محمد علي الحيدري/ واشنطن
في السياسة، لا تُقاس أهمية الزيارة بوجهتها فقط، بل بتوقيتها أيضاً. ولذلك فإن انتقال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى طهران بعد أيام قليلة من زيارته إلى واشنطن ليس مجرد محطة بروتوكولية ضمن جولة إقليمية، وإنما خطوة محسوبة بعناية لإدارة واحدة من أكثر المعادلات تعقيداً في المنطقة.
فالزيارة إلى واشنطن انتهت بحزمة واسعة من الاتفاقات الاقتصادية والاستثمارية، وبخطاب عراقي ركز على الانتقال من العلاقة الأمنية إلى الشراكة الاقتصادية، في وقت أثارت فيه تلك الزيارة انتقادات حادة من شخصيات إيرانية وقوى عراقية مقربة من طهران.
من هنا، تبدو زيارة طهران محاولة للإجابة عن سؤال واحد: هل تغير العراق استراتيجياً، أم أنه يعيد فقط ترتيب أولوياته؟
الرسالة الأولى التي يحملها الزيدي إلى القيادة الإيرانية هي أن بغداد لا تنوي الانضمام إلى أي محور يستهدف إيران، وأن تطوير العلاقات مع الولايات المتحدة لا يعني إدارة الظهر للجارة التي ترتبط مع العراق بحدود طويلة، وتبادل تجاري واسع، وتشابكات سياسية وأمنية ودينية لا يمكن تجاوزها بقرار سياسي.
أما الرسالة الثانية، فهي أكثر حساسية. فالزيدي سيحاول إقناع طهران بأن استقرار العراق الاقتصادي يحتاج إلى انفتاح واسع على الاستثمارات الغربية، وأن نجاح حكومته في جذب الشركات الأميركية والأوروبية لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه خسارة إيرانية، بل فرصة لاستقرار بلد يصب استقراره في مصلحة الجميع.
لكن هذه الرسالة يقابلها مطلب إيراني متوقع لا يقل وضوحاً: الحفاظ على المصالح الإيرانية داخل العراق، وعدم السماح بتحول الأراضي العراقية إلى منصة للضغط السياسي أو الأمني عليها، خصوصاً بعد التصعيد الأميركي الإيراني الأخير.
ولا يبدو أن طهران ستكتفي بسماع تطمينات عامة. فمن المرجح أنها ستبحث عن إجابات مباشرة تتعلق بمستقبل الفصائل المسلحة، وبملف الوجود الأميركي، وبالاتفاقات الاقتصادية التي أبرمتها بغداد في واشنطن، ولا سيما تلك المرتبطة بالطاقة والنقل، والتي قد تعيد رسم خرائط النفوذ الاقتصادي في المنطقة.
في المقابل، يمتلك الزيدي بعض أوراق القوة. فهو يأتي إلى طهران بعد أن أثبت أنه قادر على فتح أبواب البيت الأبيض أمام العراق، وجذب اهتمام الشركات الأميركية، وهو ما يمنحه هامشاً تفاوضياً أكبر من مجرد تقديم التطمينات. وقد يحاول إقناع الإيرانيين بأن عراقاً مستقراً وقوياً اقتصادياً سيكون أقل عرضة للأزمات، وأكثر قدرة على المحافظة على علاقات متوازنة مع جميع جيرانه.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في واشنطن ولا في طهران، بل في بغداد نفسها. فأي انطباع بأن العراق يميل بصورة حادة نحو أحد المحورين سيعيد إنتاج الانقسامات الداخلية، ويمنح خصوم الحكومة مادة جديدة للتصعيد السياسي. لذلك فإن نجاح الزيدي لن يُقاس بما سيعلنه في المؤتمرات الصحفية، وإنما بقدرته على المحافظة على معادلة دقيقة: شراكة مع الولايات المتحدة من دون قطيعة مع إيران، وعلاقة طبيعية مع إيران من دون الارتهان لها.
وربما لهذا السبب تحديداً تأتي زيارة طهران بعد واشنطن، وليس قبلها. إنها تقول للإيرانيين إن العراق لا يخفي تحركاته، ولا يدير علاقاته الخارجية بمنطق المفاجآت، بل بمنطق التوازنات. لكن السؤال الذي ستجيب عنه الأشهر المقبلة ليس: ماذا قال الزيدي في طهران؟ بل: هل ستقتنع طهران بأن العراق الجديد يريد أن يكون شريكاً مستقلاً، لا ساحة نفوذ، وهل ستسمح واشنطن لهذا التوازن بأن يستمر؟
إذا نجح الزيدي في تثبيت هذا النهج، فإنه يكون قد بدأ بتأسيس سياسة خارجية عراقية أكثر استقلالاً منذ عام 2003. أما إذا فشل، فإن بغداد ستعود مرة أخرى إلى موقعها التقليدي.. ساحةً يتنافس فيها الآخرون، بدلاً من أن تكون دولةً تصنع توازناتها بنفسها.