضمن حالة اللاجنسية ، ودفعهم الى الحدود ليتبعثروا في أراض الدول ودون ان تعيد لهم حقهم واموالهم ومالحق كرامتهم من ضيم حتى اليوم .
وحتى بعد سقوط نظام صدام فقد حصل تراجع ديموغرافي حاد لمكونات المسيحيين والصابئة المندائيين والإيزيديين، خصوصًا بعد أحداث 2014 وسيطرة تنظيم داعش على سهل نينوى وسنجار
استمرار غياب آليات تعويض وإعادة إعمار كافية لمناطق الأقليات المتضررة رغم مرور سنوات على التحرير، مع ضعف التمثيل السياسي الفعلي رغم نظام الكوتا البرلمانية (الكوتا المسيحية، الأيزيدية، المندائية، الشبكية)، إذ غالبًا ما يُختزل بتمثيل شكلي مرتبط بأحزاب كبرى .
استمرار قضايا الأراضي والممتلكات المتنازع عليها في مناطق كسنجار وسهل نينوى دون حسم قانوني وإداري واضح ، ولعلي انبه ان اخطر ما يواجه منطقة سهل نينوى هو التغيير الديموغرافي الذي لم يتوقف ، وهو خندق يواجه عودة المسيحيين والايزيديين الى مناطقهم . وهناك مسؤولية ملقاة على عاتق الحكومة وهو مالم تلتزم به جميع الحكومات التي حلت بعد عام 2003، منها تفعيل آليات دستورية معطلة (كالمادة 125 المتعلقة بالحقوق الإدارية والسياسية والثقافية والتعليمية للقوميات المختلفة)، وتفعيل المادة (140) من الدستور التي تم تعطيلها رغم انها نص واجب الاتباع والتنفيذ الدستوري.
إصلاح قوانين الأحوال الشخصية والتعليم الديني بما يضمن المساواة الفعلية لا الشكلية، توفير حماية أمنية دائمة لا موسمية للمناطق ذات الكثافة السكانية من المكونات العراقية. فضلا عن تعزيز خطاب المواطنة المتساوية في المناهج التعليمية والخطاب الديني والإعلامي ، مواجهة خطابات الكراهية والتمييز على أساس الهوية الدينية أو القومية.

س4: تُعدون من أوائل الباحثين الذين تناولوا الديانة الإيزيدية بالدراسة والبحث بلغة قانونية وموضوعية، كيف بدأت علاقتكم بهذا الملف، وما الذي دفعكم إلى تسليط الضوء على تاريخ الإيزيديين وثقافتهم؟ وما أبرز المفاهيم المغلوطة التي سعيتم إلى تصحيحها من خلال مؤلفاتكم؟ وكيف كان صدى هذه الكتابات لدى المجتمع الإيزيدي؟ وماذا أضافت لكم هذه التجربة على المستوى الإنساني والفكري؟ وبعد ما تعرض له الإيزيديون من اضطهادات وجرائم، ولا سيما جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي، كيف تنظرون إلى مستقبل هذا المكوّن الأصيل في العراق، وما الضمانات المطلوبة لحماية وجوده وحقوقه؟

ج4: بدأت علاقتي بالايزيديين في بداية عملي القضائي بالموصل عام 1991 ، كنت معبأ بمعلومات مضللة وخاطئة عنهم ، وعند دخولي الحقيقي للمجتمع الايزيدي ، ومكارفتي للأستاذ عمر خضر حمكو وما يحمله من معلومات دينية وثقافة تاريخية ، ثم صداقتي مع القوال سليمان سفو وهو رئيس القوالين الذي قدم لي من المعلومات ما اعجز عن الشكر والتقدير ، خلصت الى اصدار كتابي الأول عام 1994 ( لمحات عن اليزيدية ) ، واستمرت علاقتي بالمجتمع الطيب والمسالم ، وتم تكليفي ان أكون قاضيا للمواد الشخصية أي قاضي المواد الشخصية لغير المسلمين في الموصل بالإضافة لعملي كقاضي لمحكمة البداءة ، حضرت افراحهم واحزانهم ، وزرت مراقدهم الدينية ، ولمسوا حجم محبتي وتقديري لهم وايماني بحقهم في الاعتقاد والدين ، وكنت اشعر على الدوام وانا المس ثقافة الحقد والكراهية التي تتوجه اليهم نتيجة المعلومات المضللة والكاذبة ، فاكتب ما يوحي بالخطر المحدق بهم ، ولأنهم مسالمون وطيبون ومنصرفون لحياتهم الزراعية البسيطة ، لم يتبنوا الحذر المطلوب ، كنت على الدوام اكتب ان احموا ظهوركم دون ان اجد صدى ، لان المجتمع الايزيدي يؤمن بالسلام وهو دين لا يبشر ولايقبل الاخر ، انشغل المجتمع الايزيدي بطقوسه واعرافه وديانته ، حتى وقعت الواقعة وهجم عليهم بشر لا يشبهون البشر ، وحثالة تجمعت من قيء الأرض ، بالأسلحة والقدرات التي سانداها دول وشخصيات عززتها بأموال وتكنلوجيا واسلحة تدمير وقتل ، ومواجهة غير عادلة وبعيدة عن الانصاف ، العزل في مواجهة المسلحين ، البسطاء والطيبين في مواجهة التوحش والإرهاب ، كانوا وحيدين لم يقف معهم احد الا أصوات واقلام نظيفة وعابرة للأديان والقوميات ناصرتهم ، وكنت من بين تلك الأصوات والاقلام ولم ازل ، وبعد ان تم تحرير مناطقهم من رجس الإرهاب ، كانوا يقيمون في خيام لا تحميهم من البرد ولاحر الصيف ، واستمر نزوحهم هربا من الموت حيث سكنوا في مخيمات دهوك والشيخان ومناطق أخرى ، بعد ان اكلت الإبادة فلذات اكبادهم ، وحرمتهم من سلام وصفاء كانوا يعيشون في ظله ، والوضع الديموغرافي اليوم يشهد تحديات وجودية حقيقية ، باتت مجمعات الخيام سكنا دائما حيث دمرت بيوتهم ومزارعهم ، مع بطء وتيرة إعادة الاعمار لسنجار وماحولها من قرى ، وتردي الخدمات الأساسية فيها ، وما يعيق العودة الطوعية عدم استلامهم المنحة المالية التي خصصتها الحكومة والتي لا تغني ولاتشبع ، فأربعة ملايين دينار لا ترمم بيت ومع ذلك لم يستلمها الغالبية منهم ، مع استمرار قضية الاف المفقودين والمخطوفين ، خصوصا من النساء والأطفال الذين لم يعرف مصيرهم حتى اليوم ، ويزيد الامر تعقيدا تنازع النفوذ الأمني والإداري في سنجار بين الحكومة الاتحادية والاقليم والفصائل المسلحة ، ما يبقي المنطقة في حالة فراغ اداري يضعف الاستقرار ، مع غياب اتفاق سنجار الذي عقد عام 2020 عن التنفيذ الفعلي رغم توقيعه بين بغداد واربيل لتوحيد الإدارة الأمنية والمدنية في المنطقة ، وأيضا الهجرة المستمرة الى خارج العراق ، الى اوربا خصوصا ما يشكل الخطر الأكبر على استمرار الوجود الايزيدي التاريخي خصوصا في منطقة سنجار .
ونلمس ذلك التداخل بين الهوية الدينية والهوية القومية الكوردية في الخطاب السياسي ، ما يجعل الايزيديين موضوعا للتجاذب بدل ان يكونوا طرفا فاعلا في تقرير مصيرهم وبناء ما تهدم من مزاراتهم وبيوتهم ، المطلوب تفعيل قانون الناجيات الايزيديات ( رقم 8 لسنة 2021 ) بكامل بنوده ، خصوصا ما يتعلق بالتعويضات وإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي ، وترسيخ الاعتراف الدستوري الصريح بالايزيدية كمكون ديني مستقل له كامل الحقوق ، لا كجزء ملحق بهوية أخرى ، وأخيرا ان يستمر التعاون مع آليات التحقيق الدولية لتوثيق الإبادة كجريمة دولية مع استمرار ملاحقة الجناة ، حيث ان الجريمة لا تتقادم ولاتنتهي الا بالحكم القضائي ، ودعم برنامج البحث عن المفقودين عبر الطب الشرعي والحامض النووي ، والبحث المكثف عن المقابر التي تضم رفات من تم قتلهم ودفنهم من قبل داعش .
اليوم اننا بحاجة لبرامج تعليمية وإعلامية لمواجهة ولجم الخطاب الديني والتحريضي الذي مهد تاريخيا وكان من أسباب استهداف الايزيديين، ولم يزل حتى اليوم لم يلق المواجهة القانونية التي يفرضها القانون والدستور، وادماج تجربة الإبادة الجماعية في المناهج الدراسية كجزء من الذاكرة الوطنية العراقية .
المستقبل الفعلي لهذا المكوّن مرهون بمدى تحول هذه الضمانات من نصوص إلى ممارسة إدارية وأمنية مستدامة، لا سيما في ملف سنجار الذي يبقى المفتاح الأساسي لاستقرار الوجود الإيزيدي التاريخي في العراق.

س5:شاركتم في العديد من المؤتمرات والندوات والفعاليات الفكرية والقانونية، ما أبرز هذه المشاركات التي تركت أثرًا خاصًا في مسيرتكم؟ وكيف تقيّمون واقع البحث القانوني العربي ومدى قدرته على مواكبة التطورات التشريعية والحقوقية الحديثة؟ ومن خلال تجربتكم في القضاء والبحث والدفاع عن حقوق الإنسان، هل ترون أن وجود النصوص القانونية كافٍ لحماية الحقوق والحريات، أم أن التحدي الحقيقي يكمن في تطبيقها؟ وما أبرز التحديات التي تواجه العدالة وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في المنطقة العربية؟

ج5: بناء على قناعتي الراسخة بحق الانسان في العقيدة وحرية الأديان ، دافعت بكل الوسائل عن حق الايزيدية كمكون عراقي يحميه الدستور ، قدمت لقاءات ضمن الفضائيات ، كتبت العديد من المقالات ، أصدرت عددا من الكتب التي انتشرت في الوطن العربي ، وفسح لنا الانترنيت المجال لإيصال تلك الحقوق والصورة الحقيقية للمجتمع الايزيدي وللديانة الايزيدية ، واجهت مواجهة واتهامات وتخرصات عن اتهامات لا أساس لها من الصحة ، منها انني اقصد الربح من اصدار كتبي ، والحقيقية انني انفقت من مالي الخاص على جميع الكتب التي أصدرتها دون ان اعرضها للبيع ، وسمحت لدور النشر ان تبيع لحسابها ، لم يكن الهاجس المادي والربح في مخيلتي لان قناعتي وايماني بحقهم في الحياة كان مسيطرا تماما ، وازعم انني اول من كتب عنهم بأنصاف وتحملت العديد والكثير من المواقف حتي تمكنت من نشر الضوء والحقيقة ، اليوم اجد ان ما بدأنا به اخذ ينتشر ضمن حقوق الانسان ، كما انني ومجموعة خيرة من العراقيين بادرنا لتشكيل هيئة الدفاع عن اتباع الديانات والمذاهب في العراق ، وكان لها ولم تزل الدور الكبير والمهم في دعم تلك الحقوق ، ومع كل الغبن والظلم الذي تعيشه المكونات وحقوق الانسان في العراق الا اننا ماضون في طريقنا مع قناعة راسخة باننا على الطريق الصحيح من اجل حق الانسان في العقيدة .

س6: كيف أثرت إقامتكم في مملكة السويد على تجربتكم الفكرية والبحثية، وعلى رؤيتكم للقضايا التي تناولتموها في كتاباتكم؟ وهل وفر لكم العيش في المهجر مساحة أوسع للتأليف والبحث والتواصل مع الثقافات والمدارس الفكرية المختلفة، بما أسهم في تطوير مشروعكم الثقافي والقانوني؟

ج6: السويد وفرت لي فرصة ما كنت احلم بها ، بعد ان اوصلتني الأمم المتحدة اليها واكتسبت جنسيتها ، تمكنت من حضور المؤتمرات والندوات التي طرحت فيها الحقائق التي تتعلق بالايزيدية ، توفرت لي مساحة كبيرة من الوقت والامكانيات التي دفعتني لتطوير كتاباتي عن الايزيدية ، خصوصا بعد ان أصبحت عضوا في اتحاد كتاب السويد ، والذي كرمني اكثر من مرة ، تمكنت من انجاز كتابي ( الايزيدية حقائق وخفايا واساطير ) وبعده ( الشيخ عدي بن مسافر مجدد الديانة الايزيدية ) ومن ثم ( طاووس ملك كبير الملائكة عند الايزيدية ) وبعده التنقيب في التاريخ الايزيدي القديم ) ، ثم ( الايزيدية وصحف إبراهيم الأولى ) ، بعدها صدر لي كتاب ( الايزيدية ) والذي اعيدت طباعته بجزأين هذا العام ، ومن ثم ( التناص بين الديانة الايزيدية والديانة الزرادشتية ) ، ( كتابات عن الايزيدية ) ، وأخيرا كتاب ( الجنة والنار في الديانة الايزيدية ) وهو آخر الكتب ، مثل هذا الجهد والانجاز اسهم فعليا في تطوير المشروع الثقافي والفكري والقانوني ، ما يفرح النفس ان تصلني رسائل واستفسارات من مواطنين من بلدان عربية غير العراق عن الايزيدية ، كتاباتي اصبحت ضمن المراجع التي يستند ويشير اليها من يكتب رسائل الماجستير والدكتوراه عن الايزيدية .

س 7: حصلتم على عدد من التكريمات تقديرًا لعطائكم الفكري والقانوني، ماذا تمثل لكم هذه المبادرات؟ وهل ترون أن القيمة الحقيقية للمفكر تكمن في الجوائز والتكريمات التي يحصل عليها، أم في الأثر الذي تتركه أفكاره وأعماله في المجتمع والأجيال القادمة؟ وفي ختام مسيرتكم الحافلة، ما المشروع الفكري أو البحثي الذي ما زلتم تطمحون إلى إنجازه؟ وما الرسالة أو النصيحة التي توجهونها إلى الباحثين الشباب في مجالات القانون والتاريخ وحقوق الإنسان؟ وكيف تتمنون أن تبقى تجربتكم ونتاجكم الفكري في ذاكرة القراء والأجيال المقبلة؟

ج7: التكريم لا يجسد القيمة الحقيقية للباحث او الكاتب ، بل تشكل دافعا إضافيا ، وطلبا اعتباريا لاستمرار العطاء ، ولهذا انا اراهن على ما سأتركه من اثر طيب وحقائق دونتها عن قناعة عن المجتمع الايزيدي ، ومتفائل جدا اليوم لبروز عدد من الكتاب المهمين والجادين من بين أبناء الايزيديين ، عدد من الكتب التي صدرت منهم تنم عن ظهور جيل شجاع يدافع عن حقه وحقوق اهله ، أسماء مهمة واعدة لها مستقبل باهر في الكتابة والبحث ، منهم على سبيل المثال لا الحصر الدكتور خليل جندي ، والدكتور ممو فرحان عثمان ، وصباح كنجي ، وميرزا دناني ، والمرحوم عيدو بابا شيخ ، والمرحوم خدر بير سليمان ،والمرحوم خيري شنكالي وحاجي علو ، وعدنان زيان ، وهوشنك بروكا ، و عز الدين باقسري ، وداوود مراد الختاري ، والدكتور قيصر خلات يزدين ، وبدل فقير حجي وحسو هورمي وغيرهم العديد من الكتاب الايزيديين الذين اثبتوا قدرتهم العلمية على البحث والكتابة .
البحث يحتاج الى معيشة ومعرفة دقيقة بالحدث ، ولهذا وقع العديد من الكتاب في أخطاء معلوماتهم عن المجتمع والديانة الايزيدية ، اغلب هؤلاء اعتمد على السماع والنقل ، معايشة المجتمع وتدقيق التفاصيل ومشاهدة الطقس ومعرفته بدقة هو ما يوصل للصورة الدقيقة المطلوب من الكاتب والمؤرخ كتابتها ، الايزيدية ليست خبرا او ملف او قضية بقدر ماهي عميقة الجذور ، تتضمن طقوس والتزامات صارمة ، داخلها عميق وروحاني ، تاريخ طويل مليء بالمآسي والدماء ، كل هذا يحتاج من الباحثين الشباب الصبر والدقة وخوض التجربة شخصيا ، وان لا أتمنى بل اثق جدا بان كتاباتي عن الايزيدية ستبقى لزمن طويل بعدي في ذاكرة المجتمع الايزيدي واجيالهم القادمة بعد رحيلي عن هذه الدنيا .

سؤال أخير

جاء تكريمكم في برلين من قبل المركز الاستشاري الإيزيدي في ألمانيا متزامنًا مع إحياء الذكرى الثانية عشرة للإبادة الجماعية بحق الإيزيديين، وهي مناسبة تحمل أبعادًا إنسانية وتاريخية كبيرة. كيف استقبلتم هذا التكريم؟ وما الرسالة التي تودون توجيهها إلى المجتمع الدولي والباحثين والإعلاميين بشأن مسؤولية توثيق هذه الجريمة والحفاظ على ذاكرة الضحايا ومنع تكرارها؟

ج: كما اخبرتك سابقا ان التكريم من المجلس المركزي للايزيديين في المانيا شكل لي دافعا والتزاما بمواصلة الدرب والمضي الى اخر يوم من العمر ، الإبادة التي حصلت هزت الضمير الإنساني وبقدر الخسارة الفجيعة التي وقعت على المجتمع الايزيدي فأنها وغرت مواقف إيجابية وتعاطف من أوسع المكونات العراقية ، واثق بانها زادت من متانة المجتمع الايزيدي ومواجهته لها ، عاد الايزيدي الى ارضه ومجتمعه وكنس التاريخ كل من أراد به السوء ، الإبادة جرحا لن يندمل مادامت بناتنا واولادنا لم يزلوا مجهولين ، لم تزل بعض القبور غير معروفة ، ستبقى الإبادة الجماعية نحملها كأمانة في ذاكرتنا ، ان نرفع صوتنا سوية ، ان نستمر بالمطالبة بالعدالة وهو حق مشروع ، ان نقف الى جانب كل ناجية وكل عائلة اصابتها اللوعة ، واثق ان صمود الايزيدية انتصارا وسط الجراح والمحن ، لذلك نطالب المجتمع الدولي ان يلتفت الى الايزيديين الذين بدأت الهجرة من بلدهم تأكل أعمارهم واجيالهم ، وتضعف التزاماتهم ، وعلى المجتمع الدولي ان يساهم في توثيق الجرائم والحفاظ على الذاكرة ، وان يمنع تكرارها مرة أخرى فقد شبع الايزيديون من النكبات والفجائع على مر السنوات .

وخِتاماً.. وبعد كل هذا الطريق من السير في دروب القضاء، والغوص في البحث، وشغف الكتابة، والدفاع عن الكرامة الإنسانية، يبقى السؤال الأهم: ماذا تبقى من أحلام زهير كاظم عبود التي لم تُقطف بعد؟.
ج: لم ازل احلم بان جميع العراقيين متساوون في الحقوق والواجبات دون تمييز ، وان اطالع قانون للأحوال الشخصية للايزيديين وللمندائيين ، وان يكون هناك قاضيا من أبناء ديانتهم يقضي بينهم ، وان اسمع أيضا ان رئيسا للوزراء مسيحي وان رئيس الجمهورية آيزيدي وان وزير الداخلية او الدفاع مندائي ، لم ازل احلم بان لكل عراقي الحق في الحياة والحرية والامن ، وان تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين ، وان حرية الانسان وكرامته مكفولة بالقانون ، وان حرية التعبير عن الراي بكل الوسائل متاحة للجميع دون ان يتربص بنا الكاتم اورصاص المجهول .
بلدنا العراق جميل ومصادر الثروات فيه لاتعد ولاتحصى ، نهرين ومعادن متنوعة ، ودخل بالعملة الصعبة يوميا لا يضاهيه أي بلد بالعالم ، لا ينسجم ولاتناسب مع الفقر والتدهور الاقتصادي الذي يحل عليه ، اننا بحاجة لمسؤول يحكم ضميره لا نهتف له ولانموت من اجله ولانذهب فداء لخطواته ، فهو موظف يستلم راتبه ويحكمه قانون الخدمة المدنية ، يقلص الانفاق والهدر ، يلغي الحمايات التي لم يعد لها مبرر ، يدقق في اعداد الموظفين الهوائيين الذين لاوجود لهم فيوقف الانفاق والصرف عنهم ، يلغي المخصصات المليونية لكافة الدرجات والمراكز ، يوقف صرف المبالغ عن المكاتب الاقتصادية للأحزاب ، بحاجة لمسؤول يتابع الفاسدين مهما كانت مراكزهم وعناوينهم ويعرض امرهم على القضاء المستقل ، يعيد ما نهب من العراقيين الى خارج العراق بسرعة فالزمن له حسابات ، وعلى القضاء ان يفرض احكاما رادعة ليكون السارق والمرتشي والناهب ومن استغل منصبه وحصل على المال ان يكونوا عبرة لغيرهم من الفاسدين ، ان يكون المسؤول امام الله وامام الشعب لا يخشى من رئيس كتلة او زعيم حزب او رمز سياسي ، فهذا الشعب امانة في عنقه ان تمكن ان يعيد له حقوقه وكرامته وامنه وسيادته فهو بحق ابنا بارا للعراق ، وبعكسه سيرضى عنه الفاسدين ويذكره التاريخ محملا بالخزي والعار لانه غض النظر واشاح بصره عن الحقائق التي يعرفها ويراها كل أبناء العراق .

وفي ختام حديثنا…، نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى القاضي والكاتب الأستاذ زهير كاظم عبود على منحه لنا جزءًا من وقته، وعلى ما قدمه من رؤى وشهادات مهمة حول مسيرته القضائية والفكرية والبحثية. ونثمّن عاليًا جهوده الممتدة في خدمة القانون، والدفاع عن حقوق الإنسان، والاهتمام بقضايا الأقليات العراقية، ولا سيما جهوده في توثيق تاريخ الإيزيديين وتصحيح المفاهيم المغلوطة وازالة الصور النمطية عنهم، وتعزيز قيم التعايش والتنوع في المجتمع العراقي.
إن تجربة القاضي والكاتب الأستاذ زهير كاظم عبود ، تمثل نموذجًا للمثقف الذي جمع بين رسالة القضاء ومسؤولية الكلمة، وجعل من البحث والكتابة وسيلة للدفاع عن العدالة والإنصاف وحفظ الذاكرة التاريخية للمكونات العراقية. نتمنى له دوام الصحة والعطاء، وأن تبقى مؤلفاته وأبحاثه مصدر إلهام للباحثين والمهتمين بقضايا القانون وحقوق الإنسان والتنوع الثقافيوالديني والقومي.

قد يعجبك ايضا