آسو طارق أغاجان
في زمنٍ تُقاس فيه الأشياء بالأرقام، وتُرسم فيه الخطط وفق معادلات الربح والخسارة، يقف العراق كل عام أمام مشهدٍ يعجز الاقتصاد عن تفسيره، وتعجز الأرقام عن احتوائه. فعلى الرغم من الأزمات المالية الخانقة، وارتفاع تكاليف المعيشة، والضغوط التي تدفع الناس إلى الادخار وتقليل النفقات، تبقى هناك مناسبة تتوقف عندها كل الحسابات، وكأنها استثناء لا يخضع لقوانين الاقتصاد، بل لمنطق الإيمان. إنها أيام الإمام الحسين (عليه السلام).
فمع اقتراب شهر محرم و صفر ، تتجدد في العراق لوحة إنسانية نادرة، يصنعها أصحاب المواكب الحسينية الذين يفتحون قلوبهم قبل بيوتهم، ويهيئون للزائرين الطعام والشراب والمأوى والخدمات، بسخاءٍ يثير الدهشة. لا يسأل أحدهم: من أين جاءت هذه القدرة؟ وكيف توفرت هذه الأموال في زمن الشدة؟ لأن الجواب يتجاوز لغة الحسابات؛ إنه إيمانٌ راسخ بأن ما يُقدَّم في طريق الحسين ليس إنفاقًا، بل قربى إلى الله، وبركة يضاعفها العطاء.
ليست المواكب الحسينية ساحةً للتفاخر، ولا سباقًا في كثرة الولائم، بل ميدانًا للتنافس في الإحسان، وتجسيدًا لمعنى قوله تعالى: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾. فكلُّ صاحب موكب يرى في خدمة زوار سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شرفًا ورسالة، ويؤمن بأن ما يبذله هو زادٌ يدخره ليومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون.
لقد ارتبط العراقيون بالقضية الحسينية ارتباطًا تجاوز حدود العاطفة، فأصبحت جزءًا من هويتهم ووجدانهم. ورأوا في الإمام الحسين (عليه السلام) رمزًا خالدًا للحق والعدل والكرامة، وفي ثورته مدرسةً تتجدد مع كل جيل، تُعلِّم الناس أن الكرامة أغلى من الحياة، وأن التضحية من أجل المبادئ هي طريق الخلود.
ولم يكن هذا الإيمان وليد اليوم، بل تعمّق عبر عقودٍ طويلة من المحن. فقد شهد العراق في مراحل مختلفة محاولات لمنع إحياء الشعائر الحسينية وفرض قيود وعقوبات قاسية على المشاركين فيها. ومع ذلك، لم تتوقف القوافل، ولم تنطفئ المواكب، ولم تنكسر إرادة المؤمنين. كانوا يواجهون الخوف بالصبر، والمنع بالإصرار، لأنهم كانوا يرون في السير إلى الحسين موقفًا من الحق قبل أن يكون رحلةً إلى كربلاء.
وهكذا بقي الحسين حاضرًا في ضمير العراقيين، وبقيت كربلاء موعدًا سنويًا تتجدد فيه معاني الإيثار والتكافل والتضحية. إنها أيام تتراجع فيها الأنانية أمام روح الجماعة، ويتحول العطاء إلى ثقافة، ويصبح الكرم لغةً يتحدث بها الجميع دون موعدٍ أو مقابل.
أما الذين حاربوا الحسين، ومن سار على نهج الظلم والطغيان عبر التاريخ، فقد رحلوا وبقيت سيرتهم مقرونةً بالاستبداد وسوء الذكر، بينما بقي الحسين رمزًا خالدًا للحق، يفد إلى مرقده الملايين من مختلف الشعوب والأعراق واللغات، يستلهمون من نهضته معاني الحرية والعدالة والكرامة.
إن التاريخ يثبت في كل عصر أن الطغيان، مهما امتلك من قوة، مصيره إلى زوال، وأن الرسائل القائمة على الحق هي التي تبقى. ولذلك بقيت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) حيّةً في ضمير الإنسانية، لأنها خاطبت القيم التي لا تموت، ورسخت مبدأ الانتصار للحق ورفض الظلم.
وكلما اشتدت الأزمات، ازداد هذا الشعب تمسكًا بالحسين، وكأن لسان حاله يقول: قد تضيق الدنيا بأهلها، لكن الطريق إلى الحسين لا يضيق أبدًا. فمدرسة الحسين علّمت الأجيال أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يعطي، وأن أعظم الثروات ليست ما يُدَّخر في الخزائن، بل ما يُغرس في القلوب من يقين، وما يُقدَّم في سبيل الخير من عطاء.