زەنون سلێڤانەی ــ زاخو
يعيش العراق اليوم مرحلة مفصلية من تاريخه السياسي والاجتماعي، مرحلة تتطلب منا الوقوف بجرأة وشجاعة أمام التحديات البنيوية التي تواجه إدارة الدولة. إن بناء عراقٍ مزدهر، عادلٍ، ومستقر، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إعادة النظر في فلسفة الحكم وأسس السلطة، بحيث تكون قادرة على استيعاب الهوية الدينية العميقة لشعبنا، وفي الوقت ذاته، الانطلاق من رحاب المواطنة الوطنية الشاملة. إن المواءمة بين الأسس الدينية والوطنية في إدارة السلطة بالعراق ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة حتمية لتحقيق الاستقرار والعدالة الاجتماعية.
أولاً: البعد الديني كقيمة أخلاقية وإنسانية جامعة
لا يمكن فصل الهوية العراقية عن قيمها الدينية والروحية التي تمثل عمقاً تاريخياً وحضارياً لأبناء المجتمع كافة. فالديانات السماوية والموروث الإسلامي العريق تحث على العدالة والمساواة: قال تعالى في محكم كتابه: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، وهو المبدأ الذي يجب أن يُترجم إلى سياسات حكومية عادلة تضمن حقوق الجميع دون تمييز الأمانة والنزاهة.
اعتبار الحكم أمانة ومسؤولية أمام الله والتاريخ، وليست مغنماً سياسياً الرحمة والتسامح: تعزيز روح الأخوة والتعايش السلمي بين كافة المكونات والأديان والطوائف التي تكوّن الفسيفساء العراقية الجميلة. عندما يُستلهم الدين بروحه الإنسانية والأخلاقية السامية، فإنه يصبح حصناً منيعاً ضد الفساد والاستبداد، وداعماً أساسياً لبناء مجتمع يحترم الإنسان لذاته.
ثانياً: البعد الوطني كمظلة توحد الجميع
إلى جانب البعد الديني، يمثل الوطن (العراق) المظلة الكبرى التي تجمع العراقيين بمختلف انتماءاتهم وسحناتهم وأطيافهم. إن أسس السلطة الرشيدة تستوجب سيادة القانون والمؤسسات: إخضاع الجميع لسلطة القانون والدستور، بحيث يكون المواطنون متساوين في الحقوق والواجبات. الانتماء الوطني الخالص: تقديم مصلحة الوطن العليا على أي ولاءات ضيقة، فالعراق أولاً وقبل كل اعتبار تكافؤ الفرص: ضمان حقوق كل مواطن عراقي في العيش الكريم والوظيفة والتعليم والرعاية الصحية بغض النظر عن دينه أو مذهبه أو قوميته.
ثالثاً: آليات المواءمة والتكامل بين الدين والوطن
إن الجمع بين الأسس الدينية والوطنية في السلطة يتطلب وعياً سياسياً ناضجاً يمنع استغلال الدين لأغراض حزبية أو فئوية، ويحول دون الانسلاخ عن الهوية والأخلاق. ويمكن تحقيق ذلك عبر: فصل السياسة عن المحاصصة الطائفية: حصر دور الدين في إطار القيم والأخلاق العليا التي توحد ولا تفرق، وجعل إدارة الدولة قائمة على الكفاءة والنزاهة والوطنية.
ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية: اعتبار أن كل مواطن عراقي شريك حقيقي في هذا الوطن، وحمايته واجب الدولة بغض النظر عن خلفيته الدينية. الخطاب التوعوي والإعلامي المعتدل: نشر ثقافة الحوار والتسامح، ونبذ لغة الإقصاء والتطرف، وتذكير القيادات السياسية بمسؤوليتهم الأخلاقية والوطنية تجاه الشعب.
إن العراق يمتلك من الطاقات والكفاءات والموروث القيمي ما يؤهله ليكون نموذجاً ريادياً في المنطقة. وإن نجاح السلطة في العراق مرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرتها على المزج الحكيم بين أصالة القيم الدينية وشمولية الانتماء الوطني. متى ما آمن حكامنا بأن خدمة الشعب عبادة وطنية وأخلاقية، ومتى ما توحد العراقيون تحت راية وطنهم العظيم، فإن المستقبل سيكون واعداً بالسلام والازدهار والعدالة للجميع.