محمد تحسين الحياني
_________
“سلامٌ عليك فأنت السلام
وإنْ كنتَ مختضبا بالدمِ
وأنت الدليل إلى الكبرياء
بما ديس من صدرك الأكرمِ
وأنّك معتصم الخائفين
يا مَن مِن الذبح لم يَعصمِ
لقد قلتِ للنفس هذا طريقكِ
لاقي به الموتَ كي تسلمي ”
____
الدنيا محطات والعمر تجارب
والدنيا دولاب والأيام اختبار والكلمة شرف والرجولة موقف
وأرباب المصالح تفضحهم المواقف والمنافقون تكشفهم النهايات
وحبل الكذب مهما طال قصير
وكلمة الحق مهما قصرت طويلة
وان اعظم استثمار هو استثمار قلب صادق
وان أبشع الخيانات خيانة
محبة بعطاء وتضحية بلا حدود
وإن اعظم الخلود شهادة من أجل كلمة حق ضد هالة كبيرة من الجبروت
في زمن يقتل الإنسان من أجل كلمة ويعيش الإنسان من أجل كلمة
ولماذا الحسين تحديدا ؟!
لأنها لا تليق الا به
من غيره كان يستحق أن ينال كل هذا الحب في ذاكرة المعذبين والمؤمنين والمهمومين والمقهورين في كل بقاع الأرض
كربلاء كربلاء
موطن الأوجاع وبداية الحزن الإنساني الذي أدمى تاريخا لن يُنسى من الذاكرة
ذاكرة المعذبين والمشردين والمهمومين الذين كلّما أحسوا بالخوف والوحدة ألتجأوا الى كربلاء حيث عاشوراء قصة تاريخ طويل من الألم والوجع والآهات
كربلاء كربلاء حيث هنا احترقت القلوب و تلاشت الأرواح
كربلاء كربلاء بداية التقويم الحقيقي للكرامة والرجولة
وإنّك لستَ بحاجة إلى من يدلك إلى جلابيب الأبالسة وإفك الدجالين والمنافقين
يكفيك الذهابُ إلى كربلاء لتعلم كيف كلمة واحدة أرعبتْ سلاطين الغدر والجبن
اذهب الى ضريح ابن الشهيد وأبي الشهيد وأخي الشهيد وسيد الشهداء
ولا تحمل من الدنيا ولا تأخذ من بقايا عمرك ولا من أكوام سنينك سوى حفنة أوجاع تعيشها ورزمة الهموم العالقة في الخاطر
دع الدنيا كلها وراء ظهرك
واتجه بثيابك التي مزقها الزمن وأرهقتها السنون وأنهكها الحرمان
من أبوة حُرمت من الشعور بها
من أخوة خدعتك الأيام بها
من فقر وعازة أثقلتك الحياة بهما
من حاجة أنزلك الدهر بها
من حب صادق وحنان فطري لم تعشهما
دع خلفك كل محطات العمر
واحمل مآسي سيد الشهداء
إمام الحق قائد الكلمة أبي عبد الله بين راحتيك
جرّد كل شي من الذاكرة واستشعر ساعات تاريخية من عاشوراء غيّرت مجرى الحياة بكل تفاصيلها
وليس كل ما يحدث في هذا الكون قابلا للتفسير فهناك أشياء تتجاوز قوانين المنطق وتخرج من حدود الحسابات فتجبر العقل على الإيمان قبل اعتراف القلوب بها
وقد يقول فلاسفة ومفكرو التاريخ إن الإنسان كائن يبحث عن الكمال ولا يبلغه لكن الإمام الحسين عليه السلام جعل خصومه خصوم الحق يعيدون النظر في تقبل هذه الفكرة فاستحوذ على الكمال كله
بل لم يكن سيد الشهداء ينقصه شيء لكي يبحث عن التمام
والحق يحيطه من كل الاتجاهات
ربما في علم الرياضات يقولون إن أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم أما أبو عبد الله فقد ذهب الطف بأكثر الطرق تعقيدًا
وبينما كان العدو يحيط به من كل الجهات وكأنّهم يرسمون دائرة مغلقة لاغتياله حتى لا يكون هناك احتمال واحد لبقاء الكبرياء ولأنهم كانوا يعلمون ان الحسين بن علي هو الفرصة الأخيرة لبقاء الإنسانية حية
لذلك جهزوا جيشا كبيرا من العدد والعدة ضد بضعة رجال وقليل جدا من صبية ونساء لم يكن مع هذا الركب إلا الله وكلمة من أجلها تغيرت معالم التاريخ
وفي المواجهة التاريخية بين فريق الحق وبين أبالسة الباطل لم تكن المواجهة عادلة ولا حتى منصفة ترقى لقيم الحروب لكن
كل فريق تعامل بأخلاقه
لم تكن القوة العسكرية التي جُهزت ضد إمام الحق قائد الكلمة الحرة التي مات أزلام تلك الكراسي التي طواها التاريخ بركنها في نفايات الجبن والخسة وكيف وهم يواجهون فريقا بسيط العدة والعدد لم يريدوا من الدنيا شيئا الا أن يحفظوا للإنسانية كرامتها وللشرف بقاؤه
فقد كانت الغاية الحسينية من هذه الثورة الخالدة دستورا خالدا وباقيا بقاء الزمن لمنبر الحق
ثورة أخلاقية وإنسانية سامية بكل عناوينها أرادها الحسين عليه السلام تقويما ضد النوايا المبيتة لسحق كلمة الحق حتى لو كان الثمن كم هائل من سيل دماء وأشلاء مقطعة من صبية لم ترتوِ من شربة ماء ذُبحت
في مجازر تجار الغدر والعار الذين ما همّهم إلا كرسي فان وسلطة أُديرت بالعنف والقتل والتنكيل وإكراه الاخر على القبول
ثم أين هؤلاء الذين لم يتفقوا إلا على الغدر والجبن
أين ملوكهم ؟
أين قوتهم ؟
أين جبروتهم ؟
لقد أنسى الزمن تاريخهم وأسمائهم وعنواينهم
وبقي الحسين شامخا منتصرا عالي الهامة مرفوع القدر في كل انحاء العالم
بقي وبقيت كلمته ترعب جغرافية الباطل والأفك
اذهب الى كربلاء واقصد ضريحه الشريف لترى بأم عينيك تلك الهالة
التي طافت اعتابه وكيف اتجهت الوفود المليونية من أصقاع العالم كله قاصدين ثراه التي تزينت بدماء الكلمة الحرة
وأنت تتجول في كربلاء لا ترى سوى مناظر الحزن تخيّم على وجوه الأوفياء من المعذبين والمؤمنين حيث الألم يعبر عن آلاف من الكلمات التي لم تُحكَ
والحبّ الصادق يعتلي سماء الضريح
لا شيء واضح تراه كلّ شيء يدهش العقول ويختزل واقعة الطف ويحكي حقيقة ذبح الحسين بن علي الشهيد المجيد ابن الشهيد وسيد الشهداء على يد شرذمة قتلة لا يملكون قيما ولا يحفظون عهدا ولا يردعهم ضمير ولا يعرفون للأخلاق طريقا ظنّا منهم أنّ الغلبة كانت لهم فانتصر سيد الشهداء عليهم
إن ملحمة الإمام الحسين عليه السلام الكبرى ضد الباطل والخسة كانت من أعظم الدروس والعبر في التاريخ البشري فمنها نستلهم أن كلمة حق تقال أمام سلاطين القتل هي النصرالحقيقي
فالحسين يعلمنا أنّ الشهادة انتصار والباطل وأصحابه زائلون مهما طال الزمن
وفي هذا المقام الذي لا يعلو فوقه مقام ولا يُعز في حضرته عزيز أطالب الأخ رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي بالاستمرار بحملته ضدّ سرّاق المال العام الذين سرقوا أحلام أطفالنا وقتلوا مستقبل شعب كامل طيلة ٢٣ سنة مرّت على الشعب مرورا ثقيلا حيث الجوع والمرض والجهل والتشرد تسبب به لصوص الكراسي فمن هذا المقام أخاطب أنه لا مجال للتراجع ولا للتهاون ضد كل من عبث بمستقبل شعب أنهكته الأيام وعصف به الزمن
وليستذكر السيد علي الزيدي واقعة الطف ويأخذ العبرة من القيمة العليا من عاشوراء بأنها فرصة تاريخية له ليكرر ما فعله جدّه أبو عبد الله ضد الباطل
فحولك يا سيادة الرئيس الزيدي مئات من الغيلان أشدّ خطرا وفتكا من قتلة الحسين
فلا تغفل واجعل الشعب سلاحك ضدّ الباطل