بيشمركة روژ… بين العودة إلى الوطن وخطر الذوبان السياسي

ماهين شيخاني.

هل تكون العودة بوابة للاستقرار والشراكة، أم بداية لفقدان آخر أوراق القوة الكوردية في سوريا؟

لم تعد الزيارة الأخيرة لرئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، إلى دمشق مجرد محطة بروتوكولية في سياق العلاقات بين الجانبين، بل بدت مؤشراً على مرحلة سياسية جديدة تتجاوز تبادل الزيارات والرسائل الدبلوماسية، لتلامس الملفات الأكثر حساسية في مستقبل سوريا.
وفي قلب هذه الملفات يبرز سؤال يزداد إلحاحاً يوماً بعد آخر: ما مصير قوات بيشمركة روژ؟
فبعد سنوات طويلة من الانتظار، لم تعد عودة هذه القوات مجرد مطلب تنظيمي أو قضية تخص المجلس الوطني الكوردي وحده، بل أصبحت جزءاً من معادلة إقليمية ودولية تتقاطع فيها حسابات دمشق، وأربيل، وواشنطن، وأنقرة، كما ترتبط بمستقبل القضية الكوردية نفسها في سوريا.
غير أن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستعود بيشمركة روژ؟ بل أصبح: كيف ستعود؟ وبأي صفة؟ وتحت أي ضمانات سياسية ودستورية؟
من ورقة مؤجلة إلى عنصر في معادلة التوازن
على مدى سنوات، بقيت بيشمركة روژ أشبه بورقة سياسية مؤجلة، حاضرة في الخطاب وغائبة عن الميدان. لكن التحولات التي شهدتها المنطقة، ولا سيما بعد تغير المشهد السوري، جعلت هذه القوات تتحول من ملف قابل للتأجيل إلى أحد مفاتيح إعادة ترتيب المشهد الأمني في شمال وشرق سوريا.
فثمة مؤشرات متزايدة إلى أن أطرافاً إقليمية ودولية تنظر إلى هذه القوة بوصفها عاملاً يمكن أن يسهم في إعادة التوازن داخل الساحة الكوردية، وفي تخفيف حدة الاستقطاب العسكري والسياسي، إذا ما جرى التعامل معها ضمن رؤية توافقية، لا باعتبارها أداة لمواجهة طرف كوردي بآخر.
واشنطن… بين الاستقرار وإعادة الهيكلة
تشير مواقف الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة إلى أن أولويتها الأساسية تتمثل في الحفاظ على الاستقرار ومنع عودة تنظيم داعش، مع دعم ترتيبات أمنية أكثر استدامة في شمال شرق سوريا.
وفي هذا السياق، تبدو بيشمركة روژ بالنسبة إلى بعض دوائر القرار الأمريكية قوة يمكن أن تساهم في تنويع البنية الأمنية الكوردية، وتسهيل أي عملية لإعادة تنظيم المؤسسات العسكرية ضمن تسوية سياسية أوسع، بدلاً من بقاء المشهد محصوراً في طرف واحد.
لكن واشنطن، كما أثبتت تجارب سابقة، تتحرك وفق حسابات مصالحها الاستراتيجية، لا وفق تطلعات أي طرف محلي، الأمر الذي يجعل التعويل عليها وحدها رهاناً محفوفاً بالمخاطر.
تركيا… بين المخاوف الأمنية وفرص التهدئة
منذ سنوات، تعلن أنقرة رفضها لأي تشكيل عسكري تعتبره امتداداً لحزب العمال الكردستاني، وهو ما جعل الملف الكوردي في سوريا أحد أكثر ملفاتها حساسية.
وفي المقابل، يرى بعض المراقبين أن وجود قوة سورية كوردية ذات هوية وطنية مستقلة، ترتبط بعلاقات جيدة مع إقليم كوردستان العراق، قد يفتح نافذة لتخفيف التوتر إذا جرى دمجها ضمن ترتيبات سورية شاملة، بعيداً عن منطق الصدام.
غير أن هذا الاحتمال يبقى رهناً بمدى استعداد جميع الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، بعيداً عن سياسة الغلبة.
دمشق… بين استعادة السيادة والاعتراف بالشراكة
أما الحكومة السورية، فهي تسعى إلى استعادة سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية وإعادة توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية.
غير أن نجاح أي مشروع لإعادة دمج القوى العسكرية لن يتحقق عبر فرض الأمر الواقع، بل يتطلب الاعتراف بأن الاستقرار الدائم لا يصنعه السلاح وحده، وإنما يصنعه أيضاً الاعتراف بالتعددية السياسية والقومية، وبحقوق جميع المكونات ضمن إطار الدولة.
ولهذا، فإن أي ترتيبات تخص بيشمركة روژ ستظل ناقصة إذا لم تترافق مع ضمانات سياسية ودستورية واضحة تحفظ الحقوق القومية للكورد، وتمنع العودة إلى سياسات الإقصاء التي عانت منها البلاد لعقود.
المعضلة الحقيقية… الاندماج أم الذوبان؟
هنا تكمن العقدة الأساسية.
فالحديث لا يدور حول عبور قوة عسكرية إلى الداخل السوري، بل حول طبيعة وجودها بعد العودة.
هل ستكون قوة مستقلة ضمن منظومة وطنية؟
أم ستندمج في تشكيلات قائمة مع احتفاظها بخصوصيتها؟
أم ستذوب بالكامل داخل هياكل أخرى، فتفقد شخصيتها ودورها السياسي؟
إن الفرق بين الاندماج والذوبان ليس فرقاً لغوياً، بل فرق بين الشراكة والإلغاء. فالاندماج الطوعي في مؤسسات وطنية تحترم التعددية يمكن أن يكون مدخلاً للاستقرار، أما الذوبان القسري فيحمل في طياته بذور أزمات جديدة.
الوحدة الكوردية… الحلقة المفقودة
ورغم أهمية العوامل الإقليمية والدولية، يبقى العامل الأكثر حسماً هو الموقف الكوردي الداخلي.
فلا يمكن لأي مشروع أن ينجح إذا ظل الانقسام السياسي بين القوى الكوردية قائماً. إن استمرار الخلافات يمنح الآخرين فرصة للتأثير في القرار الكوردي، ويضعف القدرة على التفاوض حول القضايا المصيرية.
إن عودة بيشمركة روژ ينبغي ألا تتحول إلى عنوان جديد للصراع الداخلي، بل إلى مناسبة لإطلاق حوار كوردي شامل يؤسس لرؤية مشتركة حول مستقبل الوجود الكوردي في سوريا، ويضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية.
الدستور… الضمان الحقيقي
قد تنجح التفاهمات العسكرية في معالجة جانب من الأزمة، لكنها لن تكون كافية إذا بقيت الحقوق السياسية معلقة.
فالقوة العسكرية تستطيع حماية الأرض، لكنها لا تستطيع وحدها حماية الحقوق.
والضمان الحقيقي لأي استقرار دائم يكمن في دستور يعترف بالتعددية القومية، ويكفل الحقوق الثقافية والسياسية والإدارية لجميع السوريين، ويمنح الكورد مكانتهم كشريك أصيل في بناء الدولة، لا كملف أمني قابل للتفاوض.
خاتمة
إن عودة بيشمركة روژ، إذا ما تحققت، ستكون لحظة مفصلية في تاريخ الكورد في سوريا، لكنها لن تكون إنجازاً بحد ذاتها ما لم تتحول إلى جزء من مشروع وطني أوسع يقوم على الشراكة والعدالة والاعتراف المتبادل.
فالرهان الحقيقي ليس على انتقال آلاف المقاتلين عبر الحدود، بل على انتقال سوريا نفسها من منطق الصراع إلى منطق الدولة، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة: هل ستكون بيشمركة روژ جسراً يعبر بالكورد إلى شراكة دستورية دائمة داخل سوريا الجديدة، أم تتحول إلى ورقة أخرى تستهلكها صفقات السياسة وتقلبات المصالح؟
إن الجواب لن تصنعه البنادق وحدها، بل ستصنعه أيضاً الحكمة السياسية، ووحدة الصف الكوردي، والقدرة على تحويل التضحيات إلى حقوق ثابتة لا تتغير بتغير الحكومات أو موازين القوى.

قد يعجبك ايضا