بين هرمز وباب المندب.. شرق اليمن والجغرافيا التي تستعيد أهميتها

مشتـاق هاشم العلوي

لم أستطع، وأنا أتابع تطورات الأيام الأخيرة، أن أنظر إلى المشهد باعتباره مواجهة عسكرية تدور بين أطراف معلومة فقط. كانت هناك حركة أخرى تجري في الخلفية، ترتبط بالممرات البحرية والسواحل والموانئ التي عادت إلى واجهة الاهتمام. ومع تتابع الأخبار بدأت الخريطة تبدو مختلفة عن الصورة التي استقرت في أذهاننا خلال السنوات الماضية.

ولهذا عدت إلى خريطة اليمن، وتأملت موقع البلاد داخل هذا الامتداد البحري الذي يصل الخليج ببحر العرب ثم باب المندب، وموقع شرق اليمن داخل هذه الجغرافيا الواسعة التي ظلت لسنوات بعيدة عن مركز النقاش. كان السؤال يتعلق بالطريقة التي بدأت تُقرأ بها هذه المنطقة مع التحولات التي تشهدها المنطقة المحيطة بها.

لأعوام طويلة، ارتبط الحديث عن اليمن بالجبهات البرية والصراعات الداخلية، بينما بقي البحر حاضرًا في الخلفية رغم ارتباطه المباشر بحركة التجارة والطاقة في المنطقة. ومع انتقال جزء كبير من الاهتمام إلى أمن الممرات البحرية، بدأت الحاجة إلى قراءة هذا الامتداد البحري ضمن حسابات أوسع تتصل بمستقبل الإقليم.

لم يعد البحر في التطورات الجارية مجرد مساحة لحركة السفن، فقد أصبح حاضرًا في الحسابات السياسية والاقتصادية والأمنية التي ترافق الصراع. فالمساحات الممتدة من الخليج إلى بحر العرب وباب المندب تتحرك داخل شبكة واحدة من المصالح المرتبطة بالملاحة والطاقة والتجارة الدولية، ويؤثر ما يحدث في أحد أجزائها على بقية هذا المجال.

ومن داخل هذا المشهد تظهر السواحل الشرقية لليمن باعتبارها جزءًا من إعادة ترتيب الاهتمام الإقليمي. فموقعها على بحر العرب يمنحها حضورًا متزايدًا في النقاشات المرتبطة بمستقبل المنطقة، ويفتح أسئلة حول الدور الذي يمكن أن تؤديه هذه الجغرافيا في المرحلة المقبلة.

ويأخذ شرق اليمن مكانه داخل هذه الصورة الأوسع. فالساحل الممتد على بحر العرب يضع هذه المحافظات ضمن مساحة بحرية تتزايد أهميتها مع التحولات التي تشهدها المنطقة، ويربطها بفضاء يمتد من الخليج إلى المحيط الهندي.

ولسنوات طويلة، انصرف الاهتمام إلى الحرب داخل اليمن وبقيت هذه المنطقة بعيدة عن النقاش الذي ينسجم مع طبيعة موقعها. ومع عودة البحر إلى واجهة المشهد، بدأت المحافظات الشرقية تحضر بصورة أكبر في الملفات المرتبطة بالطاقة، والملاحة، وأمن خطوط التجارة.

غير أن قيمة هذا الموقع تفتح أسئلة تتعلق بالقدرة على تحويله إلى دور مؤثر. فالموانئ، والبنية التحتية، والقدرة المؤسسية، كلها عناصر تحدد طريقة الاستفادة من هذه الإمكانات. وتحويل الموقع إلى وظيفة اقتصادية يحتاج إلى تخطيط طويل المدى يربط الساحل بحركة التنمية.

وتظهر هذه الصورة بوضوح عند النظر إلى حضرموت والمهرة وشبوة، حيث تجتمع السواحل الطويلة مع الموارد الطبيعية والامتداد البحري. وتمثل هذه المحافظات جزءًا مهمًا من أي تصور مستقبلي يتعلق بموقع اليمن الاقتصادي والسياسي، خصوصًا في مرحلة تعيد فيها المنطقة ترتيب أولوياتها حول التجارة والطاقة والأمن البحري.

ومن يتابع النقاش الدائر حول شرق اليمن يلاحظ أن الاهتمام ينصرف غالبًا إلى موقعه، بينما تبقى مسألة بناء القدرات اللازمة للاستفادة منه أقل حضورًا. وتحتاج الاستفادة من هذا الساحل إلى موانئ قادرة على استيعاب حركة أكبر، وطرق تربطه بالداخل، ومؤسسات تستطيع إدارة مساحة تزداد أهميتها في حسابات المنطقة.

تشهد المنطقة اليوم تحولات تجعل الجغرافيا البحرية أكثر حضورًا في حسابات الدول. واليمن، بحكم موقعه الممتد بين الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي، يجد نفسه أمام أسئلة تتعلق بكيفية إدارة هذا الامتداد وربطه بمشروع الدولة.

وخلال السنوات المقبلة سيبقى التحدي مرتبطًا بقدرة اليمنيين على بناء رؤية وطنية تستوعب قيمة السواحل والموارد والموقع البحري، وتحول هذه العناصر إلى جزء من مسار اقتصادي وسياسي يمنح اليمن حضورًا أكبر في محيطه.

قد يعجبك ايضا