جريمة تصنعها نظرة خاطئة!

محمد علي جواد تقي

أثبتت التجارب أن ما يشاهدها الطفل من صغر سنّهمن مشاهد أو صور تخزنها ذاكرته لفترة طويلة،وربما لن تُمحى إذا كانت لصيقة بغريزته الجنسية،فهي تنمو وتكبر مع نمو ونضوج هذه الغريزة فينفسه. كيف يكون ذلك؟!

العين الباصرة؛ هذه النعمة الإلهية العظيمة التييجهل قيمتها صاحبها إلا عندما تصاب بعارضصحي، أو بعاهة يفقدها طوال حياته، يتمتع بهاالإنسان أيما متعة في حياته؛ منذ أن يكحل العينينلأول مرة برؤية أمه وأبيه والمحيطين حوله مع قدر منالاستشعار والتمييز وهو في المهد صغيراً، فيكونتفسير نظراته، ابتسامته الرقيقة التي تدخل السروروالبهجة في قلبيهما، ثم يستمر في استثمار هذهالنعمة في التعرف على الأشياء والأشخاص معمرور الزمان، ومع نمو الجسم والعقل لديه، ومن ثمّتكون عاملاً مساعداً للنمو الفكري والروحي فيمرحلة النضوج والعطاء في حياته. هذه المسيرةالطبيعية المتوافقة مع الفطرة السليمة حدت بالبعضلأن ينظّر إلى إباحة النظر إلى كل شيء بدعوىالحرية الفردية، وأنالإنسان وحده مسؤولٌ عنأفعاله، وأيضاً؛ بعبثية من يتحدث عن النتائجالمستقبلية المترتبة عن بعض حالات النظر غيرالصحيحة، وأنها عبارة عن تكهن بمستقبل غيرمنظور، أو إطلاق افتراض وقوع أحداث قبل أوانها.

بأي معيار نزن صحة النظر؟

الجريمة المروعة التي وقعت في مدينة كركوك شمالالعراق مؤخراً، بقيام اثنين من الأطفال من عمر عشرسنوات وخمسة عشر سنة باختطاف فتاة صغيرةبعمر ثلاث سنوات واغتصابها ثم قتلها ورميها فيمكان مهجور، ليست من صنف الجرائم الجنسيةالتي كنا نسمع بها في قديم الزمان بدوافع غريزيةسببها الحرمان والكبت، إنما هي ترجمان لأزمة فهموتقييم خطيرة لما يمتلكه الإنسان من قدرات، ومنهاقدرة البصر، كما هو الحال بالنسبة لقدرة النطق،فثمة دعوات لإطلاق العنان لللسان لأن يلهج بماتملي عليه نفس صاحبه، بدعوى التعبير عن الرأيوالشخصية، أو حتى الدفاع عن النفس في الحروبالكلامية، ونفس الأمر ينسحب أيضاً على السمعوالاستماع. فثمة قناعة تتسرب بين الأوساطالاجتماعية أن وضع المحددات والقيود ينتج جيلاًمعقداً ومكبوتاً!

هذا النوع من الفهم والتقييم لمسألة النظر منذ مرحلةالطفولة، تفوت الفرصة على الأبوين تحديداً، والمحيطالاجتماعي أيضاً، لأن يضبط هذه الممارسة ويضعلها حدوداً بين حرية الطفل والشاب، وحقوقالآخرين، فإذا كانت الإباحية بالنظر إلى كل شيءفي صغره، فبأي منطق يكون منعه وتحديده فيكبره؟ وهذا يفسر لنا الحرص الشديد في الشريعةعلى لسان المعصومين، عليهم السلام، على التثقيفبمحدودية النظر منذ نعومة الأظفار ليعرف الشابفي مرحلة النضوج، وحتى مرحلة الرجولة، أن ثمةأشياء عليه تجنب النظر إليها لما لها من نتائج سلبيةعلى نفسه هو، وعلى الآخرين، وتحديداً ما يثيرالغريزة الجنسية لدى الذكر والأنثى على حدٍ سواء.

وربما يجادل البعض باستبعاد تأثير المقاطعالإباحيةمثلاًعبر وسائل التواصل الاجتماعي علىسلوك الشباب لوجود القوانين الرادعة، بيد أن هذا لنيصمد أمام طغيان الغريزة الجنسية التي منالصعب تحديد عمر خاص لنضوجه عند الأطفال،وقد أثبتت التجارب أن ما يشاهده الطفل من صغرسنّه من مشاهد أو صور تخزنها ذاكرته لفترة طويلة،وربما لن تُمحى إذا كانت لصيقة بغريزته الجنسية،فهي تنمو وتكبر مع نمو ونضوج هذه الغريزة فينفسه، فإذا لم يتمكن من تجربتها في العاجل فإنهسيكون في الآجل في معظم الأحيان، بل تكون فيالعاجل بداية كما في الحالة المأساوية التيشهدناها ببالغ الأسف في مدينة كركوك، مما يدلعلى شدة التأثر في مقابل قلة الاهتمام وسوء الفهموالتقدير للحالة النفسية لأطفال اليوم.

فقدان المسؤولية الأسرية والنتائج المستقبلية

تنتشر ظاهرة بين الأمهات هذه الأيامومنذ فترةطويلةتشبّه الطفل بالإنسان الآلي المنتج حالياًبكثرة في العالم! فيقللون من شأن نظراته إلىالنساء والفتيات في المجالس والمحافل الخاصة، وأنلا داعي لارتداء الحجاب أمامه، فهولا يفهم شيئاً“! في حين هذه النظرات البريئة والعفوية تتجمع بشكلعفوي أيضاً في الدماغ، لتلتقي فيما بعد بصوريشاهدها من الهاتف المحمول عبر مواقع متعددةفيها نساء وفتيات بأوضاع مختلفة فيقارن بينالصورتين، وتكون النتيجة صحيحة ومطابقة تماماًبأن ما رآه في البيت الفلاني لتلك الفتاة الفلانية هونفس المواصفات والأعضاء البدنية التي يراها فيهاتفه النقال وهو في زاوية نائية في غرفته، وعندماتتكرر الزيارات والنظرات، تتكرر المشاهد المطابقةفي ذهن الطفل وإن كان في العمر الثلاث أو أربعسنوات، وربما أقل في زمن نلاحظ النمو السريعوالمذهل في مدارك الأطفال قياساً بأطفال ما قبلعشرين سنة، أو حتى عشر سنوات. إن الإيحاءالكاذب بصغر سن الطفل، أو نفي الإدراك والفهم،يلبي رغبة بعض الأمهات بالتنصل من مسؤوليةالتعامل مع أطفالهم بشكل آخر يستدعي تخصيصمكان لهم، أو متابعتهم ومراقبتهم، وهذه تحتاجلجهود تزعج البعض وتأخذ من وقتهم!

ولابد من الإشارة في هذا السياق إلى سلوك بعضالآباء والأمهات حيال أطفالهم في المحيط الأسري،وعدم الاكتراث لنوع الملابس، أو حتى القيام ببعضالحركات والتصرفات التي يفترض أن تكون خلفالباب المغلق، والتبريرات جاهزة بأنه ابن العائلة، ولاداعي للتحسس الزائد، أو خلق شعور بالذنب ممايولد ارتباكاً لدى الطفل، فالأفضل ترك الأمور سائبةحتى لا يشعر بشيء غير طبيعي في حياته! بينمامنطق العقل يناقض هذا التصور بأن غير الطبيعيهو وضع الطفل أمام مشاهد تحفز لديه النضوجالجنسي بصورة قسرية وفي غير أوانه، والنتيجة؛انزلاقه لتجربة ما يراه في الواقع الخارجي بنفسالحالة القسرية التي نمت لديه الغريزة الجنسية فيمرحلة طفولته.

إن تحديد نظر الطفل وحتى الطفلة بما يروه فيمحيط البيت، والمجالس العامة، وأيضاً؛ من مواقعالإنترنت، أسهل بكثير من تحديد حركته وهو يريدالإقدام على جريمة اغتصاب، ولا مقارنة مطلقاً بينعناء الأبوين ضمن مسؤوليتهم التربوية فيما يتعلقبنظر الطفل، والمآلات المحزنة والمخزية في آن، فيمانسمعه من أحداث مريعة، وللعلم فإن هذه المعضلةالتربوية تشكو منها عديد البلدان الإسلامية، وجرائممن هذا القبيل مسموعة منذ سنوات طوال، إنماالجديد في الأمر؛ السن المبكر جداً في ارتكاب هذهالجريمة تحديداً. وإن كنا نلتزم الخطاب الإيجابيدائماً في موضوعات اجتماعية، بيد أن الحقيقة لابدأن تقال، بأن التسيب في النظر لدى الأطفال يخلقدوافع خطيرة تبقى حبيسة النفس بسبب الأجواءالضاغطة والروادع الموجودة، يكفي توفر فرصةمعينة تتجمع فيها كل الصور المثيرة لحظة واحدةلتنفجر القنبلة الهائلة.

قد يعجبك ايضا