الدكتور احمد كاخورى
شهد شارع المتنبي، الشريان الثقافي النابض للعاصمة بغداد، حراكاً فكرياً مميزاً احتضنه “المركز الثقافي البغدادي”. حيث أُقيمت ندوة حوارية موسعة تناولت موضوعاً غاية في الأهمية والحساسية، وهو “العلاقات الكردية العربية.. آفاق الحاضر وجذور التاريخ”، مع تسليط الضوء بشكل خاص على الدور المحوري والستراتيجي الذي لعبه القائد الكردي مسعود بارزاني في صياغة وتوجيه هذه العلاقات ومسار العمل المشترك.
جمعت الندوة نخبة من الباحثين، الأكاديميين، والمثقفين من مختلف الأطياف العراقية، وشهدت نقاشات معمقة ومصارحات فكرية هدفت إلى تفكيك ثنائية العلاقة بين المكونين الرئيسيين في العراق، والبحث عن المشتركات التي تضمن بناء مستقبل مستقر.

جذور الإخاء والمشتركات التاريخية
افتتح المحاضرون الندوة بالعودة إلى الجذور التاريخية التي تربط العرب والكُرد، مستذكرين عقوداً من التعايش السلمي والنضال المشترك ضد الديكتاتورية والأنظمة الشمولية التي حاولت مراراً تمزيق هذا النسيج الاجتماعي.
وأكد الباحثون في طروحاتهم أن الخلافات السياسية التي ظهرت في بعض المراحل التاريخية لم تكن يوماً خلافاً بين الشعبين (العربي والكردي)، بل كانت نتاج سياسات خاطئة اعتمدتها الأنظمة الحاكمة. واعتبر الحاضرون أن الثقافة والآداب، والتي يمثل شارع المتنبي رمزيتها الأبرز، كانت دائماً جسراً يعبر فوق الخلافات السياسية ليربط بين بغداد وأربيل والسليمانية.
نهج كاك مسعود بارزاني: مدرسة الدبلوماسية والتعايش
أفردت الندوة مساحة واسعة ومستفيضة لمناقشة دور الرئيس مسعود بارزاني، بوصفه واحداً من أبرز القادة الذين تركوا بصمة واضحة على مسار العلاقات الكردية العربية، ليس فقط في العراق بل على مستوى المنطقة.
وقد تلخصت القراءة التحليلية لدور الرئيس بارزاني في عدة نقاط جوهرية:
حليف المعارضة العراقية: استذكار دوره القيادي قبل عام 2003، حيث فتحت أربيل أبوابها لاحتضان قوى المعارضة العربية (الشيعية والسنية على حد سواء)، وتأسيس قاعدة متينة للعمل المشترك لإسقاط الديكتاتورية وبناء عراق ديمقراطي تعددي.
صياغة الدستور والتوازن الستراتيجي: أشار المتحدثون إلى حكمة بارزاني في مرحلة كتابة الدستور العراقي عام 2005، وحرصه على تثبيت الهوية التعددية للعراق وضمان حقوق الجميع، مع التأكيد المستمر على أن “العرب هم الشركاء الحقيقيون للكُرد في الوطن”.
الحرب ضد الإرهاب (داعش): تم تسليط الضوء على التنسيق الستراتيجي والتاريخي الذي قاده بارزاني بين قوات البيشمركة والجيش العراقي والقوات الأمنية الاتحادية دحراً لتنظيم داعش الإرهابي، حيث امتزجت الدماء العربية والكردية في خندق واحد للدفاع عن الأرض، وهي الصورة الأبرز لعمق هذه العلاقة في العصر الحديث.
لغة الحوار والتهدئة: حتى في أشد الأزمات السياسية تعقيداً، كان نهج الرئيس بارزاني يعتمد دائماً على أن “بغداد هي العمق الستراتيجي لكردستان”، وأن الحوار تحت سقف الدستور والمصالح المشتركة هو السبيل الوحيد لحل الخلافات حول ملفات النفط والموازنة والمناطق المتنازع عليها.
شارع المتنبي: رمزية المكان والرسالة
حمل إقامة هذه الندوة في “المركز الثقافي البغدادي” المطل على نهر دجلة وفي قلب شارع المتنبي رسالة بالغة الدلالة؛ فالشارع الذي يجمع كتب السياسة، والتاريخ، والفلسفة، أكد من جديد أنه قادر على جمع “الإخوة الخصوم في السياسة” ليتحاوروا بلغة الفكر المنصف.
وقد أجمع المشاركون في ختام الندوة على ضرورة استمرار هذه اللقاءات الثقافية لتصحيح المفاهيم المغلوطة، والابتعاد عن الخطاب المتشنج، والتركيز على بناء دولة المواطنة والمؤسسات. فالعلاقات الكردية العربية، كما وصفتها الندوة، ليست خياراً سياسياً مؤقتاً، بل هي “قدر جغرافي وتاريخي مشترك” يتطلب حكمة القادة ووعي النخب الثقافية لضمان استمراره وازدهاره.