د.عاطف سلامة: الأدب شاهد على العصر… والكاريكاتير بندقية من نوع آخر

 

 

حوار :عطا درغام .كاتب صحفي من مصر

في المشهد الثقافي الفلسطيني، يصعب اختزال تجربة الدكتور عاطف سلامة في صفة واحدة. فهو باحث أكاديمي، وكاتب وروائي ومسرحي، ورسام كاريكاتير، وإعلامي، جمع بين الإبداع والبحث، وبين العمل الثقافي والانشغال الدائم بالقضية الفلسطينية بوصفها قضية إنسان وذاكرة وهوية.
على امتداد مسيرته، أصدر عشرات الكتب والدراسات والأعمال الأدبية والفنية التي تنوعت بين الكاريكاتير، والرواية، والمسرح، والبحث العلمي، واضعًا الإنسان الفلسطيني في قلب مشروعه الفكري والإبداعي. وقد انشغل مبكرًا بتأصيل فن الكاريكاتير عربيًا، وكتب عن رموزه ومدارسه، وفي مقدمتها تجربة الشهيد ناجي العلي، كما قدّم أعمالًا روائية ومسرحية سعت إلى مقاربة الواقع الفلسطيني بجرأة، بعيدًا عن الصور النمطية والخطابات التقليدية.
وفي ظل التحولات العميقة التي فرضتها الحرب الأخيرة على غزة، يواصل الدكتور عاطف سلامة مشروعه الأدبي والفكري انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الثقافة ليست ترفًا، بل إحدى أدوات المقاومة، وأن الكلمة الصادقة، كما اللوحة والمسرحية والرواية، قادرة على حفظ الذاكرة والدفاع عن الرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات الطمس والتزوير.
في هذا الحوار المطوّل، يتحدث الدكتور عاطف سلامة عن تجربته في الكاريكاتير والأدب والمسرح، وعن رؤيته للنقد والبحث العلمي، ومستقبل الثقافة الفلسطينية، ودور المثقف في زمن الحرب، كما يكشف عن مشروعه الأدبي الجديد “نحن… الشعب الذي لا يموت”، الذي يسعى من خلاله إلى توثيق واحدة من أكثر المراحل قسوة في التاريخ الفلسطيني المعاصر، ويقدم رؤيته ورسائله إلى الجيل الجديد من الكتّاب والفنانين الفلسطينيين.

 

سؤال 1: يشكل الكاريكاتير جزءًا أساسيًا من مشروعك الفكري، وقد أصدرت عدة كتب ودراسات في هذا المجال. كيف ترى تطور الكاريكاتير الفلسطيني والعربي اليوم، وما دوره في الدفاع عن الرواية الفلسطينية، خاصة في ظل حرب الإبادة على غزة؟
إذا أردنا أن نختصر الكاريكاتير في جملة واحدة، فسأقول: الكاريكاتير هو الصورة التي تقول ما تعجز عنه آلاف الكلمات. إنه ليس رسماً مضحكاً كما يظن البعض، بل هو موقف فكري، وشهادة بصرية، ووثيقة تاريخية قد تبقى أكثر رسوخاً في الذاكرة من عشرات المقالات والخطب.
بالنسبة للفلسطيني، يكتسب الكاريكاتير أهمية استثنائية، لأننا شعب يعيش قضية مستمرة، وكل يوم من حياتنا يحمل حكاية تستحق أن تُروى. والفنان الفلسطيني لا يرسم وجهاً فقط، بل يرسم وطناً، وأماً تنتظر، وأسيراً يحلم، وطفلاً يحمل حقيبته المدرسية فوق أنقاض بيته، وشجرة زيتون تقاوم الجرافة، ومفتاحاً لا يزال يحتفظ بحرارة اليد التي حملته منذ النكبة.
لهذا كنت أقول دائماً إن الكاريكاتير هو المرآة الأكثر صدقاً للمجتمع؛ ففيه تستطيع أن ترى الفلسطيني غاضباً، وضاحكاً، ومحباً، ومتمسكاً بأرضه، وصابراً، وساخراً من أوجاعه في الوقت ذاته. إنه يرصد مزاجه اليومي، وعلاقاته الاجتماعية، وهمومه الاقتصادية، وانتماءه الوطني، وحتى تفاصيل حياته الصغيرة التي قد تبدو عابرة، لكنها تحمل في داخلها دلالات عميقة.وأحياناً أقول مازحاً إن رسام الكاريكاتير هو الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يرسم مسؤولاً كبيراً برأس أكبر من جسمه، ثم ينام مرتاح الضمير! فالكاريكاتير لا يقيس الأشخاص بأحجامهم الحقيقية، بل بأحجام أخطائهم.
لقد تطور الكاريكاتير الفلسطيني عبر أجيال متعاقبة، بدءاً من الرواد الذين وضعوا اللبنات الأولى لهذا الفن، ثم جاءت مرحلة العمالقة، وفي مقدمتهم الشهيد ناجي العلي، الذي نقل الكاريكاتير من مساحة التسلية إلى مساحة المقاومة الفكرية، وجعل من الريشة بندقية، ومن “حنظلة” ضميراً عربياً لا يزال واقفاً حتى هذه اللحظة.
ومن بعده، واصل الفنانون الفلسطينيون حمل هذه الرسالة، كلٌّ بأسلوبه ولغته البصرية الخاصة، لكنهم اجتمعوا جميعاً على هدف واحد، وهو الدفاع عن الإنسان الفلسطيني وعن روايته الوطنية في مواجهة محاولات الطمس والتزوير. فالكاريكاتير الفلسطيني لم يكن يوماً فناً محايداً، بل كان منحازاً للحقيقة، وللإنسان، وللحرية.
ولذلك نجد أن كل مرحلة من مراحل القضية الفلسطينية كان لها أرشيفها الكاريكاتيري؛ من النكبة، إلى النكسة، إلى الانتفاضتين، إلى الحصار، وصولاً إلى حرب الإبادة التي يعيشها قطاع غزة اليوم.

 

وفي هذه الحرب تحديداً، أثبت الكاريكاتير الفلسطيني أنه لا يقل أهمية عن عدسة المصور أو قلم الكاتب. فلم تبقِ هذه الحرب مأساة إلا ووثقتها الريشة الفلسطينية؛ الطفل الجائع، والخيمة، وطوابير الماء، والمستشفى المقصوف، والطبيب الذي يجري العملية بلا كهرباء، والصحفي الذي يحمل الكاميرا بيد، ويودع زميله باليد الأخرى، والأم التي تكتب أسماء أطفالها على أذرعهم خشية أن تضيع هوياتهم تحت الركام… حتى كيس الطحين، وعلبة السردين، وشاحنات المساعدات، والخبز، والخيمة، والبطانية، أصبحت جميعها رموزاً كاريكاتيرية تحمل أبعاداً سياسية وإنسانية تتجاوز شكلها البسيط.
ولعل ما يميز الكاريكاتير الفلسطيني أنه لا يكتفي بتوثيق الألم، بل يحاول أن يحافظ على الأمل أيضاً. فوسط كل هذا الخراب، لا بد أن تجد طفلاً يرفع العلم، أو زيتونة تشق الإسفلت، أو مفتاحاً يرفض أن يصدأ، وكأن الرسام يقول لنا: إن الحياة، مهما ضاقت، ما زالت قادرة على المقاومة.لقد حاول الاحتلال، عبر عقود طويلة، أن يحتكر الصورة كما احتكر الرواية، لكن الكاريكاتير الفلسطيني كان دائماً يفسد عليه هذا الاحتكار. فاللوحة الكاريكاتيرية لا تحتاج إلى مترجم، ولا إلى مؤرخ، ولا إلى محلل سياسي؛ إنها تخاطب الضمير الإنساني مباشرة. قد يختلف الناس في قراءة مقال سياسي، لكنهم غالباً ما يتفقون أمام لوحة صادقة تفضح الظلم وتنتصر للإنسان.
ومن خلال تجربتي البحثية في دراسة الكاريكاتير الفلسطيني، وإصداراتي التي تناولت هذا الفن، ازددت قناعة بأن الكاريكاتير ليس فناً هامشياً، بل هو أحد أهم أسلحة القوة الناعمة الفلسطينية. إنه وثيقة بصرية تحفظ الذاكرة، وتفضح الجريمة، وتدافع عن الحق، وتمنح الأجيال القادمة فرصة لرؤية التاريخ كما عاشه الناس، لا كما أراد المحتل أن يكتبه.
وأعتقد أن مستقبل الكاريكاتير الفلسطيني سيكون أكثر أهمية بعد هذه الحرب، لأن العالم لم يعد يبحث فقط عن الخبر، بل عن الصورة التي تختصر الحقيقة. والكاريكاتير، حين يكون صادقاً، يستطيع أن يهزم آلاف الصفحات من الدعاية المضللة بخط أسود واحد، وبفكرة ذكية، وبضمير حي لا يعرف المساومة.

سؤال 2: خصصت مساحة واسعة في أبحاثك للحديث عن ناجي العلي وحنظلة، كما تأثرت بتجربته منذ البدايات. ماذا يمثل ناجي العلي بالنسبة لك، وكيف تنظر إلى مستقبل الكاريكاتير الفلسطيني بعده؟
حين يُذكر اسم الفنان الكبير الشهيد ناجي العلى ، لا نتحدث عن رسام كاريكاتير فحسب، بل عن مدرسة كاملة، وعن ضمير فلسطيني ظل يقظًا حتى بعد استشهاده. هناك فنانون يرسمون لوحات جميلة، وهناك فنانون يصنعون أسلوبًا، أما ناجي العلي فقد صنع قضية، وجعل من الريشة موقفًا لا يهادن، ومن الخط الأسود بيانًا سياسيًا وإنسانيًا.
بالنسبة لي، لم يكن ناجي العلي مجرد فنان أعجبت برسوماته في سنوات الدراسة الثانوية، بل كان أول معلم علّمني أن الكاريكاتير ليس للضحك، وإنما للتفكير. وأن الضحكة الحقيقية في الكاريكاتير ليست تلك التي ترتسم على الشفاه، بل تلك التي توقظ العقل، وتزعج الفاسد، وتكشف المستور. لذلك كنت أعود إلى أعماله مرارًا، لا لأتعلم كيف أرسم، وإنما لأتعلم كيف أفكر قبل أن أرسم. وقد أفردت في أبحاثي وكتبي مساحة واسعة للحديث عن ناجي العلي، لأنني كنت أؤمن أن دراسة تجربته ليست نوعًا من الوفاء لشخصه فقط، بل ضرورة لفهم تطور الكاريكاتير الفلسطيني والعربي. فهو لم يغيّر شكل اللوحة فحسب، بل غيّر وظيفتها أيضًا. نقلها من زاوية التسلية إلى ميدان المواجهة، وجعلها شريكًا في صناعة الوعي، وفي الدفاع عن الرواية الفلسطينية. ولعل أعظم ما أنجزه ناجي العلي أنه ابتكر شخصية حنظلة، ذلك الطفل الذي أدار ظهره للعالم، لكنه لم يُدر ظهره لفلسطين. كثيرون يظنون أن حنظلة مجرد شخصية مرسومة، بينما أراه أنا أكبر من ذلك بكثير؛ إنه ضمير الفلسطيني، والشاهد الذي لا ينام، والطفل الذي رفض أن يكبر في عالمٍ مقلوب. وقد قلت في أكثر من مناسبة إن عبقرية ناجي العلي لم تكن في رسم حنظلة، بل في جعله يعيش بعد استشهاده، حتى أصبح رمزًا عالميًا للمقاومة والرفض والكرامة. وما يثير إعجابي في تجربة ناجي العلي أنه لم يكن يرسم ليُرضي أحدًا، بل كان يرسم ليُقلق الجميع. لم يجامل سلطة، ولم يهادن حزبًا، ولم يغيّر بوصلته تبعًا للمتغيرات السياسية. ولذلك كان ثمن الصدق باهظًا، لكنه كان يدرك أن الريشة التي لا تدفع ثمنًا، قد لا تغيّر شيئًا.
وأعترف أنني تأثرت به أيضًا في تمسكي بالرسم التقليدي بالأبيض والأسود. كنت وما زلت أرى أن هذين اللونين يكفيان لرسم العالم كله. فالحق لا يحتاج إلى ألوان كثيرة كي يبدو واضحًا، والظلم لا يحتاج إلى تدرجات لونية حتى نكتشفه. أحيانًا يكون الخط الأسود أبلغ من لوحة تمتلئ بالألوان.
لكنني كنت حريصًا، في الوقت نفسه، ألا أكون نسخة من ناجي العلي. فالوفاء الحقيقي لأي مبدع لا يكون بتقليده، وإنما بإكمال الطريق بطريقتك الخاصة. لذلك سعيت إلى بناء لغتي البصرية، وإلى معالجة قضايا المجتمع الفلسطيني اليومية، ومواجهة الفساد والاحتلال والهموم الاجتماعية من زاوية تخصني، مع الاحتفاظ بذلك الدرس الكبير الذي تعلمته من ناجي: أن الفكرة هي البطلة الحقيقية في الكاريكاتير.
أما عن مستقبل الكاريكاتير الفلسطيني، فأنا متفائل رغم كل الظروف. صحيح أننا فقدنا قامات كبيرة، لكن فلسطين لم تتوقف يومًا عن إنجاب المبدعين. واليوم نرى جيلاً جديدًا من رسامي الكاريكاتير يمتلك أدوات فنية وتقنية متقدمة، ويواصل الدفاع عن القضية الفلسطينية بلغات بصرية حديثة تصل إلى العالم كله خلال ثوانٍ عبر المنصات الرقمية.
وقد أثبتت حرب غزة الأخيرة أن الكاريكاتير الفلسطيني لا يزال حيًا، بل أكثر حضورًا من أي وقت مضى. فكل مشهد من مشاهد الحرب تحوّل إلى لوحة، وكل جريمة إلى شهادة بصرية، وكل طفل إلى رمز، وكل خيمة إلى قصة. لقد أدرك الفنانون الفلسطينيون أن معركة الصورة لا تقل أهمية عن معركة الميدان، وأن اللوحة الصادقة تستطيع أن تعبر الحدود والأسلاك الشائكة والجدران، لتصل إلى ضمير الإنسان أينما كان.
وأحب أن أختم بطرفة تحمل شيئًا من الحقيقة؛ كثيرًا ما كنت أقول إن الاحتلال ربما يستطيع أن يصادر صحيفة، أو يغلق معرضًا، لكنه لا يستطيع أن يعتقل فكرة. والفكرة في الكاريكاتير كالعصفور؛ قد تطير من ورقة، لكنها سرعان ما تحط على ملايين العقول. لذلك أعتقد أن ناجي العلي لم يرحل، بل تغيّرت فقط اليد التي تمسك الريشة. أما الرسالة، فما زالت تُكتب، وما زال حنظلة يقف في المكان نفسه، ينتظر اليوم الذي يلتفت فيه إلى العالم، بعد أن يرى فلسطين حرة كما أرادها ناجي، وكما نحلم بها جميعًا.

سؤال 3: قدمت للمكتبة العربية العديد من الإصدارات في الكاريكاتير والمسرح والرواية، وصولًا إلى أعمالك الأخيرة مثل “الأسيرة”، و”ملف مصنف سري”، و”حوار بين قذيفتين”. ما الذي يميز هذه الأعمال، وما القضايا التي حاولت معالجتها من خلالها؟
إذا تأملتُ جميع إصداراتي، على اختلاف أجناسها الأدبية والفنية، أجد أنها تبدو متنوعة في الشكل، لكنها في الحقيقة تنتمي إلى مشروع فكري واحد، هو الدفاع عن الإنسان الفلسطيني، وتوثيق ذاكرته، ومساءلة واقعه، بعيدًا عن الشعارات الجاهزة والخطابات الإنشائية. فسواء كتبت بحثًا أكاديميًا، أو رسمت لوحة كاريكاتيرية، أو ألفت رواية أو مسرحية، كنت أبحث دائمًا عن الإنسان الذي يقف خلف الحدث.
في بداياتي انشغلت بالبحث في فن الكاريكاتير، لأنني كنت أؤمن أن هذا الفن لم ينل حقه في المكتبة العربية. لذلك جاءت كتبي مثل “الصحافة والكاريكاتير”، و**”الكاريكاتير… سلطة السخرية والفن المشاغب”، و”الكاريكاتير… فن اختراق التابوهات”**، لتؤسس مرجعًا علميًا يدرس هذا الفن بوصفه وسيلة للتأثير في الرأي العام، وليس مجرد رسومات ساخرة على هامش الصحف. حاولت أن أكتب عن تاريخ الكاريكاتير، ومدارسه، ورموزه، وقوانينه الفنية، ودوره في تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي، لأنني كنت مقتنعًا بأن الكاريكاتير ليس ابنًا عاقًا للفنون التشكيلية كما يُقال، بل ربما يكون أكثرها جرأة وقدرة على قول الحقيقة.
أما في ألبومي “حنظلة يعود من جديد”، ثم “المقص”، فقد انتقلت من التنظير إلى الممارسة. حاولت أن أقدم لوحة تقول للقارئ: لا تضحك لأن الرسام أراد أن يضحكك، بل ابتسم لأنك اكتشفت الحقيقة. كنت دائمًا أؤمن أن أفضل لوحة كاريكاتيرية هي تلك التي تجعل المشاهد يصمت لدقائق قبل أن يتكلم. ثم جاءت الرواية، لا لأنها بديل عن الكاريكاتير، وإنما لأنها تمنحني مساحة أوسع للتوغل داخل النفس البشرية. ففي “ندبة المرايا” لم أكتب عن بطل مثالي، بل عن إنسان سقط في مستنقع السلطة والفساد، لأنني مؤمن بأن الأدب الحقيقي لا يزين الواقع، بل يكشفه. لم أرد أن أكتب رواية تُرضي الجميع، وإنما رواية تزعج القارئ وتدفعه إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات.
وفي “غصة مدينة” اقتربت أكثر من غزة، ليس باعتبارها مدينة جغرافية، وإنما باعتبارها كائنًا حيًا يتنفس ويتألم. حاولت أن أوثق الغصة اليومية التي يعيشها الإنسان الفلسطيني، تلك الغصة التي قد تبدأ بانقطاع الكهرباء، ولا تنتهي عند فقدان الأحبة، مرورًا بكل التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة تحت الحصار.
أما المسرح، كما في “مشهد من غزة”، فقد كان محاولة لإعادة الإنسان إلى خشبة المسرح، بعيدًا عن الخطابة المباشرة. كنت أؤمن أن المسرح الحقيقي لا يقدم حلولًا جاهزة، وإنما يطرح أسئلة، ويترك الجمهور يغادر القاعة وهو يحمل القضية معه. لكن إذا كان لكل مرحلة مشروعها، فإن الحرب الأخيرة على غزة فرضت على الأدب الفلسطيني مسؤولية مختلفة تمامًا. لم يعد الكاتب يكتب عن حدث مضى، بل صار يكتب وهو يعيش الحدث لحظة بلحظة. لم نعد نستند إلى الروايات الشفوية، ولا إلى الوثائق القديمة، بل أصبحنا نحن الوثيقة.
لطالما قرأنا في كتب التاريخ تلك العبارة الشهيرة: “إن التاريخ يكتبه المنتصر.” بل وقيل لنا إن التاريخ كثيرًا ما يكذب أو يُزوَّر. أما في هذه الحرب، فقد تبدلت المعادلة. نحن الذين عشنا التفاصيل، ونحن الذين رأينا الركام، ووقفنا في طوابير الخبز والماء، وودعنا الأحبة، وأحصينا أسماء الشهداء، ولذلك أصبحنا نحن الذين نكتب التاريخ، لا من وراء المكاتب، وإنما من قلب المأساة.

 

من هنا جاءت رواية “الأسيرة”، التي لم تتناول قضية الأسر بوصفها حدثًا سياسيًا فحسب، بل حاولت أن تطرح أسئلة إنسانية وأخلاقية معقدة، وأن تنظر إلى الصراع من زوايا متعددة، بعيدًا عن التنميط، مع الحفاظ على ثوابت الرواية الفلسطينية.
وفي “ملف مصنف سري” دخلت عالمًا مختلفًا، عالم الأسرار، والاستخبارات، والصراعات الخفية، لكنني لم أكن معنيًا بالإثارة المجردة، بقدر ما كنت معنيًا بكشف كيف تتحكم الملفات السرية أحيانًا بمصائر البشر، وكيف تختلط الحقيقة بالشائعة، والسياسة بالإنسان.
أما مجموعتي القصصية “حوار بين قذيفتين” فهي ربما أكثر أعمالي قربًا إلى القلب، لأنها وُلدت من رحم هذه الحرب. فيها لا يتحدث السلاح فقط، بل تتحدث الخيمة، ورغيف الخبز، وعلبة الدواء، وكرسي المدرسة، والبطانية، والطفل الذي كبر قبل أوانه. إنها محاولة لتسجيل تفاصيل قد يراها البعض صغيرة، لكنها في الحقيقة هي التي تصنع الذاكرة الوطنية.
وأعتقد أن أكثر ما يميز هذه الأعمال أنها لا تحاول رسم الفلسطيني بصورة الملَك الذي لا يخطئ، ولا بصورة الضحية العاجزة التي تنتظر الشفقة. أنا لا أؤمن بهذه الصورة. الفلسطيني إنسان قبل كل شيء؛ يحب ويكره، يفرح ويحزن، يصيب ويخطئ، يختلف ويتفق، يضعف ويقوى. لكنه، في النهاية، يمتلك قدرة استثنائية على الصمود والتمسك بالحياة.
ولذلك لم أحاول أن أكتب أدبًا يحتفل بالانتصارات الوهمية، أو يبالغ في رسم البطولات الخارقة. نحن لا نزعم أننا انتصرنا انتصارًا كاسحًا، ولا ندّعي أننا شعب منزَّه عن الأخطاء. ما أقوله دائمًا هو أننا صمدنا… وما زلنا باقين. وهذا الصمود، بكل ما يحمله من وجع ونقص وخسارات وإنسانية، هو أعظم حكاية يمكن أن يكتبها الأدب الفلسطيني اليوم.
وفي النهاية، أشعر أن كل كتاب أصدرته كان خطوة في رحلة واحدة، وما زلت أعتبر نفسي في بدايتها. فما دام في فلسطين طفل يروي حكايته، وأم تنتظر ابنها، وكاتب يحمل قلمه، فستظل هناك قصة جديدة تستحق أن تُكتب، ولو كان الحبر هذه المرة ممزوجًا برائحة الركام، وبإيمان لا ينكسر بأن الكلمة الصادقة تبقى، حتى بعد أن يصمت كل شيء.

سؤال 4: في أعمالك الروائية والمسرحية نلاحظ حضورًا دائمًا للإنسان الفلسطيني بكل تناقضاته، بعيدًا عن الصورة النمطية. كيف توظف الأدب للكشف عن القضايا المسكوت عنها، وما حدود الجرأة التي يؤمن بها الكاتب؟
أؤمن أن وظيفة الأدب ليست أن يجامل المجتمع، ولا أن يكتب ما يرغب الناس في سماعه، وإنما أن يقول ما يتردد الآخرون في قوله. فالكاتب، في نظري، ليس موظفًا للعلاقات العامة، بل شاهد على عصره، وإذا تحول إلى مبرر للأخطاء، فقد الأدب رسالته. ربما لهذا السبب وُصفت كثيرًا بأنني كاتب ورسام “جريء”، سواء في الكاريكاتير أو المسرح أو الرواية. وأعترف أنني لا أنزعج من هذا الوصف، بل أعتبره مسؤولية كبيرة. لكنني أميز دائمًا بين الجرأة والإثارة. فالجرأة ليست أن تصدم القارئ، وإنما أن تكشف الحقيقة، والإثارة ليست أن تهدم المحرمات لمجرد الهدم، وإنما أن تطرح الأسئلة التي يخشى الآخرون الاقتراب منها.
منذ بداياتي في الكاريكاتير، لم تكن ريشتي تعرف المجاملة. كنت أرى أن اللوحة التي لا تُقلق مسؤولًا، أو لا تدفع مواطنًا إلى التفكير، هي لوحة جميلة ربما، لكنها لم تؤد رسالتها. ولذلك جاءت معظم رسوماتي ناقدة، سواء للاحتلال، أو للفساد، أو للتناقضات الاجتماعية، أو للسلوكيات التي تعيق تطور مجتمعنا. كنت أؤمن أن النقد الحقيقي يبدأ من الداخل، لأن المجتمع الذي لا يراجع نفسه، لا يستطيع أن يواجه عدوه.
ولهذا أيضًا، جاءت مؤلفاتي البحثية عن الكاريكاتير لتؤكد أن هذا الفن ليس للضحك فقط، بل هو وسيلة لاختراق التابوهات، وكشف المسكوت عنه، وطرح الأسئلة المؤجلة. كنت أردد دائمًا أن الكاريكاتير يختصر مقالة كاملة في خط أسود، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح ملفًا ظل مغلقًا سنوات.
وحين انتقلت إلى الرواية، اتسعت مساحة البوح أكثر. ففي “ندبة المرايا” لم أختر الطريق السهل، ولم أقدم شخصيات مثالية تريح ضمير القارئ. بل دخلت إلى المناطق الرمادية، حيث تتشابك السلطة بالفساد، والخوف بالمصلحة، والإنسان بضعفه. كان بإمكاني أن أكتب رواية ترضي الجميع، لكنني كنت مقتنعًا أن الرواية التي ترضي الجميع غالبًا لا تغيّر شيئًا. وقد وصف بعض النقاد الرواية بأنها دخلت “حقل ألغام”، لأنها اقتربت من ملفات شائكة، وعرّت شخصيات تمارس ازدواجية الخطاب، وتحدثت عن الفساد الإداري والأخلاقي والسياسي دون تجميل. وهذا ما كنت أريده تحديدًا؛ أن يرى القارئ نفسه في المرآة، حتى لو لم تعجبه صورته.
وفي “غصة مدينة” لم أكتب عن مدينة مثالية، بل عن غزة كما هي؛ مدينة عظيمة في صمودها، لكنها أيضًا مدينة تتعب، وتختنق، وتبكي، وتحمل تناقضات البشر الطبيعية. كنت حريصًا على ألا أقدم الفلسطيني في صورة الملاك الذي لا يخطئ، لأنني أؤمن أن البطولة لا تعني العصمة، وأن الاعتراف بالأخطاء لا ينتقص من عدالة القضية، بل يمنحها صدقية أكبر. وهذا المنهج نفسه رافقني في المسرح. ففي أعمال مثل ” اخر العنقود ” و**”مشهد من غزة”، و**”فرج المقشف”، و**”الحقيبة”، و”وردة”**، و”المرٱة والأشقياء” . ** و”فضاء أزرق “وغيرها، لم تكن الشخصيات مجرد أدوات لإيصال رسالة سياسية، بل كانت نماذج بشرية تحمل الخير والشر، والأمل واليأس، والشجاعة والخوف. كنت أبحث دائمًا عن الإنسان قبل الشعار، لأن المسرح إذا فقد الإنسان، تحول إلى منشور سياسي يُلقى على الخشبة.
أنا لا أحب الشخصيات المصنوعة من الرخام، بل أحب الشخصيات المصنوعة من الطين؛ لأنها تشبهنا. تخطئ، ثم تندم، وتضعف، ثم تقاوم. فالأدب الحقيقي لا يخلق أبطالًا خارقين، وإنما يكشف الإنسان في لحظات ضعفه وقوته معًا.
وفي الحرب الأخيرة على غزة، أصبحت مسؤولية الكاتب مضاعفة. لم يعد يكفي أن نوثق جرائم الاحتلال، فهذا واجب أخلاقي وإنساني، لكن الواجب الآخر هو أن نوثق أيضًا تفاصيل حياتنا الداخلية بكل صدق. كيف يعيش الناس؟ كيف يتعاملون مع الجوع؟ كيف تتغير العلاقات الإنسانية تحت القصف؟ كيف يظهر التضامن أحيانًا، وتظهر الأنانية أحيانًا أخرى؟ هذه أيضًا جزء من الحقيقة.
أنا لا أؤمن بالأدب الذي يلمّع الواقع، كما لا أؤمن بالأدب الذي يجلد المجتمع بلا رحمة. أؤمن بأدب يرى الصورة كاملة. نعم، نحن أصحاب قضية عادلة، ونعم، الاحتلال هو أصل المأساة، لكن هذا لا يعفينا من مراجعة أنفسنا، ومن نقد أخطائنا، ومن مواجهة أمراضنا الاجتماعية والثقافية والإدارية. فالقضية العادلة لا تخاف من الحقيقة، بل تزداد قوة بها.
ولهذا، فإن حدود الجرأة عندي واضحة. أنا لا أبحث عن كسر المحرمات لمجرد الشهرة، ولا أكتب لأصنع ضجة إعلامية عابرة. جرأتي تنبع من الإيمان بأن الكاتب يجب أن يكون أمينًا مع نفسه أولًا، ومع قارئه ثانيًا، ومع التاريخ ثالثًا. وما أرفضه هو أن تتحول الجرأة إلى إساءة، أو إلى تشهير، أو إلى تصفية حسابات شخصية. هناك فرق كبير بين أن تفضح الفساد، وبين أن تسيء إلى الأشخاص، وبين أن تنتقد الفكرة، وبين أن تهين الإنسان.
أحيانًا أسأل نفسي: لماذا يغضب البعض من لوحة كاريكاتيرية أو من رواية؟ ثم أبتسم وأقول: لأن المرآة ليست هي التي تصنع التجاعيد، بل تكشفها فقط. والأدب، في النهاية، يشبه المرآة. قد لا يعجبنا ما نراه فيها، لكن كسرها لن يغير ملامحنا.
لذلك سأظل أكتب بالطريقة نفسها، وأرسم بالطريقة نفسها، مؤمنًا بأن الكلمة الصادقة قد تؤلم في البداية، لكنها في النهاية تداوي. فالكاتب الذي يخشى الاقتراب من المسكوت عنه، يكتب نصف الحقيقة، أما أنا فما زلت أؤمن أن الحقيقة الكاملة، مهما كانت قاسية، هي أجمل ما يمكن أن يقدمه الأديب لوطنه ولقارئه.

 

سؤال 5 : – قدمت عددًا من المسرحيات الاجتماعية والسياسية الساخرة، وكنت من أبرز المنتقدين لواقع المسرح الممول في غزة. كيف تقيم واقع المسرح والثقافة الفلسطينية اليوم، وما أبرز التحديات التي تواجه المبدعين، خاصة في ظل الحرب؟
أنا اعشق المسرح قبل أن أكون كاتبًا له. لم أتعامل مع الخشبة بوصفها مكانًا للترفيه، وإنما بوصفها مساحةً لطرح الأسئلة الصعبة. ولذلك جاءت معظم أعمالي المسرحية، بشهادة النقاد والجمهور، جريئة في موضوعاتها، تلامس المناطق التي يتجنبها كثيرون، وتناقش الإنسان الفلسطيني كما هو، بكل أحلامه وانكساراته وتناقضاته.
كنت أؤمن دائمًا أن المسرح لا ينبغي أن يكون موظفًا لدى أحد، لأن اللحظة التي يصبح فيها الفن موظفًا، يفقد جزءًا كبيرًا من حريته. ومن هنا بدأت ملاحظاتي النقدية لواقع المسرح في غزة، وهي ملاحظات لم تأت من موقع الخصومة، وإنما من موقع الغيرة على هذا الفن الذي أعتبره أحد أهم أدوات بناء الوعي.
للأسف، أرى أن أكبر أزمة عاشها المسرح الفلسطيني لم تكن نقص المواهب، فغزة مليئة بالمبدعين، ولم تكن نقص النصوص، فلدينا كتّاب قادرون على إنتاج أعمال تنافس عربيًا، بل كانت الأزمة في طبيعة التمويل وآليات إدارته.
لقد أصبح المسرح، في كثير من الأحيان، رهينة للمشاريع الممولة. وحين يصبح المشروع هو الأساس، تتحول الرسالة الفنية إلى بند في ميزانية، ويتحول العرض المسرحي إلى نشاط يجب إنجازه قبل موعد التسليم، لا إلى عمل إبداعي يعيش سنوات في ذاكرة الناس. المشكلة ليست في وجود التمويل بحد ذاته، فالفن يحتاج إلى دعم، وهذا أمر طبيعي في كل دول العالم. لكن الإشكالية تبدأ عندما يصبح الممول هو الذي يحدد الأولويات، ويرسم العناوين العريضة، ويقود البوصلة الثقافية بصورة غير مباشرة. قد لا يتدخل في كتابة الحوار حرفيًا، لكنه يحدد الإطار العام، والموضوع المطلوب، والنتيجة المتوقعة، وكأن الفنان يكتب داخل مربع مرسوم مسبقًا. ثم تأتي المشكلة الأكبر، وهي أن كثيرًا من هذه العروض كانت تُقدَّم مرات معدودة جدًا، وأحيانًا أمام جمهور مختار بالدعوات الرسمية، لينتهي المشروع بانتهاء التقرير المالي. وكأن المسرحية لم تُكتب للمجتمع، بل كُتبت لإغلاق ملف إداري.
وأنا أرفض هذه الفكرة تمامًا.
المسرح ليس مناسبة بروتوكولية، وليس حفل افتتاح، وليس صورة جماعية مع الممول. المسرح الحقيقي يعيش عندما يلتقي بالناس، عندما يشاهد العامل والطالب ورب الأسرة واللاجئ والموظف المسرحية، ويخرج منها وهو يحمل سؤالًا جديدًا أو فكرة جديدة.
كنت وما زلت من أشد المدافعين عن ثقافة التذكرة، لأنني أعتبرها معيارًا حقيقيًا لنجاح العمل المسرحي. عندما يدفع المتفرج من ماله ليشاهد العرض، فإنه يمنح الفنان أعظم شهادة ثقة. أما المسرح الذي يعتمد كليًا على الدعوات المغلقة، فإنه يفقد تدريجيًا علاقته الطبيعية مع جمهوره.
وللأسف، فإن بعض من تصدروا المشهد الثقافي لم يديروا هذه المرحلة كما ينبغي. بدلًا من بناء حركة مسرحية مستدامة، أصبح همُّ كثيرين إدارة المشاريع أكثر من إدارة الثقافة. وضاعت أحيانًا حقوق الفنانين بين الإجراءات الإدارية، بينما بقي الممثل، وهو الحلقة الأضعف، يتقاضى الفتات مقارنة بحجم الجهد الذي يبذله.
وأقولها بكل مسؤولية: الفنان الفلسطيني لم يكن يومًا المشكلة، بل كان دائمًا الضحية. الممثل الذي يقضي أشهرًا في البروفات، والكاتب الذي يسهر الليالي على النص، والمخرج الذي يحاول أن يصنع عرضًا بإمكانات شبه معدومة، هؤلاء جميعًا كانوا يستحقون بيئة أكثر عدالة، وأكثر احترامًا لإبداعهم.
ثم جاءت الحرب الأخيرة، لتقلب الطاولة على الجميع.
اليوم نحن لا نتحدث عن أزمة مسرح فقط، بل عن أزمة ثقافة كاملة. المسارح دُمّرت، والمراكز الثقافية استُهدفت، والكتب احترقت، والفنانون استشهد منهم من استشهد، ونزح من نزح، وتحولت الأولويات إلى البحث عن الماء والغذاء والدواء.
لكن المفارقة العجيبة أن الثقافة لم تمت.
رأينا المسرحي يقدم عرضه داخل مدرسة إيواء، والشاعر يقرأ قصيدته داخل خيمة، والرسام يرسم على قطعة كرتون، والطفل يمثل مشهدًا بين الأنقاض. وهنا أدركت أن المسرح الحقيقي ليس مبنى من الإسمنت، بل فكرة تعيش داخل الإنسان.
وأعتقد أن المرحلة المقبلة تفرض علينا إعادة بناء المشهد الثقافي من جذوره، لا الاكتفاء بإعادة إعمار المباني. نحن بحاجة إلى مؤسسات ثقافية مستقلة، وإلى دعم يحترم الفنان ولا يوجهه، وإلى مسرح يعود إلى الناس، لا إلى القاعات المغلقة، وإلى مشروع وطني يجعل الثقافة جزءًا من الصمود، لا بندًا هامشيًا في الموازنات.
ورغم كل انتقاداتي، فإنني ما زلت متفائلًا. لأنني رأيت في غزة ما يجعلني أؤمن بأن هذا الشعب لا يمكن أن يُهزم ثقافيًا. قد يُهدم المسرح، لكن الفكرة لا تُهدم. وقد يُحرق النص، لكن الكلمة لا تحترق.
ولهذا سأظل أؤمن أن المسرح الفلسطيني سيعود، ولكن ليس كما كان. سيعود أكثر حرية، وأكثر قربًا من الناس، وأكثر صدقًا مع واقعه. فالثقافة ليست رفاهية نمارسها في أوقات الرخاء، بل هي إحدى وسائل المقاومة، وربما أكثرها بقاءً بعد أن يصمت صوت الحرب.

سؤال 6: أنت باحث وأكاديمي إلى جانب كونك مبدعًا. كيف تنظر إلى واقع البحث العلمي والنقد الأدبي والفني في الجامعات الفلسطينية، وهل نمنح الفنون الساخرة والمسرح والرواية ما تستحقه من اهتمام أكاديمي؟
أقول ذلك من موقعي كباحث وأكاديمي قبل أن أكون كاتبًا أو روائيًا: لدينا في فلسطين طاقات أكاديمية كبيرة، ولدينا باحثون متميزون، لكننا ما زلنا بحاجة إلى مراجعة جادة لواقع البحث العلمي والنقد الأدبي والفني، لأن ما نطمح إليه أكبر بكثير مما تحقق حتى الآن.
البحث العلمي لا يتطور بالشهادات وحدها، وإنما يتطور عندما تصبح المعرفة مشروعًا يوميًا، وعندما يشعر الأستاذ الجامعي أن مهمته لا تنتهي عند قاعة المحاضرات، بل تبدأ منها. فالجامعة ليست مكانًا لتلقين المعلومات فقط، وإنما مصنع للأفكار الجديدة، وللأسف أرى أن هذا الدور تراجع في كثير من الأحيان.
جزء من المشكلة يعود إلى الظروف الاستثنائية التي يعيشها الأكاديمي الفلسطيني؛ الاحتلال، والحصار، وصعوبة الحركة، وضعف التمويل، وقلة فرص المشاركة في المؤتمرات العلمية الدولية، كلها عوامل أثرت في الإنتاج البحثي. فكثير من الباحثين يُحرمون من السفر للمشاركة في المؤتمرات بسبب قيود الاحتلال، بينما تضيع فرص أخرى نتيجة اعتبارات إدارية أو علاقات شخصية، فيغيب من يستحق الحضور، ويحضر من يملك الطريق الأقصر إلى القرار.
لكنني في الوقت نفسه لا أحب أن نلقي كل اللوم على الظروف الخارجية. هناك أيضًا مسؤولية داخلية يجب الاعتراف بها. فبعض الجامعات، مع الأسف، أصبحت منشغلة بالمنافسة على استقطاب الطلبة، وافتتاح الفروع الجديدة، وتحقيق الاستقرار المالي، أكثر من انشغالها ببناء مشروع بحثي حقيقي ومستدام. لا أقول إن الجانب المالي غير مهم، فالجامعة تحتاج إلى الاستمرار، لكن عندما تصبح المؤسسة التعليمية أسيرة للأرقام والإحصاءات، يتراجع البحث العلمي إلى الصفوف الخلفية. وأعتقد أن الباحث الحقيقي يجب أن يبقى طالب علم طوال حياته. المعرفة تتغير كل يوم، والمناهج تتطور، والمدارس النقدية تتبدل، ومن يتوقف عن القراءة والتجديد يتوقف عن التأثير، مهما كانت درجته العلمية.
أما النقد الأدبي والفني، فهذه قضية تؤرقني منذ سنوات.
للأسف، نحن لا نملك حركة نقدية مؤسسية قوية بالقدر الذي تستحقه الساحة الثقافية الفلسطينية. كثير مما يُكتب عن الكتب الجديدة هو أقرب إلى التعريف أو الانطباع أو المجاملة، وليس إلى النقد العلمي بمعناه الحقيقي. أحيانًا أقرأ ما يُكتب عن بعض الإصدارات، فأشعر أن الكاتب لم يناقش النص، بل كتب عن صاحبه.
وأقولها بمحبة: نحن بحاجة إلى أن نفصل بين الصداقة والنقد.
ليس من واجب الناقد أن يمدحني لأنني صديقه، وليس من واجبي أن أغضب إذا اختلف معي. النقد الحقيقي ليس تصفيقًا، كما أنه ليس هجومًا شخصيًا، بل قراءة علمية تكشف نقاط القوة ونقاط الضعف معًا.
وللأسف، نشأت في بعض الأوساط الثقافية حالة من الترويج المتبادل؛ هذا يكتب مقدمة لذاك، وذاك يكتب مقالة عن هذا، ثم يتبادلان كلمات الإطراء، بينما يبقى النص نفسه بعيدًا عن التشريح النقدي الحقيقي. وهكذا يخسر الكاتب فرصة التطور، ويخسر القارئ فرصة الاطلاع على قراءة موضوعية.
وقد لمست ذلك في تجربتي الشخصية. بعض أعمالي حظيت باهتمام نقدي جاد، وهذا أسعدني كثيرًا، لأنني استفدت حتى من الملاحظات التي اختلفت معها. لكن هناك أعمالًا أخرى مرت بصمت، أو لم يُكتب عنها إلا في إطار العلاقات الشخصية، بينما كانت تستحق دراسات أكاديمية أعمق، سواء اتفقت معها أم اختلفت.
وأعتقد أن أكثر الفنون ظلمًا في الجامعات الفلسطينية هو المسرح، ثم يأتي بعده فن الكاريكاتير.
فعلى الرغم من أن الكاريكاتير يُعد من أهم أدوات تشكيل الرأي العام، ومن أكثر الفنون ارتباطًا بالقضية الفلسطينية، فإنه لا يزال يحضر في كثير من الجامعات بوصفه هامشًا، لا بوصفه حقلًا معرفيًا مستقلًا. وهذا ما حاولت معالجته في كتبي وأبحاثي، عندما سعيت إلى تأصيل هذا الفن أكاديميًا، وإبراز قيمته التاريخية والسياسية والإعلامية.
أما المسرح، فهو يكاد يكون غائبًا عن الدراسات الأكاديمية المتخصصة، باستثناء جهود فردية هنا وهناك. مع أن المسرح الفلسطيني يمتلك تجربة غنية، ونصوصًا تستحق أن تُقرأ وتُحلل وتُدرّس، لا أن تبقى حبيسة رفوف المكتبات.
والرواية الفلسطينية أيضًا، رغم حضورها المتزايد، ما زالت بحاجة إلى اهتمام أكاديمي أوسع. نعم، هناك رسائل ماجستير ودكتوراه، وهناك أبحاث جيدة، لكن حجم الإنتاج الروائي الفلسطيني اليوم أكبر بكثير من حجم الدراسات التي تتناوله. وبعض الأعمال لا تصل إلى الباحثين إلا إذا كانت مدعومة بعلاقات شخصية أو بحضور إعلامي لافت.
أنا لا أطالب بأن تُدرَّس أعمالي أو أعمال غيري لمجرد أنها صدرت، وإنما أطالب بأن يكون معيار الاختيار هو القيمة العلمية والفنية، لا اسم الكاتب، ولا شبكة علاقاته.
وفي ظل الحرب التي يعيشها شعبنا، تصبح مسؤولية الجامعة أكبر. فنحن لا نحتاج فقط إلى توثيق الدمار، بل إلى توثيق الثقافة التي قاومت هذا الدمار. نحتاج إلى دراسات عن الأدب الذي وُلد تحت القصف، وعن المسرح الذي خرج من الخيام، وعن الكاريكاتير الذي واجه الدبابة بخط أسود، وعن الرواية التي كتبت التاريخ من قلب الحدث.
أتمنى أن تتحول الجامعات الفلسطينية إلى مراكز لإنتاج المعرفة، لا مجرد مؤسسات تمنح الشهادات. وأن يتحول الناقد إلى شريك في صناعة الأدب، لا إلى مروّج له. وأن يشعر الكاتب أن عمله سيُقرأ بعين علمية محايدة، لا بعين الصديق أو الخصم.
وأؤمن أن الثقافة الفلسطينية تستحق أكثر مما هو قائم اليوم. فهي ليست ثقافة هامشية، بل ثقافة شعب يكتب تاريخه وهو يعيشه. وإذا أحسنّا توثيقها ونقدها ودراستها، فإننا لا نخدم الأدب وحده، بل نحفظ الذاكرة الوطنية للأجيال القادمة، ونمنحها المكانة التي تستحقها في الجامعات العربية والعالمية.

سؤال 7: الحرب الأخيرة على غزة غيرت ملامح الإنسان والمكان والثقافة. كيف أثرت هذه التجربة على مشروعك الأدبي، وهل تعتقد أن الأدب الفلسطيني بعد هذه الحرب سيدخل مرحلة جديدة تختلف عما قبلها؟
لا أبالغ إذا قلت إن هذه الحرب لم تغيّر حياتنا فقط، بل غيّرت طريقة الكتابة نفسها. قبلها كنا نكتب عن الذاكرة، أما اليوم فنحن نكتب ونحن داخل الذاكرة. كنا نستعيد الأحداث من الشهود، أما الآن فنحن الشهود. كنا نقرأ التاريخ ونناقش مدى صدقه، أما اليوم فنحن نعيش التاريخ لحظة بلحظة، ونحاول أن نكتبه قبل أن يحاول الآخرون تزويره.
لهذا أستطيع أن أقول إن هذه الحرب لم تترك أثرًا في مشروعي الأدبي فحسب، بل أعادت تشكيله بالكامل.
لقد كنت قبل الحرب أتنقل بين الكاريكاتير، والمسرح، والرواية، والقصة القصيرة، وأتناول قضايا المجتمع الفلسطيني بكل ما فيه من تعقيدات سياسية واجتماعية وإنسانية. أما اليوم فقد أصبح لدي مشروع أدبي واضح، أعتبره مشروع العمر، وهو توثيق هذه الحرب من الألف إلى الياء تحت عنوان “نحن… الشعب الذي لا يموت”.
لن يكون هذا كتابًا واحدًا، بل سلسلة أدبية متكاملة، تتوزع بين الرواية، والنوفيلا، والقصة القصيرة، وربما أشكال أدبية أخرى، لأنني مؤمن بأن حدثًا بهذا الحجم لا يمكن أن يحتويه كتاب واحد مهما بلغ حجمه.
أريد أن أكتب الحرب كما عشناها، لا كما ستُكتب في التقارير السياسية.
أريد أن أكتب عن الإنسان قبل أن أكتب عن الصاروخ، وعن الخيمة قبل أن أكتب عن الخريطة، وعن رغيف الخبز قبل أن أكتب عن البيانات العسكرية. سأكتب عن القصف، نعم، لكنني سأكتب أيضًا عن المرأة التي كانت تبحث عن قطعة خشب لتطهو لأطفالها، وعن الأب الذي قطع عشرات الكيلومترات ليحضر جالون ماء، وعن الطفل الذي صار يميز بين أصوات الطائرات أكثر مما يميز بين أصوات الطيور.
سأكتب عن النزوح، وعن الخيام، وعن المجاعة، وعن الأسواق، وعن المواصلات، وعن المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء، وعن المستشفيات التي أصبحت ساحات للحياة والموت في آن واحد.
سأكتب عن العلاقات الاجتماعية التي تغيرت تحت ضغط الحرب، وعن الجار الذي اقتسم آخر رغيف مع جاره، وعن الأم التي كانت تخفي جوعها حتى يأكل أطفالها، وعن الشباب الذين صنعوا من اليأس أملاً، ومن الركام حياة.
وسأكتب أيضًا عن أخطائنا نحن، لأن الأمانة الأدبية تقتضي ذلك. لن أقدم الفلسطيني باعتباره كائنًا أسطوريًا منزّهًا عن الخطأ، وإنما إنسانًا من لحم ودم، يتعب ويغضب ويختلف ويضعف، لكنه في اللحظة الحاسمة يتمسك بالحياة بصورة تدهش العالم.
وأتمنى أن تصبح هذه السلسلة مرجعًا لكل من يريد أن يعرف ماذا جرى في غزة حقًا؛ للباحثين، ولطلبة الجامعات، وللمخرجين، وللفنانين، وللمؤرخين، ولمن سيأتي بعد عشرات السنين ويسأل: كيف عاش هؤلاء الناس كل هذا الجحيم وبقوا على قيد الأمل؟
أنا لا أريد أن أكتب روايات تُقرأ مرة واحدة، بل وثائق أدبية تبقى، لأنني مقتنع أن الأدب الصادق قد يصبح أحيانًا أكثر دقة من كثير من الوثائق الرسمية.
أما عن مستقبل الأدب الفلسطيني، فأنا على يقين بأنه دخل بالفعل مرحلة جديدة، ولن يعود كما كان.
هذه الحرب لم تترك بيتًا إلا ودخلته، ولم تترك كاتبًا إلا وغيّرته. لم يعد الأديب يراقب المشهد من بعيد، بل أصبح جزءًا منه. لم يعد يكتب عن الحرب، بل يكتب من داخلها.
وللأسف، دفعت الأسرة الثقافية الفلسطينية ثمنًا باهظًا. فقدنا شعراء، وروائيين، وكتابًا، وصحفيين، وفنانين تشكيليين، ومسرحيين، ومثقفين، بعضهم استشهد وحده، وبعضهم استشهد مع عائلته كاملة.
أتذكر بحزن الشاعر سليم النفار الذي استشهد مع أفراد أسرته بعدما قُصف البرج الذي احتمى به، وهو يظن أنه في مكان آمن. وأتذكر أيضًا الشاعرة ميسر عليوة، وغيرهما كثير من الأدباء والفنانين الذين لم يحملوا سلاحًا، بل حملوا الكلمة، فكان نصيبهم القتل أيضًا.
لقد استهدفت هذه الحرب الإنسان الفلسطيني بكل مكوناته، حتى الثقافة لم تسلم منها. دُمِّرت المكتبات، وأُحرقت الكتب، وقُصفت الجامعات، والمراكز الثقافية، والمسارح، لكنهم اكتشفوا في النهاية أن الفكرة لا يمكن قصفها.
وأعتقد أن الأدب الفلسطيني بعد هذه الحرب سيكون أكثر واقعية، وأكثر جرأة، وأكثر إنسانية. ستتراجع اللغة الخطابية لصالح التفاصيل الصغيرة، لأن الناس لم تعد تبحث عن الشعارات، بل عن الحقيقة.
الحقيقة التي تقول إن طفلاً قد يفرح بعلبة بسكويت أكثر من فرحه بلعبة، وإن عائلة كاملة قد تعتبر الحصول على لتر ماء إنجازًا، وإن خيمة قد تتحول إلى وطن مؤقت، وإن قطعة خبز قد تصبح حدثًا يستحق أن يُكتب عنه.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي ستصنع الأدب الكبير.
وأعتقد أن العالم، بعد هذه الحرب، لن يقرأ الأدب الفلسطيني بالطريقة نفسها. فالقارئ لن يبحث عن الخيال فقط، بل سيبحث عن الشهادة. وسيبحث عن الكاتب الذي عاش التجربة، لا الذي سمع بها.
ولهذا أشعر أن المسؤولية أصبحت أكبر من أي وقت مضى. فنحن لا نكتب لأننا نحب الكتابة فقط، بل لأننا نخشى أن تُسرق الحكاية. نخشى أن يأتي من يكتب غزة كما يريدها هو، لا كما عشناها نحن.
ولهذا سأظل أكتب، لأنني مؤمن بأن الكلمة الصادقة ليست أقل قيمة من الحجر، ولا أقل أثرًا من الصورة، ولا أقل بقاءً من الذاكرة.
فنحن… بحق… الشعب الذي لا يموت. قد نتعب، وقد نجوع، وقد نفقد أعز الناس، لكننا نمتلك قدرة نادرة على تحويل الألم إلى حكاية، والحكاية إلى ذاكرة، والذاكرة إلى وطن لا يستطيع أحد أن يحتله.

سؤال 8: يرى كثيرون أن أعمالك، سواء في الرواية أو المسرح أو الكاريكاتير، تنطلق من فكرة المقاومة الثقافية. برأيك، ما الدور الحقيقي الذي يستطيع الأديب والفنان الفلسطيني أن يؤديه في مواجهة محاولات طمس الهوية والرواية الوطنية؟
أنا مؤمن بأن المقاومة ليست بندقية فقط، وليست قصيدة فقط، وليست لوحة فقط. المقاومة هي منظومة متكاملة، ولكل فرد فيها موقعه ومسؤوليته. ولذلك أقول دائمًا إن دور المثقف لا يقل أهمية عن دور المقاتل في ساحة الوغى؛ فالمقاتل يدافع عن الأرض، بينما يدافع الكاتب عن معناها، ويحمي الفنان ذاكرتها، ويصون المثقف هويتها من التزوير.
فالاحتلال لا يحاول احتلال الأرض وحدها، بل يحاول احتلال الرواية أيضًا. يريد أن يكتب التاريخ كما يشاء، وأن يقنع العالم بأن الضحية هي الجلاد، وأن الجلاد هو الضحية. وهنا تبدأ معركتنا نحن، معركة الكلمة والصورة والفكرة.
قد يحرر المقاتل مدينة، لكن الأديب هو الذي يحفظها من النسيان. وقد ينتصر المقاوم في معركة، لكن الفنان هو الذي يجعل هذا الانتصار حيًا في ذاكرة الأجيال. ولذلك، فإنني أنظر إلى الأدب والكاريكاتير والمسرح بوصفها أدوات مقاومة ثقافية لا تقل أثرًا عن أي وسيلة أخرى. الكلمة الصادقة قد تعيش مئات السنين، بينما تنتهي كثير من الأحداث بانتهاء زمنها. ولست أول من سار في هذا الطريق، ولن أكون الأخير. نحن نكمل مسيرة طويلة بدأها عمالقة الثقافة الفلسطينية، أمثال ناجي العلي الذي جعل الريشة بندقية، و محمود درويش الذي منح فلسطين صوتًا شعريًا سكن ضمير العالم، وتوفيق زياد الذي علّمنا أن نبقى كأننا عشرون مستحيلًا، واميل حبيبي الذي واجه الاحتلال بالسخرية الذكية، ومعين بسيسو الذي جعل القصيدة خندقًا آخر للمقاومة، وغيرهم من المبدعين الذين أدركوا أن الثقافة ليست ترفًا، بل شكل من أشكال النضال.
أنا لا أعتبر نفسي امتدادًا لأشخاص، وإنما امتدادًا لفكرة. فكرة أن الثقافة الفلسطينية لا يجوز أن تتوقف مهما اشتدت الظروف. ولذلك، عندما أرسم لوحة كاريكاتيرية، لا أفكر فقط في ضحكة القارئ، بل أفكر في الرسالة التي ستبقى بعد سنوات. وعندما أكتب رواية أو مسرحية، لا أبحث عن بطل خارق، بل عن إنسان فلسطيني حقيقي، لأن الإنسان هو أعظم دليل على عدالة القضية.
لقد تعلمت من تجربتي أن الاحتلال يخشى الصورة الصادقة كما يخشى الحقيقة. وربما لهذا السبب استهدف الصحفيين، وقتل الكتّاب، ودمر الجامعات، وأحرق المكتبات، وقصف المسارح والمراكز الثقافية. لأنه يدرك أن معركة الوعي أخطر من معركة السلاح، وأن الأمة التي تحتفظ بذاكرتها يصعب هزيمتها.
وفي حرب 7 اكتوبر 2023 على غزة، رأينا بوضوح كيف تحولت الكلمة إلى جبهة قتال، وكيف أصبحت الصورة وثيقة، وكيف صار الشاعر والصحفي والروائي والفنان جزءًا من المعركة. لم يعد الكاتب يكتب من خلف مكتبه، بل صار يكتب أحيانًا تحت القصف، أو داخل خيمة، أو في مدرسة للإيواء، أو على ضوء شمعة.
وهنا تتضاعف المسؤولية. فنحن لا نكتب لأننا نريد أن نُعرف كأدباء، وإنما لأننا نخشى أن تُسرق الحكاية الفلسطينية. نخشى أن يأتي من يكتب تاريخنا نيابةً عنا، وأن تتحول معاناتنا إلى أرقام جامدة، بينما هي في الحقيقة وجوه وأسماء وأحلام وحياة كاملة. ومن هنا أحاول في أعمالي الأدبية أن أقدم الفلسطيني كما هو، لا كما يريده الإعلام المعادي، ولا كما تريده الشعارات. أقدمه إنسانًا يحب الحياة، ويبني، ويبتسم، ويخطئ، ويغضب، ويحزن، لكنه لا يتخلى عن حقه، ولا يفرط في هويته. إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب ليس أن يخسر معركة، وإنما أن يخسر ذاكرته. فإذا ضاعت الذاكرة، ضاعت الهوية، وإذا ضاعت الهوية، أصبح تزوير التاريخ أمرًا سهلًا.
ولهذا أرى أن الرواية، والمسرح، والكاريكاتير، والقصة، والشعر، ليست مجرد فنون، بل هي أرشيف وطني مفتوح. بعد خمسين أو مئة عام، قد لا يجد الباحث كل الوثائق الرسمية، لكنه سيجد الروايات، والقصائد، واللوحات، والمسرحيات، وسيقرأ من خلالها كيف عاش الفلسطيني، وكيف قاوم، وكيف أحب الحياة رغم كل شيء.
وأحيانًا أقول إن الاحتلال يستطيع أن يهدم بيتًا في دقائق، لكنه يحتاج إلى أجيال كاملة إذا أراد أن يهدم فكرة. والفكرة، إذا سكنت كتابًا أو لوحة أو قصيدة، تصبح أكثر صلابة من الحجر.
لذلك فإن رسالتي إلى كل مبدع فلسطيني هي ألا يستهين بقلمه أو بريشته أو بخشبة المسرح. ربما لا يحمل السلاح، لكنه يحمل ما هو أبقى؛ يحمل الذاكرة، ويحمل الحقيقة، ويحمل الرواية الوطنية التي نحرسها جميعًا.
وأنا على يقين بأن فلسطين ستبقى تُنجب من يحمل هذه الرسالة. فكما حملها ناجي العلي، ومحمود درويش، وتوفيق زياد، وإميل حبيبي، ومعين بسيسو، سيأتي جيل جديد يحملها أيضًا، لأن الاحتلال قد يستطيع أن يقتل الإنسان، لكنه لن يستطيع أن يقتل الفكرة.
ولهذا أؤمن بأن المقاومة الثقافية ليست شعارًا، بل مسؤولية يومية. مسؤولية أن نكتب بصدق، وأن نرسم بضمير، وأن نترك للأجيال القادمة شهادة أمينة تقول: كنا هنا… وعشنا هنا… ودافعنا عن أرضنا بالكلمة كما دافع عنها غيرنا بالبندقية.

سؤال 9: بعيدًا عن المناصب والإصدارات، كيف ينظر الدكتور عاطف سلامة إلى تجربته اليوم؟ وما المشروع الأدبي أو الفكري الذي ما زلت تحلم بإنجازه، وما الرسالة التي توجهها إلى الجيل الجديد من الكتاب والفنانين الفلسطينيين؟
حين أنظر إلى تجربتي اليوم، أحاول أن أنظر إليها بعين الناقد لا بعين صاحبها. أشعر بالرضا، نعم، لكنني لا أشعر بالاكتفاء. هناك فرق كبير بين أن ترضى عما أنجزت، وبين أن تظن أنك وصلت إلى النهاية. أنا راضٍ لأنني بذلت جهدي، وتنقلت بين الإعلام، والكاريكاتير، والمسرح، والرواية، والبحث العلمي، وقدمت للمكتبة الفلسطينية والعربية ما أؤمن أنه سيبقى شاهدًا على مرحلة مهمة من حياتنا. لكنني في الوقت نفسه أشعر أن أفضل ما عندي لم يُكتب بعد.
أنا من الأشخاص الذين لا يقيسون النجاح بعدد الكتب، ولا بعدد الجوائز، ولا بعدد المناصب. ما يبقى في النهاية هو الأثر. هل استطعت أن أضيف فكرة جديدة؟ هل دافعت عن الحقيقة؟ هل تركت عملًا قد يعود إليه باحث أو طالب علم أو قارئ بعد سنوات؟ إذا كانت الإجابة نعم، فأنا أشعر أن الطريق كان يستحق العناء.
ولعل ما يمنحني هذا الشعور هو أنني لم أحصر نفسي في قالب واحد. كتبت البحث العلمي حين شعرت أن المكتبة العربية بحاجة إلى مراجع في الكاريكاتير، وكتبت المسرح لأن المجتمع كان يحتاج إلى من يواجه قضاياه على الخشبة، وكتبت الرواية لأن بعض الحكايات لا يمكن أن تُختزل في لوحة أو مشهد، ورسمت الكاريكاتير لأن الفكرة أحيانًا تحتاج إلى خط أسود أكثر مما تحتاج إلى صفحات طويلة. لكن، إذا سألتني عن المشروع الذي أعتبره مشروع العمر، فسأقول بلا تردد: “نحن… الشعب الذي لا يموت.”
هذا ليس عنوان رواية فقط، بل مشروع أدبي وفكري متكامل، أطمح من خلاله إلى توثيق حرب غزة بكل تفاصيلها الإنسانية والاجتماعية والوطنية. أريده أن يكون مشروعًا مفتوحًا يضم الرواية، والنوفيلا، والقصة القصيرة، وربما اليوميات والشهادات، حتى يصبح سجلًا أدبيًا يوثق ما جرى كما عايشه الناس، لا كما ستكتبه التقارير السياسية.
أريد أن أكتب عن كل شيء… عن الخيام، وعن النزوح، وعن المجاعة، وعن الطوابير، وعن المدارس، وعن المستشفيات، وعن الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم، وعن الأمهات اللاتي تعلمن كيف يخبزن على الحطب، وعن الآباء الذين كانوا يبحثون عن شربة ماء أكثر من بحثهم عن الراحة، وعن العلاقات الاجتماعية التي أعادت الحرب تشكيلها.
وأتمنى أن يصبح هذا المشروع مرجعًا للباحثين، ولطلبة الجامعات، وللمؤرخين، وللمخرجين، وللفنانين، ولكل من يريد بعد سنوات أن يعرف كيف عاش الفلسطيني هذه المرحلة، وكيف صمد، وكيف كتب تاريخه بدمه وصبره وقلمه.
لقد تعودنا أن نقرأ التاريخ مكتوبًا بأقلام الآخرين، لكن هذه المرة نحن الذين نكتب تاريخنا بأنفسنا، وهذه مسؤولية لا تقل أهمية عن أي مسؤولية وطنية أخرى.
أما رسالتي إلى الجيل الجديد من الكتّاب والفنانين الفلسطينيين، فهي أن يؤمنوا أولًا بأن الثقافة ليست ترفًا، وإنما مسؤولية.
أقول لهم: تمسكوا بأصالتكم، وبلغتكم العربية، وهويتكم الوطنية، لأن الأمم التي تفقد هويتها يسهل على الآخرين أن يعيدوا تشكيلها كما يشاؤون. كونوا منفتحين على العالم، لكن لا تذوبوا فيه. تعلموا من كل الثقافات، واقرؤوا لكل الأمم، لكن حافظوا على جذوركم، فالشجرة التي تقطع جذورها لا تصمد طويلًا مهما كثرت أغصانها.
وأوصيهم ألا يجعلوا الشهرة هدفًا، بل الجودة. ففي زمن وسائل التواصل الاجتماعي أصبح الوصول إلى الناس سهلًا، لكن البقاء في ذاكرتهم هو الأصعب.
لا تكتبوا ما يرضي الناس فقط، بل اكتبوا ما يوقظهم. ولا ترسموا ما يثير الإعجاب السريع، بل ما يترك أثرًا طويلًا. فالإبداع الحقيقي لا يُقاس بعدد الإعجابات، وإنما بعدد الأفكار التي يزرعها في العقول.
وأدعوهم أيضًا إلى أن يحملوا رسالة السلام والمحبة، لأننا، رغم كل ما عانيناه، لم نكن يومًا دعاة كراهية. نحن أصحاب قضية عادلة، وعدالة قضيتنا لا تحتاج إلى خطاب الكراهية، بل تحتاج إلى خطاب إنساني يخاطب ضمير العالم.
كما أدعوهم إلى أن يجعلوا من الإعلام والثقافة جسرًا يصل فلسطين بالعالم. قصتنا يجب ألا تبقى محصورة بيننا. علينا أن نرويها بكل اللغات، وبكل الوسائل، وبكل الفنون، لأن من لا يروي حكايته، سيجد من يرويها عنه بصورة مشوهة.
وأقول لهم أيضًا: لا تسمحوا لرواية الاحتلال أن تكون الصوت الأعلى. واجهوا التزوير بالحقيقة، والدعاية بالوثيقة، والكذب بالإبداع. فالرواية الوطنية لا تُحفظ بالشعارات وحدها، بل بالأعمال الجادة التي تحترم عقل القارئ، وتخاطب وجدانه. ولا تتوقفوا عن التعلم. لا يوجد كاتب وصل إلى النهاية، ولا فنان اكتمل. أنا شخصيًا، وبعد كل هذه السنوات، ما زلت أعتبر نفسي طالب علم. وما زلت أتعلم من كتاب أقرؤه، أو لوحة أشاهدها، أو ملاحظة يكتبها ناقد، أو سؤال يطرحه طالب في قاعة المحاضرات.
وفي النهاية، أتمنى أن أُذكر يومًا لا بعدد كتبي، ولا بعدد رسوماتي، ولا بعدد المسرحيات التي كتبتها، وإنما بأنني حاولت، بقدر استطاعتي، أن أكون صادقًا مع وطني، وصادقًا مع قلمي، وصادقًا مع الإنسان الفلسطيني.
فإذا استطاعت كلمة كتبتها أن تحفظ ذاكرة طفل، أو أن تمنح الأمل لشاب، أو أن تساعد باحثًا بعد عشرات السنين على فهم ما جرى في فلسطين، فسأشعر أن رحلتي لم تذهب سدى، وأن ما زرعناه بالكلمة سيبقى، لأن الكلمة الصادقة، مثل الوطن، قد تتعب… لكنها لا تموت.

قد يعجبك ايضا