عبد الحميد زيباري
لم تكن فاجعة شنكال (سنجار) في صيف عام 2014 مجرد كارثة إنسانية عابرة في سجل الجرائم الحديثة، بل كانت إبادة جماعية (جينوسايد) مكتملة الأركان، استهدفت اقتلاع مكوّن أصيل من أرضه وتاريخه. وهذا ما دفع البرلمان الأوروبي والعديد من الدول الأخرى إلى الاعتراف بهذه الجريمة بوصفها إبادة جماعية استهدفت أحد المكونات الأساسية في العراق.
فقد وجد أكثر من 400 ألف إيزيدي أنفسهم، بين عشية وضحاها، نازحين يواجهون الموت فوق قمم الجبال، بينما كانت عصابات تنظيم داعش، او ماكان يسمى بالدولة الاسلامية في العراق والشام، تمارس أفظع صور الجاهلية المعاصرة، من قتل جماعي وسبي وسوق للفتيات والنساء في أسواق النخاسة، من الموصل وتلعفر إلى الرقة.
اليوم، وبعد سنوات من انقشاع غبار المعارك، تقف الأرقام شاهدة على عمق الجرح؛ 96 مقبرة جماعية وثّقت وحشية الإرهاب، فُتحت 77 منها حتى الآن، إضافة إلى 66 مقبرة فردية. وقد أُخرجت رفات 857 ضحية من عتمة تلك المقابر، من بينها قصص لمعجزات حية لـ 29 شخصًا نجوا من الموت بأعجوبة من داخل الحفر الجنائزية. وفي المقابل، ما يزال أكثر من 2,474 مختطفًا مجهولي المصير من أصل 6,417 شخصًا اختطفهم داعش، فيما خلّفت المأساة 2,753 طفلًا يتيمًا.
وأمام هذه التركة الثقيلة من الألم، لم يكن الخيار المتاح يقتصر على تقديم مساعدات إغاثية مؤقتة، بل كان يتطلب استراتيجية شاملة للبناء والتعافي، تعيد إلى الإيزيديين كرامتهم وتضمّد جراحهم النفسية والجسدية، وتمنحهم القدرة على استعادة حياتهم ومستقبلهم.
في هذا السياق، تأتي المبادرة التي أطلقها رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، في الثاني من تموز/يوليو 2024، لتشكّل نقطة تحوّل جوهرية في التعاطي الحكومي مع ملف الناجين والناجيات. ولا ينبغي النظر إلى هذه المبادرة باعتبارها (منحة مالية)، فحسب، بل بوصفها مشروعًا لإعادة التمكين وصون الكرامة الإنسانية.
إن تخصيص منحة مالية شهرية لـ 3,590 ناجيًا وناجية، سواء ممن يقيمون داخل العراق أو خارجه، لا يمثل مجرد استجابة للاحتياجات اليومية، بل يحمل أيضًا اعترافًا أخلاقيًا ورسميًا بما عانته هذه الفئة من مأساة وألم. غير أن القيمة الحقيقية للمشروع تكمن في أبعاده المستدامة؛ من خلال إعادة الناجين إلى مقاعد الدراسة، وتكفّل الحكومة بمستلزماتهم التعليمية، وفتح آفاق الدراسات العليا، بما فيها الماجستير والدكتوراه، أمامهم في جامعات إقليم كوردستان. ولعل هذا هو الرد الأبلغ على الفكر الظلامي الذي أراد تجهيلهم ومحو هويتهم وسلبهم مستقبلهم.
كما أن توفير العلاج الطبي والنفسي المتخصص داخل الإقليم وخارجه، ومراعاة احتياجات الناجين من ذوي الإعاقة، يعكسان إدراكًا عميقًا لحقيقة أن التعافي النفسي والجسدي يمثل شرطًا أساسيًا لإعادة الاندماج في المجتمع واستعادة الحياة الطبيعية. أما إصدار هوية خاصة بالناجين، لتسهيل معاملاتهم في المؤسسات الحكومية والمعابر الأمنية، فيمثل خطوة أخرى باتجاه إعادة إدماجهم كمواطنين مكرّمين، يتمتعون بالحماية والحقوق التي يكفلها القانون.
وعلى الرغم من هذه الجهود المقدّرة، والتزام حكومة الإقليم، ورعاية مؤسسة بارزاني الخيرية التي تدير 15 مخيمًا تضم أكثر من 270 ألف نازح، شهدت ولادة أكثر من 70 ألف طفل خلال 12 عامًا من النزوح، فإن الحقيقة المرة تقول إن الملف لم يُغلق بعد. فعودة نحو 100 ألف نازح فقط إلى شنكال حتى الآن، وهجرة نحو 100 ألف آخرين إلى الخارج، تضعان المجتمع الدولي والحكومة الاتحادية في بغداد أمام مسؤولياتهما التاريخية تجاه هذه القضية.
إن مشروع رئيس حكومة إقليم كوردستان يمثل خطوة شجاعة في الاتجاه الصحيح؛ فهو يتجاوز عقلية (الضحية)، إلى عقلية البناء والتمكين. لكن هذا الأمل الجديد يحتاج إلى بيئة سياسية وأمنية مستقرة في شنكال، وإلى تسريع عمليات التعرف على رفات الضحايا الموجودة في الطب العدلي ببغداد، والتي يتجاوز عددها 500 رفات، فضلًا عن حسم ملف المفقودين، ووضع حد لمعاناة عائلاتهم التي لا تزال تعيش على أمل معرفة مصير أحبائها.
لقد أثبت الإيزيديون عبر التاريخ صلابة استثنائية في مواجهة محاولات المحو والإقصاء. واليوم، ومن خلال التعليم والرعاية والاعتراف بالكرامة الإنسانية، ينبغي أن نضمن ألا يقتصر مستقبل الإيزيديين على مجرد «البقاء على قيد الحياة»، بل أن يمتد إلى (الازدهار والمشاركة الفاعلة)، في صناعة الغد.
فالتعافي الحقيقي من الإبادة لا يتحقق بمجرد استخراج الرفات من ظلمات المقابر الجماعية، بل يبدأ حين تُستعاد كرامة الناجين، ويُفتح أمامهم طريق التعليم والعمل، ويعود المهجّرون إلى أرضهم بأمان، ويصبح المستقبل حقًا لهم، لا مجرد حلم مؤجل.