مصطفى عبدالكريم قایتەوەني
منذ ما يقارب ربع قرن، طُرح مشروع “الشرق الأوسط الكبير” باعتباره أحد أبرز التصورات الاستراتيجية التي ارتبطت بالسياسة الأمريكية تجاه المنطقة. ومنذ ذلك الحين، شهد الشرق الأوسط سلسلة من الحروب والتحولات السياسية والأمنية التي غيّرت موازين القوى، وأعادت رسم كثير من معالم المشهد الإقليمي.
بدأت المرحلة الأولى بالحرب في أفغانستان عام 2001 تحت شعار مكافحة الإرهاب، ثم جاءت حرب العراق عام 2003 بذريعة امتلاك أسلحة الدمار الشامل. ولم تكن الولايات المتحدة وحدها في هاتين الحربين، بل شاركت معها المملكة المتحدة وعدد من الدول الأخرى ضمن تحالف دولي واسع، في واحدة من أكبر العمليات العسكرية التي شهدها الشرق الأوسط وآسيا خلال العقود الأخيرة.
تميّز التدخل الأمريكي في أفغانستان والعراق بأنه لم يقتصر على الضربات الجوية أو الدعم اللوجستي، بل شمل انتشار عشرات الآلاف من الجنود، وإدارة مباشرة للملفات العسكرية والسياسية والمدنية والدبلوماسية، في تجربة مختلفة عن معظم التدخلات الأمريكية السابقة في المنطقة.
وبعد سنوات من الوجود العسكري، انسحبت الولايات المتحدة من العراق عام 2011، وهو انسحاب يرى كثير من المحللين أنه أوجد فراغًا استراتيجيًا استغلته إيران لتوسيع نفوذها السياسي والعسكري داخل العراق، وفي عدد من دول المنطقة، ضمن ما يُعرف إعلاميًا بـ”الهلال الشيعي”. أما الانسحاب من أفغانستان، فقد جاء في سياق مختلف، تحكمه اعتبارات سياسية وعسكرية خاصة بذلك البلد.
وفي الفترة نفسها، اندلعت موجة “الربيع العربي”، التي غيّرت المشهد السياسي في عدد من الدول العربية، كما تحولت الأزمة السورية إلى صراع إقليمي ودولي معقد. ومع سقوط نظام بشار الأسد لاحقًا، دخلت سوريا مرحلة سياسية جديدة، أعادت رسم تحالفاتها الإقليمية والدولية.
اليوم تبدو خريطة التحالفات مختلفة عما كانت عليه قبل عقدين. فالولايات المتحدة وبريطانيا، إلى جانب عدد من الدول الغربية، تحظى بدعم واضح من معظم دول الخليج وعدد من الدول العربية، فيما أصبحت إسرائيل شريكًا معلنًا في ترتيبات أمنية وسياسية متزايدة في المنطقة. وفي المقابل، يبقى الموقف العراقي موضع تساؤل، في ظل تعقيدات المشهد الداخلي وتشابك العلاقات الإقليمية والدولية.
ومن أبرز القضايا التي تثير الجدل استمرار وجود فصائل مسلحة داخل العراق تعمل تحت مسميات مختلفة. ويرى منتقدو هذه الفصائل أنها ترتبط بأجندات إيرانية وتؤثر في القرار العراقي، بينما تؤكد تلك الفصائل أنها جزء من منظومة المقاومة والدفاع عن البلاد. ويظل هذا الملف من أكثر القضايا حساسية في المشهد العراقي.
ومع اتساع دائرة المواجهات العسكرية خلال الأشهر الأخيرة، والتي شملت إيران ولبنان وغزة واليمن، بعد سنوات من الصراع في سوريا، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة أكثر خطورة. فالمواجهات لم تعد تقتصر على عمليات محدودة أو حروب بالوكالة، بل تتجه نحو احتكاكات مباشرة بين دول وقوى إقليمية ودولية، ما يزيد من احتمالات اتساع رقعة الصراع.
وفي هذا السياق، فإن الضربات الجوية الأخيرة التي استهدفت مقار فصائل مسلحة داخل العراق ــ إذا ثبتت تفاصيلها رسميًا ــ تمثل تطورًا لافتًا في مسار الأزمة، وتعكس انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر حساسية، قد تؤثر في أمن العراق واستقرار المنطقة بأكملها.
كما أن الزيارات الأخيرة التي أجراها رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى واشنطن وطهران وأنقرة تعكس إدراك الحكومة العراقية لحجم التحديات التي تواجه البلاد، ومحاولتها الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع مختلف الأطراف، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تنجح الجهود الدبلوماسية في احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة، أو أن تدخل المنطقة مرحلة جديدة من الصراعات يصعب احتواء تداعياتها. وفي كلتا الحالتين، يبقى العراق من أكثر الدول تأثرًا بما يجري، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته مع مختلف القوى الإقليمية والدولية.
إن قراءة المتغيرات الجديدة بعقلانية وواقعية أصبحت ضرورة ملحة أمام صناع القرار في المنطقة، ولا سيما في العراق، لأن إشعال الحروب قد يكون سهلًا، أما إخمادها فغالبًا ما يكون أكثر صعوبة وكلفة.