ياسين الجديدي
كركوك
يفرض علينا الواقع الحالي أن نتوقف عند ظاهرة كثرة الكلام، وأن نتأمل في الأوصاف التي أطلقها العرب في لغتهم على كثيري الكلام، ممن يُقال عنهم في العامية: “يبتلع الهواء ويُخرج كلامًا”. وهو وصف يعكس واقعًا بات مألوفًا؛ واقعًا يكثر فيه القول ويقل فيه الفعل، حتى أصبحت الكلمة تُطلق بلا حساب ولا مسؤولية، ولا يتحمل قائلها تبعاتها.
وقد غدت هذه الظاهرة شبه عامة، ولا سيما بين المتصدرين للمشهد السياسي، حيث تكثر التصريحات والوعود، بينما تغيب الأفعال والإنجازات. حتى أثقلت كثرة الكلام أسماع الناس، وأصبحوا لا يبالون بالهذر الذي لا يترجم إلى واقع ملموس.
لقد عدّ العرب كثرة الكلام، أو الثرثرة، من أشد العيوب، سواء أصاب المتكلم أم أخطأ. ولذلك اهتم بها علماء اللغة والأدب، وأفردوا لها تسميات متعددة بلغت نحو خمسة وعشرين اسمًا، يعكس كل منها جانبًا من هذه الظاهرة اللغوية والاجتماعية. ويبدو من كثرة أسمائها أنها كانت مما يُعاب به الإنسان، بغض النظر عن مضمون كلامه، إذ إن بعض اللغويين رأى أن العيب لا يتعلق بما يقال، وإنما بالإفراط في القول والإطالة فيه.
ويرجع سبب انتقاد العرب للإكثار في الكلام إلى أن البلاغة عندهم تقوم على الإيجاز، كما جاء في المأثور: “خير الكلام ما قل ودل”. ومن هنا أصبحت الإطالة تحمل معنى التكلف والتزيد، لا الفصاحة والبيان.
الثرثرة والطنطنة
من الألفاظ التي أطلقتها العربية على كثير الكلام كلمة “البقباق”، وهو الذي يكثر من الكلام سواء أصاب أم أخطأ. وأصلها من صوت الماء عند اضطرابه. أما “الطنطنة” فهي كثرة الكلام المصحوبة بالصخب، ويقال: رجل ذو طنطان. ويقاربها في المعنى “البربرة”، وكذلك “الوقواقة”، وهو كثير الكلام، وقد اشتقت من الوقوقة، وهي أصوات الطيور ونباح الكلاب.
ويقال أيضًا: “رجل مكثار”، و**“الفقاق”، و“التلهوق”**، وهو كثير الكلام المتكلف في ألفاظه. أما “التقعر” فهو من عيوب البيان، سواء في الحديث أو الكتابة، لما فيه من تكلف وتعقيد.
ومن أشهر الألفاظ المتداولة اليوم “الثرثرة”، وهي من العيوب المعروفة منذ القدم. فـ**“المثرثر”** هو كثير الكلام، ويقال أيضًا “الهذر” أو “الهذرة” لمن يكثر من الحديث بلا فائدة. وإذا اقترن ذلك برفع الصوت والمبالغة فيه قيل: “الرعّاد”، وهو كثير الكلام، وقد ورد ذكره في كتب اللغة والأمثال العربية.
الإسهاب والمطمطة
ومن الألفاظ الدالة على كثرة الكلام أيضًا “النثر”، فيقال: رجل “نثر” أو “منثر”، أي يبعثر الكلام كما يُبعثر الشيء المنثور. ويأتي بعد ذلك “الإسهاب”، وهو الإطالة في الحديث حتى يخرج المتكلم عن أصل الموضوع أو يبالغ في التفصيل، ويقال لصاحبه: “مسهب”.
أما إذا اقترنت كثرة الكلام بعيب أخلاقي أو بالحمق، فيوصف صاحبها بـ**“الهوب”**، وهو المهذار الأحمق. ويقال كذلك “الفيهق” أو “المتفيهق”، وهو الذي يتوسع في الكلام ويتشدق به، وقد ورد في الحديث النبوي الشريف ذم المتفيهقين والمتشدقين.
ومن الألفاظ القديمة التي لا تزال حاضرة في بعض اللهجات العربية “المطمطة”، وهي تعمد إطالة الكلام ومدّه دون حاجة، ويقال: مطمط في كلامه، أي أطاله تكلفًا. وغالبًا ما تستعمل للدلالة على المراوغة أو إخفاء المقصود أو التهرب من الإجابة.
الرجل الوعواع
ومن أوصاف كثير الكلام أيضًا: “الهتّات”، و**“الهتمنة”، و“الفجفج”، و“الفجفاج”**، وهي ألفاظ تصف من يكثر الكلام بلا نظام أو يدّعي ما ليس عنده. ويقال كذلك “اليهمور” لمن يفيض في الحديث بلا ضابط.
ومن الطريف في العربية وصف كثير الكلام بـ**“الوعواع”، وهو المهذار الذي يثير الضجيج، كما تستعمل “الوعوعة” للدلالة على إثارة البلبلة والاضطراب. ومن الأوصاف الأخرى: “المنازق”، و“القيعر”، و“القيعار”، و“المقعار”**، وهي تدل على كثير الكلام والمتشدق. كما يطلق “الإذراع” على الإفراط في الحديث، ويقال أيضًا “الهندليق” لمن لا يكف عن الكلام.
إن هذا الثراء اللغوي في وصف كثرة الكلام يكشف مدى اهتمام العرب بقيمة الكلمة، وإيمانهم بأن البلاغة ليست في كثرة القول، وإنما في حسن التعبير، ودقة المعنى، وموافقة الكلام للفعل. ولعل واقعنا اليوم أحوج ما يكون إلى استعادة هذا المبدأ؛ فالكلمات لا تصنع الإنجازات ما لم تترجم إلى أفعال، ولا تبني الأوطان إلا إذا اقترنت بالصدق والعمل.