خالد بهلوي
يدخل الإنسان المدرسة ليتعلّم القراءة والكتابة وفق المناهج التي تضعها المؤسسات التعليمية، والتي تقتصر غالبًا على تلقين المعلومات وحفظها، لكنها ليست الوسيلة الوحيدة التي تفتح أمام الإنسان آفاقًا أوسع للمعرفة، ولا تسهم في بناء شخصيته الفكرية ؛ وتنمية وعيه.
لأن المعرفة لا تعتمد على الكتب المدرسية وحدها، بل تمتد إلى قراءة القصص والروايات والكتب العلمية والأدبية والدينية، وغيرها من المصادر التي تنير الفكر وتنشطه وتوسّع الأفق. ولتنمية عادة القراءة، من الأفضل أن يبدأ الإنسان بما ينسجم مع اهتماماته وميوله، كالروايات السلسة، أو القصص الممتعة، أو الكتب التي تعالج موضوعات قريبة من حياته.
أما إذا وجد صعوبة في القراءة، فيمكنه أن يبدأ بحضور المحاضرات والدورات التعليمية، أو مشاهدة البرامج الثقافية -الأفلام الوثائقية – الحوار مع أصحاب الخبرة – أو المشاركة في الندوات وورش العمل – الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي. كما أن مخالطة المثقفين والعلماء وكبار السن تمثل مصدرًا مهمًا لاكتساب المعرفة والخبرة.
ويستحسن أن تكون البداية بقراءة نصوص قصيرة مكتوبة بلغة واضحة، وفي موضوعات قريبة من الحياة اليومية. ولا بأس أن تكون القراءة بطيئة أو متقطعة، فالأهم هو الاستمرار. وإذا كان الإنسان يشعر بأن الكتب مملة، فيمكنه أن يخصص عشر دقائق فقط يوميًا للقراءة، لأن الهدف ليس قراءة أكبر عدد من الكتب، بل اكتساب المعرفة التي تساعد على فهم العالم وتفسير ما يجري حوله.
ومن هنا، لا يوجد طريق واحد لاكتساب الثقافة والمعرفة. فمن لا يميل إلى القراءة يمكنه أن يبدأ بالاستماع أو المشاهدة. وتُعد القصص والروايات بداية مناسبة، فهي تساعد على تكوين عادة القراءة دون أن يشعر الإنسان بأنها واجب ثقيل، كما تنمي التركيز، وتثري اللغة والمفردات، وتوسّع الخيال، وتعزز القدرة على فهم الشخصيات والأفكار. وعندما تصبح القراءة عادة، يصبح الانتقال إلى الكتب الفكرية والعلمية أو الدينية أكثر سهولة.
وبالمقابل، لا يمكن مطالبة شخص يعمل ساعات طويلة لتأمين احتياجاته الأساسية بأن يقرأ بالطريقة نفسها التي يقرأ بها من يمتلك وقتًا وفرصًا أكبر. فكثير من الناس لا يملكون الوقت الكافي بسبب صعوبة الظروف المعيشية، أو بسبب ارتفاع أسعار الكتب مقارنة بدخولهم، ولا سيما الموظفين والعمال. ومع ذلك، قد يمتلك هؤلاء خبرة حياتية واسعة اكتسبوها من العمل والتجربة والحوار، وهي خبرة تستحق التقدير، ولا تقلل من قيمتها قلة القراءة.
وفي المقابل، ليست كل قراءة نافعة، وليس كل قارئ أكثر وعيًا. فقد تؤدي بعض القراءات إلى تكوين وعي زائف إذا اكتفى الإنسان بترديد أفكار الآخرين دون تفكير أو نقد، أو إذا تعامل مع الكتب بوصفها وسيلة لتكديس المعلومات لا لفهمها وتحليلها. فالقارئ الحقيقي ليس من يحفظ الأفكار، بل من يناقشها ويختبرها ويكوّن منها رؤية مستقلة.
لذلك، من المفيد أن يسأل الإنسان نفسه: ما الموضوعات التي تهمني؟ وما الأسئلة التي تشغلني؟ وهل أبدأ بكتب لكتّاب معروفين، أم بنصوص سهلة تشجعني على القراءة، أم بكتب تعالج القضايا التي أعيشها في حياتي اليومية؟ وهل أقرأ لتمضية الوقت، أم لتطوير ذاتي وتوسيع فهمي للحياة؟
إن السؤال الأهم ليس: «هل قرأت؟»، بل: «ماذا تعلمت؟ وكيف أثرت القراءة في طريقة تفكيرك؟». فالقراءة تظل من أكثر الوسائل فاعلية في توسيع الأفق وبناء العقل، شريطة أن تُمارس بوعي، وأن ترتبط بتجارب الإنسان وواقعه.
ولهذا، لا تبدأ بكتاب ضخم أو معقد، ولا تُجبر نفسك على إكمال كتاب لا يضيف إليك شيئًا. فالمهم هو الاستمرار في القراءة، وربط ما تقرؤه بحياتك وتجاربك، لأن القراءة التي تنفصل عن الواقع قد تتحول إلى نشاط شكلي، مهما ازداد عدد الكتب المقروءة. فالقراءة ليست سباقًا في عدد الصفحات أو الكتب، بل رحلة مستمرة في بناء العقل وتنمية الوعي.
وعندما ترتبط القراءة بواقع الإنسان، تتحول من عادة ثقافية إلى أداة لفهم المجتمع والحياة والمساهمة في تغييره. ولذلك تبقى القراءة وسيلة لبناء عقل أكثر استقلالًا، وإنسان أكثر وعيًا وإنصافًا. فقيمتها الحقيقية لا تكمن في كثرة ما نقرأ، بل في مقدار ما نتعلمه، وكيف ينعكس ذلك على طريقة تفكيرنا، وفهمنا للعالم، وقدرتنا على اتخاذ مواقف أكثر حكمة ووعيًا.