جاسم العقيلي
لم يخرج الإمام الحسين عليه السلام للقتال من أجل منصب أو سلطة زائلة، بل خرج ليقدم للعالم كلمة واحدة هي جوهر كل الأديان: لا للذل، لا للخنوع، لا للرضا بالظلم، نعم للكرامة والحرية والعدالة. لقد أراد الحسين عليه السلام أن يصحح مسار الأمة، وأن يعيد لها اعتبارها الإنساني بعد أن تحول الحكم إلى أداة للطغيان، وهنا تبرز القضية الجوهرية التي جعلت ثورته معركة كونية بين الحق والباطل، ولذلك قال مقولته الخالدة: “إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي”، فجمع في هذه الكلمات الموجزة كل مبادئ حقوق الإنسان: الإصلاح، والعدل، ومقاومة الظلم، والتمسك بالسيرة النبوية العادلة .
إذا تأملنا خطب الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، نجدها تركز بقوة على الكرامة الإنسانية التي لا تقبل المساومة، فقد أكد أنه لا يرضى بالذل أبداً، وأن الموت في سبيل العزة خير من الحياة تحت وطأة المهانة، فقال كلمته الخالدة: “هيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت، وطهورت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام”، وفي هذا النص تأسيس لقاعدة أخلاقية خالدة: أن الكرامة ليست رفاهية، بل جوهر الوجود الإنساني، وأن التنازل عنها لأجل البقاء هو أسوأ أنواع الخسارة .
كما أكد الإمام عليه السلام على مبدأ المساواة بين الناس، فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، وتجلى ذلك عملياً في تعامله مع أصحابه، فلم يميز بين عربي وأعجمي، ولا بين حر ومملوك، وكان الكل في معسكره سواسية كأسنان المشط، يتسابقون للتضحية في سبيل القيم التي آمنوا بها، وهذه المساواة جعلت من ثورة الحسين عليه السلام رائدة في الدعوة للعدالة الاجتماعية قبل قرون من ظهور المواثيق الدولية التي نفتخر بها اليوم .
لم تكن رسالة الحسين عليه السلام مجرد شعارات، بل تجلت عملياً في كل تفاصيل الثورة، فتعامله مع أصحابه كان مثالاً في احترام إرادة الإنسان، إذ ترك لهم حرية الاختيار الكاملة في البقاء أو الرحيل، ولم يجبر أحداً على القتال، بل قال لهم في ليلة العاشر: “فإنكم قد أصبحتم في حل، فلا يستمسك بي أحد منكم، فانطلقوا في سواد الليل، فإن هؤلاء القوم إنما يطلبوني”، وهذا الموقف يقدم درساً خالداً في احترام حق الإنسان في تقرير مصيره، وفي حريته في اختيار موقفه دون إكراه، ولقد كان من أروع المشاهد أن أصحابه رفضوا الرحيل واختاروا الموت معه عن طواعية، ليؤكدوا أن الحرية الحقيقية هي القدرة على الاختيار الواعي .
وكذلك تعامل الإمام عليه السلام مع خصومه كان مفعماً بالأخلاق الإنسانية السامية، فلم يبدأهم بالقتال، وسعى إلى إيقاظ ضمائرهم بالحجة والكلمة الطيبة، وكانت خطبه فيهم تنبض بروح العدل والإنصاف، تذكرهم بالله وبالمسؤولية الإنسانية، حتى في لحظات المواجهة الأخيرة كان يدعوهم للتوقف والتفكير، وهذه الأخلاق تجعل من ثورة الحسين عليه السلام نموذجاً فريداً في الدفاع عن الحقوق دون التخلي عن المبادئ الإنسانية .
بل إن أروع ما في ثورة الحسين أنها جعلت من التضحية وسيلة لإحياء القيم الإنسانية في النفوس، فلم يقدم الإمام عليه السلام دمه وأهل بيته ثمناً لمكسب دنيوي، بل قدمهم قرباناً لكي تبقى الكرامة الإنسانية راية خفاقة في وجه كل طاغية، وكما قال: “ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة”، فهو يريد أن يقول للأجيال إن الكرامة الإنسانية ليست قابلة للمساومة، وإن الانتصار الحقيقي ليس في البقاء الجسدي، بل في بقاء القيم التي تمنح الحياة معناها .
ما زالت كربلاء حتى اليوم مدرسة للكرامة الإنسانية، تعلمنا أن الإنسان أو المجتمع الذي تمتهن كرامته وتُهدر حقوقه، عليه السعي لإزالة الذل واستعادة العزة، وقد أصبحت الثورة الحسينية رمزاً للمقاومة والنضال ضد الظلم في العالم الإسلامي وخارجه، ومصدر إلهام للكثيرين في مختلف الثقافات، لأنها خاطبت الروح الإنسانية في أعمق أعماقها، وذكرت الناس بأن القيم لا تموت بموت أصحابها، بل تظل حية في ذاكرة التاريخ تنير دروب الأجيال .
تبقى كربلاء النداء الخالد الذي يخترق الزمان والمكان، ليذكر كل إنسان في كل عصر بأنه خُلق حراً كريماً، وأن الكرامة التي منحه الله تعالى إياها ليست للبيع ولا للمساومة، وأن الموت في سبيل العزة خير من الحياة تحت وطأة الذل، هذه هي رسالة الحسين عليه السلام ، رسالة حقوق الإنسان التي لم تعرف زماناً ولا مكاناً، لأنها رسالة الفطرة الإنسانية ذاتها، ودعوة مفتوحة لكل من يسمع صوت العدل في أعماقه أن يقف مع الحق ولو كان وحيداً، وألا يرضى بالظلم ولو كان الغالبية معه، لأن الكرامة الإنسانية هي أغلى ما يملكه الإنسان، وهي الجوهر الذي لا يمكن التفريط فيه .