الشيوعية والقضية الكوردية: من الإخوة الأيديولوجيين إلى الفتور السياسي

قراءة في علاقة اليسار التقليدي بالحركة الكوردية في سوريا والمنطقة

مقدمة: التناقض الذي لم يحل

إذا كانت الماركسية تدعو إلى تحرير الإنسان من كل أشكال القمع الطبقي والقومي، وإذا كانت الشيوعية ترفع شعار “يا عمال العالم اتحدوا” متجاوزة الحدود القومية، فلماذا كانت علاقة الأحزاب الشيوعية والماركسية بالقضية الكوردية في سوريا، والمنطقة عموماً، سطحية وفاترة، بل وأحياناً متواطئة مع الأنظمة التي تقمع الكورد؟

هذا هو السؤال الذي يستحق وقفة نقدية، لا لتبرير مواقف الشيوعيين، بل لفهم كيف تتحول الأيديولوجيا الثورية إلى أداة تبرير للسلطة، وكيف يفقد اليسار عمقه الإنساني عندما يخضع لحسابات الجغرافيا السياسية والمصالح الضيقة.

في هذه المقالة، نحاول قراءة العلاقة بين الشيوعية السورية والقضية الكوردية، من خلال رصد “الفتور التاريخي” بين الطرفين، مع التركيز على دور الأحزاب والقوى الكوردية في تشكيل هذا المشهد، والأسباب التي جعلت من اليسار التقليدي موقفاً محايداً، وأحياناً متواطئاً، تجاه قضية قومية كانت تستحق موقفاً أكثر شجاعة ووضوحاً.

أولاً: المركزية الأيديولوجية مقابل المطلب القومي

منذ نشأتها، اعتمدت الحركات الماركسية والشيوعية في الشرق الأوسط رؤية ترى في القوميات “تشتيتاً للطبقة العاملة” و”انحرافاً برجوازياً”. هذه النظرة جعلت الكورد، الذين يطالبون بحقوقهم القومية، يبدون في نظر الشيوعيين كأنهم “مهددون للوحدة الوطنية”، بدلاً من أن يكونوا جزءاً من نضال الطبقات المضطهدة.

هذا الموقف جعل الحزب الشيوعي السوري يتعامل مع القضية الكوردية كـ”مسألة ثانوية” أو “مطلب انفصالي” يجب تأجيله لصالح “المعركة الأساسية” ضد الإمبريالية والصهيونية. وهكذا، وجد الكورد أنفسهم أمام يسار يرفض نضالهم القومي تحت شعارات “الوحدة الوطنية” و”مكافحة التجزئة”.

وفي العراق، كان الحزب الشيوعي العراقي، رغم تاريخه النضالي الطويل، يتعامل مع القضية الكوردية بوصفها جزءاً من “القضية الوطنية” ضمن إطار الدولة، دون أن يتبنى موقفاً واضحاً من حق الكورد في تقرير المصير، مما جعله يفقد مصداقيته لدى قطاعات واسعة من الكورد الذين اتجهوا نحو الأحزاب القومية.

ثانياً: العلاقة مع الأنظمة القمعية… الشريك الهادئ

في سوريا، كان الحزب الشيوعي السوري (بفصائله المختلفة) جزءاً من المنظومة السياسية للنظام البعثي لعقود. فقد شارك في الحكومات الائتلافية، وقبل بالشراكة مع نظام مارس سياسات قمعية بحق الكورد، مثل:

· الإحصاء الاستثنائي عام 1962 الذي جرد أكثر من 120 ألف كوردي من جنسيتهم.
· مشروع “الحزام العربي” عام 1974 الذي صادر أراضي الفلاحين الكورد على امتداد الحدود التركية.
· سياسات التعريب والتغيير الديموغرافي في المناطق الكوردية.

في هذه المحطات، لم يخرج الشيوعيون بموقف نقدي واضح. على العكس، فضّلوا الصمت أو التبرير، خوفاً من إغضاب النظام الذي كان شريكهم في السلطة. وهكذا، تحول الحزب الشيوعي من حزب ثوري إلى “شريك هامشي” في القمع، وفقد دوره الأخلاقي كصوت للعدالة الاجتماعية.

وفي العراق، كان الحزب الشيوعي العراقي، الذي عانى من قمع النظام البعثي، يسعى للتحالف مع القوى الكوردية أحياناً، لكنه كان يتراجع عن مواقفه عندما تتغير المعادلات السياسية. ففي الثمانينيات، وقف الحزب مع النظام ضد الأكراد أحياناً، وفي التسعينيات حاول التقرب منهم، دون أن يتبنى موقفاً ثابتاً من حقوقهم القومية.

ثالثاً: الأحزاب والقوى الكوردية… الفاعل الحقيقي في غياب اليسار

مع غياب الموقف اليساري الواضح، تولت الأحزاب الكوردية القومية قيادة المطالب الكوردية في سوريا. ومن أبرز هذه الأحزاب والقوى:

الحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا (البارتي): أقدم حزب كوردي في سوريا، تأسس عام 1957، وظل الممثل الأساسي للحركة القومية الكوردية في سوريا لعقود. وقد عانى الحزب من قمع النظام البعثي، وقدم العديد من الشهداء والكوادر التي ناضلت من أجل الحقوق الكوردية. رغم ذلك، ظل الشيوعيون بعيدين عن دعم هذا الحزب أو التعاون معه بشكل فاعل، مما جعل العلاقة بين الطرفين متوترة.

حزب يكيتي (الحزب الديمقراطي الكوردي ـ يكيتي): أحد الأحزاب الكوردية المعارضة، لعب دوراً مهماً في الحراك السياسي الكوردي، وشارك في تشكيل المجلس الوطني الكوردي. كان الحزب يحمل توجهات يسارية في بداياته، لكنه سرعان ما ابتعد عن الشيوعية التقليدية نحو القومية الكوردية، متجاوزاً الانقسامات الأيديولوجية التي كانت تعيق العمل السياسي الكوردي.

حركة المجتمع الديمقراطي (TEV-DEM) وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD): هذه القوى أسست للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وقدمت نموذجاً بديلاً للحكم يقوم على اللامركزية والديمقراطية التشاركية، مستوحى من أفكار عبد الله أوجلان حول “الكونفدرالية الديمقراطية” و”الأمة الديمقراطية”.
هذا النموذج شكل تحدياً للشيوعيين التقليديين، الذين وجدوا أنفسهم أمام مشروع يساري جديد يتجاوز مفاهيمهم المركزية الجامدة.

المجلس الوطني الكوردي (ENKS): تحالف يضم أحزاباً كوردية متعددة، لعب دوراً مهماً في تمثيل الكورد في المفاوضات السياسية. رغم خلافاته الداخلية، فإنه يشكل إطاراً جامعاً للقوى الكوردية التي تسعى إلى توحيد الصف والموقف.

هذه الأحزاب والقوى شكلت الخزان البشري والفكري للقضية الكوردية في سوريا، بينما بقي الشيوعيون على الهامش، يتابعون المشهد دون أن يكون لهم دور فاعل في تشكيله.

رابعاً: صدمة الإدارة الذاتية… اليسار في حرج فكري

في العقود الأخيرة، ومع صعود حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وتأسيس الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، انقلبت الآية الفكرية. تبنت هذه القوى الكوردية أفكاراً مستوحاة من أقصى اليسار (أفكار عبد الله أوجلان حول الكونفدرالية الديمقراطية والأمة الديمقراطية)، مستعيضة عن مفهوم الدولة القومية التقليدية، وهو ما وضع الشيوعيين التقليديين في دمشق في حرج فكري وسياسي متجدد.

فجأة، ظهر مشروع يساري جديد يقدّم بديلاً للدولة المركزية، ويضع الكورد في قلب مشروع تحرري شامل. وهنا وقع الشيوعيون في “حرج فكري” حقيقي. فبدلاً من احتضان هذا النموذج أو تطويره، وقفوا موقفاً حائراً: البعض رفضه لأنه “خارج عن المألوف”، والبعض الآخر تبنى موقفاً متواطئاً مع دمشق وتركيا في محاربته، وآخرون فضلوا الصمت.

هذا الموقف كشف أن الشيوعية السورية، كما في غيرها من الدول العربية، فقدت قدرتها على التجديد، وأصبحت أسيرة للمفاهيم المركزية الجامدة، عاجزة عن تقديم مشروع سياسي بديل يتجاوز الانقسام بين “الدولة القطرية” و”الكونفدرالية”.

خامساً: غياب القيادة الكوردية في التنظيمات اليسارية

على الرغم من وجود كورد في صفوف الحزب الشيوعي والأحزاب الماركسية الأخرى، فإن القيادة ظلت حكراً على النخب العربية أو المركزية، مع هامش محدود للتمثيل الكوردي. وهذا ما دفع الكثير من الكورد إلى الانخراط في الأحزاب القومية الكوردية التي كانت الأكثر حضوراً في المشهد السياسي الكوردي وأكثر تعبيراً عن الهوية والمطالب.

غياب القيادة الكوردية في التنظيمات اليسارية جعل هذه التنظيمات تفقد ارتباطها بالواقع الكوردي، وتصبح مجرد امتداد للمركزية العربية أو الفارسية أو التركية، غير قادرة على فهم عمق القضية الكوردية أو الدفاع عنها.

خاتمة: هل يمكن لليسار أن يستعيد دوره؟

إن الفتور التاريخي بين الشيوعية والماركسية والقضية الكوردية يكشف كيف يمكن للأيديولوجيا الصلبة أن تتحول إلى أداة تبرير للمستبد عندما تفقد عمقها الإنساني وتخضع لحسابات السلطة والجغرافيا السياسية.

فالأحزاب الشيوعية، التي كان يمكن أن تكون حليفاً طبيعياً للقوى الكوردية المطالبة بالعدالة الاجتماعية والمساواة، وجدت نفسها في موقف مناقض بسبب ارتباطها بالأنظمة القمعية، مما جعلها، في أحسن الأحوال، طرفاً محايداً تجاه قضية كانت تستحق موقفاً أكثر شجاعة.

لقد دفع الشيوعيون السوريون ثمن هذا التناقض: فخسروا الخزان البشري والثقافي الكوردي، ولم ينجوا في النهاية من التهميش السياسي من قِبل النظام نفسه. وفي العراق، خسر الحزب الشيوعي مصداقيته لدى الكورد بعد أن تخلت عن مواقفها الواضحة في لحظات الحسم.

لكن السؤال الأهم: هل يمكن لليسار أن يستعيد دوره الحقيقي؟

لا يمكن ذلك إلا إذا:

1. اعترف بفشله التاريخي في التعامل مع القضية الكوردية.
2. تخلى عن تبعيته للأنظمة القمعية والمحاور الإقليمية.
3. تبنى موقفاً نقدياً من سياسات طمس الهوية والقمع القومي.
4. انفتح على النماذج اليسارية الجديدة التي تقدم بديلاً للدولة المركزية.
5. منح القيادة الكوردية مساحة حقيقية في صنع القرار داخل التنظيمات اليسارية.

والدرس الأساسي الذي يفرضه الواقع السوري اليوم هو أن أي مشروع ديمقراطي أو تقدمي لا يجعل من اعترافه بحقوق المكونات والقوميات المضطهدة ركيزة أساسية له، سيبقى مشروعاً قاصراً وعاجزاً عن بناء دولة المواطنة.
* ماهين شيخاني.

قد يعجبك ايضا