مهند محمود شوقي
لم يكن أكثر ما شد انتباهي في قضاء ئامێدی بوابته الحجرية، ولا أسواره التي قاومت قروناً من التحولات، بل ذلك الشعور الذي يرافق الإنسان عندما يقف في مكان يدرك أن آلاف الأشخاص سبقوه إلى النقطة نفسها. ملوك مروا من هنا، وعلماء ورهبان وتجار وجنود، تركوا جميعاً أثراً ما زالت الأرض تحفظه بصمت. كل خطوة بين أزقة المدينة كانت تفتح نافذة على زمن آخر. الكنائس العتيقة، والمسجد الكبير، ومدرسة قوبهان، والبيوت التي تتشبث بحافة الجبل، لم تكن مجرد مبانٍ قديمة، بل صفحات حية من تاريخ لم ينقطع. وسط تلك الرحلة، ظل سؤال واحد يرافقني: كيف يمكن لمدينة بهذا العمق التاريخي أن تفقد جزءاً من ذاكرتها؟ وكيف غادرت قطع أثرية ومخطوطات خرجت من هذه الأرض لتستقر بعيداً عنها، بينما يبقى المكان الذي أنجبها ينتظر عودتها؟
ذلك السؤال لا يتعلق بملكية قطعة أثرية، بل بالهوية. فالآثار ليست مقتنيات تُعرض خلف واجهات زجاجية، وإنما ذاكرة شعب، وكلما ابتعدت الذاكرة عن موطنها، أصبح من الصعب على الأجيال الجديدة أن ترى تاريخها بعينيها، لا أن تكتفي بقراءته.
كوردستان ليست هامشاً في تاريخ العراق، بل واحدة من أقدم بقاع الشرق التي احتضنت الإنسان والحضارة. تمتد في جبالها ووديانها وسهولها آلاف المواقع الأثرية، من كهوف ما قبل التاريخ إلى القلاع والمدن التاريخية والكنائس والأديرة والمساجد والجسور، وصولاً إلى آثار الإمارات الكوردية التي تركت إرثاً عمرانياً وثقافياً ما زال حاضراً حتى اليوم.
قلعة أربيل، المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ليست سوى عنوان لهذا التاريخ الطويل، فيما تنتشر في دهوك وزاخو والعمادية وسوران ورواندز والسليمانية وكرميان وحلبجة مئات التلال والمواقع الأثرية التي تكشف أعمال التنقيب في كل عام عن جوانب جديدة منها، في تأكيد مستمر على أن ما تخفيه الأرض لا يزال أكبر بكثير مما كُشف عنه. وتبقى العمادية واحدة من أكثر مدن كوردستان تعبيراً عن هذا الإرث. فقد كانت عاصمة لإمارة بادينان ومركزاً للعلم والإدارة والتجارة، وما تزال معالمها التاريخية شاهدة على تلك الحقبة، فيما تخفي الجبال والوديان المحيطة بها مواقع تنتظر المزيد من البحث والاكتشاف.
وخلال عقود طويلة، كانت اللقى الأثرية المكتشفة في مختلف مناطق العراق تُنقل، وفق القوانين والإجراءات المعمول بها آنذاك، إلى المتحف العراقي في بغداد أو إلى المؤسسات المختصة بحفظ المخطوطات. وربما كانت تلك السياسة مناسبة لظروفها التاريخية، لكنها تستحق اليوم مراجعة هادئة، بعد أن أصبح إقليم كوردستان يمتلك مؤسسات أثرية متخصصة، ومتاحف حديثة، وكفاءات علمية تعمل وفق أحدث المعايير الدولية.
ويعكس اهتمام حكومة إقليم كوردستان، برئاسة مسرور بارزاني، بالتراث الثقافي هذا التحول بوضوح. فقد توسعت أعمال التنقيب بالتعاون مع بعثات أثرية من جامعات ومراكز بحثية عالمية، إلى جانب تنفيذ مشاريع لترميم المواقع التاريخية وتأهيلها، انطلاقاً من رؤية تعتبر التراث جزءاً من التنمية الثقافية والاقتصادية، لا مجرد سجل للماضي.
وتُعد قلعة أربيل النموذج الأبرز لهذه الرؤية. فالقلعة لم تعد مجرد موقع أثري، بل أصبحت مركزاً ثقافياً وسياحياً نابضاً بالحياة بعد مشاريع الترميم والتأهيل التي أعادت إحياء مبانيها وأزقتها، وحولت محيطها إلى فضاء يحتضن المهرجانات والفعاليات الثقافية ويستقبل الزوار من داخل العراق وخارجه. هذا النجاح يثبت أن حماية الآثار لا تعني تجميدها، بل إعادة دمجها في حياة المجتمع، لتصبح رافداً للهوية والاقتصاد والسياحة. ذلك النموذج يمنح الدعوة إلى إعادة الآثار والمخطوطات المرتبطة بتاريخ كوردستان بعداً عملياً، لا عاطفياً. فالقطعة الأثرية تكتسب قيمتها الكاملة عندما تُعرض في البيئة التي خرجت منها، حيث يلتقي التاريخ بالجغرافيا، ويتحول الأثر إلى شاهد حي على حياة الناس الذين صنعوه.
وتتجه دول كثيرة اليوم إلى تعزيز دور المتاحف المحلية، إدراكاً منها بأن التراث ليس مجرد ذاكرة، بل مورد اقتصادي أيضاً. فالسياحة الثقافية أصبحت من أسرع القطاعات نمواً في العالم، والدول التي نجحت في حماية آثارها واستثمارها استطاعت أن تبني صورة حضارية تجذب الباحثين والزوار والاستثمارات. وكوردستان تمتلك كل المقومات لتكون واحدة من أهم وجهات السياحة الثقافية في المنطقة.
لذلك أرى أن المطالبة بإعادة آثار كوردستان لا تعني الانتقاص من المكانة الوطنية للمتحف العراقي في بغداد، الذي أسهم في حماية جانب مهم من تراث العراق خلال عقود صعبة، وإنما تهدف إلى فتح حوار علمي وقانوني بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان، لوضع آليات تسمح بإعادة بعض القطع والمخطوطات إلى مدنها الأصلية، أو إعارتها للعرض الدائم في متاحف الإقليم، بما يحفظ وحدة التراث العراقي ويحقق العدالة الثقافية.
وجود هذه الآثار في موطنها الأصلي سيمنح الباحثين والجامعات فرصة أوسع لدراسة تاريخ المنطقة، وسيعزز ارتباط الأجيال الجديدة بتراثها. فالطفل الذي يقف أمام قطعة أثرية اكتُشفت في مدينته، أو الطالب الذي يقرأ مخطوطة خرجت من مدرسة تاريخية في منطقته، لن يرى مجرد حجر أو ورق قديم، بل سيرى جزءاً من قصته، ومن هوية المكان الذي ينتمي إليه.
ما زالت جبال كوردستان ووديانها تخفي كثيراً من الأسرار، وما تزال الاكتشافات الأثرية تضيف كل عام صفحات جديدة إلى تاريخ هذه الأرض. ويبقى السؤال الذي راودني وأنا أغادر العمادية أكثر حضوراً اليوم: كيف يمكن لذاكرة وُلدت في هذه الجبال أن تبقى بعيدة عن المكان الذي منحها الحياة؟ فالآثار ليست حجارة صامتة، ولا المخطوطات أوراقاً طواها الزمن، بل ذاكرة أمة وشاهد حي على رحلة الإنسان. وكل ذاكرة، مهما ابتعدت، تظل تبحث عن موطنها الأول.